السبت 25 مايو 2024
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان
دولة الصبر الاستراتيجى

دولة الصبر الاستراتيجى

تتحمل مصر العبء الأكبر من القضية الفلسطينية بحكم الجغرافيا والتاريخ. القضية ثابت من الثوابت المصرية.. منذ بدأت حرب فلسطين 48.. وللآن. تعمل مصر على قدم وساق.. تحاول هنا، وتعدل هناك.. تتابع هنا، وتنذر وتحذر هناك.



مع تعنت الأطراف.. على اختلاف أنوائها تمارس الدولة المصرية صبرًا استراتيجيًا، فيما تستمر الجهود حثيثة.. وفوق العادة. 

الجهود المصرية تسابق الزمن.. قبل أن تقع الطامة الكبرى. اجتياح غزة لن يترك ثمرًا ولا شجرًا.

حذرت مصر أكثر من مرة.. ووضعت خطوطًا حمراء. تفرض مصر بقدرتها الخطوط الحمراء وقت اللزوم. 

والخطوط الحمراء المصرية، واضحة.. لذلك فإن كل الاحتمالات واردة ومطروحة.. ومصر على استعداد. 

استعداد، مرة أخرى، لكل الاحتمالات. 

(1)

وصلت الأزمة الآن إلى خطوطها الأخيرة.. لذلك تواصل مصر الضغط على الأطراف لإبرام اتفاق يقى شر أزمة لو اندلعت فلا رابط لها ولا ضابط.

فى إطار الضغط تعمل مصر على تقديم حلول وسط، ومحاولة التقريب بين وجهات النظر المتباينة.

التعارض بين الأطراف واضح وبيّن، لكن الجهود المصرية، تدرى أى طريق تسلكه. ففى مصر رجال يعلمون جيدًا الملف.. يدركون أبعاده، ويسيطرون على تفاصيل الخلافات، وسبل المواءمات.. ويعرفون جيدًا الطريق إلى الحلول. لكن كى تصل القضية إلى حلول.. لا بد من توافق فى الرغبات على إنهاء الأزمة. 

الوضع حتى الآن شديد التشابك. المقاومة فى قطاع غزة تضغط من أجل انسحاب إسرائيلى كامل من القطاع.. خاصة من المناطق ذات التركيز السكانى المرتفع.. بينما فى الجانب الإسرائيلى هناك من يريد الضغط بتقليل مدة هدنة يتفق عليها، مع اختلاف فى عدد الأسرى الفلسطينيين المفترض إطلاقهم من السجون. 

تتعنت إسرائيل فى أعداد الأسرى الفلسطينيين، وتتعنت فى المقابل حماس فى أعداد المطلق سراحهم من الأسرى الإسرائيليين.

وتدور الدوائر.. وتتغير المسارات. 

ومع تعنت الأطراف لأسباب تتراوح بين سياسية وميدانية، فإن اتفاقًا بالهدنة لم ينجز حتى الآن.

كل الأطراف خاطئة.. وربما قاصرة فى رؤيتها. فى تلك الحرب لا أحد كسبان.. كل الأطراف خاسرة، والشعب الفلسطينى هو الخاسر الأكبر.

كل الأطراف لا ترى إلا تحت أقدامها.. بينما فى الآفاق تلوح الكارثة. 

من جانبها، ترى حماس أن لديها القدرة على أن تكمل وتصمد ميدانيًا، بينما إسرائيل تزعم إمكانية تحقيقها نصرًا.. والنصر الوحيد البادى فى الحديث الإسرائيلى هو القضاء على البنية العسكرية لحماس.. ثم القضاء على حماس نفسها.. ثم القبض على قادة حماس فى الأخير. 

 

 

 

لكن للآن لا إسرائيل قضت على حماس، ولا حماس استطاعت أن توقف إطلاق النار، أو أن تخرج إسرائيل من غزة. 

كل من الأطراف يعمل وفق رؤية «أنا عالية» لا تضع الوضع ولا الآخرين ولا الأبرياء فى منظورها.

حتى الآن، آلاف من الشهداء الأبرياء تحت الأنقاض فى غزة، لم تتيسر الأمور حتى لإخراج الجثث ودفنها. 

على الجانب الآخر، فإن أفراد الجيش الإسرائيلى فى غزة فى حالة من الرعب.لم تعتد إسرائيل تلك النوعية من الحروب. لم يعتد الجندى الإسرائيلى حربًا مباشرة، وبـ«عدو» يقف فى المواجهة بالسلاح. 

هزم الجيش الإسرائيلى فى غزة أكثر من مرة.. ومات جنود إسرائيليون فى غزة أكثر من مرة.

لكن فى المقابل هناك دنيا غير دنيا الحرب.. وهناك على الأرض ملايين من الأبرياء الذين لا هم ارتدوا ملابس الحرب ولا هم أطلقوا الرصاص. 

لكن هؤلاء هم الذين شردتهم الحرب، وهؤلاء هم من انتقصت من أعدادهم دانات المدافع.. وصواريخ الطائرات. 

(2)

على الأرض فى غزة، فإن كلا الطرفين إسرائيل وحماس لديهما ادعاءات ميدانية.. وكلا الطرفين يعتقدان فى أنه فى إمكانهما حتى الآن تحويل تلك الادعاءات أو الأوضاع الميدانية، وترجمتها إلى أهداف استراتيجية.. أو إلى نقاط تحمل من قوة الدفع ما يرغم الطرف الآخر على قبول مطالب فى إطار المفاوضات.

لكن.. لا هذا استطاع التوصل إلى ما يريد.. ولا ذاك عرف كيف يدخل الدائرة وعلى صدره علامة نصر من أى نوع. 

السؤال الذي سوف يظل مطروحًا على الطاولات: ماذا كسبت حماس؟ 

ما الذي خرجت به القضية، من يوم 7 أكتوبر للآن؟

السؤال بمعنى آخر: ما الذي عاد على أكثر من مليون ونصف المليون فلسطينى فى القطاع من الهجوم الذي قادته حماس.. ونفذته داخل الأراضى الإسرائيلية؟ 

الإجابة: لا شىء.

بالعكس، فإن حماس حتى يوم السادس من أكتوبر، كانت لها السيادة على كل غزة، فيما كان الشعب فى بيوته ومساكنه من شمال غزة، وحتى جنوبها. صحيح لم تكن الحياة بتلك الجودة، لكن على الأقل كانت هناك حياة، مع كثير من المرافق الحيوية، وكثير من الأمل فى الغد.

اليوم على الأرض، وفى تداعيات 7 أكتوبر، فإن العدد يقترب من 50 ألف شهيد، أغلبهم من الأطفال، بينما الفلسطينيون نزحوا كلهم إلى رفح فى نطاق شديد الضيق، لا تبدو الأرض فيه من الخيام!

فى المقابل : ماذا كسب نتنياهو من استمرار الحرب ؟ 

لا شىء هو الآخر، اللهم إلا المزيد من الوقت على رأس حكومة، مؤجلا المساءلة الشديدة من الشعب، عندما تحين الفرصة، حيث ستكون المحاسبة عسيرة.. لن تترك ولن تُبقى. 

فقد نتنياهو بوصلة الاتجاه، لذلك يحاول أن يسير فى أكثر من اتجاه، غربًا وشرقًا وجنوبًا وشمالًا فى الوقت نفسه.  هو يعمل على إرضاء اليمين فى حكومته، ويعمل فى الوقت نفسه على محاولة كف أصوات أقارب الأسرى لدى حماس، ويعمل من الناحية الأخرى لتهدئة جنرالات جيشه الذين واجهوا أمرين أشد سوءًا كل منهما عن الآخر.

دخول الحرب بعد 7 أكتوبر.. وهجوم لم يتوقعوه ولم يحسبوا حسابه ولم يستطيعوا صده فى 7 أكتوبر. 

(3)

الدور المصري محورى فى حل نزاعات المنطقة والإقليم. تنطلق مصر فى معادلات التعاطى من دور تاريخي معهود.. خصوصًا فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية. 

على مدار أكثر من 5 عقود، لعبت مصر، دورًا ملهمًا للعديد من البلدان فى القضية الفلسطينية، ونجحت القاهرة فى أن تكون وسيطًا نزيهًا موثوقًا فيه من جميع الأطراف. 

فى أكثر من سابقة، نجحت مصر فى رفع المعاناة عن كاهل الفلسطينيين، فى أكثر من حرب شنتها إسرائيل وسقطت فيها أعداد كبيرة من الشهداء الفلسطينيين.

تصدت مصر أكثر من مرة لبعض المساعى التي استهدفت ضياع الحق الفلسطينى، وتصفية القضية. فى هذه المرة، طفت رغبات تصفية القضية، بتهجير الفلسطينيين من أرضهم على السطح، وفق خطة شيطانية، تنتهك القانون الدولى الإنسانى ومعايير كل اتفاقية دولية لحقوق الإنسان.

تعمل مصر على أكثر من محور. محور إنسانى، ومحور سياسى، وصولًا إلى المحور القانونى.

يتعاظم الدور المصري من أجل حقن الدماء الفلسطينية، ولنصرة أم القضايا وإنصاف آلاف من الفلسطينيين. 

على مدار تاريخ الصراع العربى – الإسرائيلى، كانت القاهرة فى الصدارة، بالجهد والدماء، ما يجعلها فى طليعة الصف العربى المناهض للاحتلال الإسرائيلى للأراضى الفلسطينية، ورفض سياسات الاحتلال. 

فى 2023 قدمت مصر تصورًا شاملاً لحل جذور الصراع العربي - الإسرائيلى، خلال «قمة القاهرة للسلام» التي استضافتها القاهرة كطرف وثيق ضامن لأمن طرفى الصراع واستقرار المنطقة بأكملها.

كانت خارطة طريق، وصفت بأنها الحل الأعم والأشمل مقارنة بالتصورات الغربية التي انحاز بعضها، أو التي لم يخل بعضها الآخر من عدم معقولية، أو شىء من النقاط التي تهدد حق الفلسطينيين فى إقامة دولتهم.

خارطة الطريق المصرية كانت ولا تزال مفتاح الاستقرار فى المنطقة، حيث الحلول العادلة، والشاملة. 

أو قل حيث الحلول الأكثر عدلًا.. والأكثر شمولًا.

تستهدف خارطة عمل الدولة المصرية، أولًا «إنهاء المأساة الإنسانية الحالية، وإحياء مسار السلام، من خلال عدة محاور». 

تبدأ محاور الحل من التدفق الكامل والآمن، والسريع والمستدام، للمساعدات الإنسانية لأهل غزة، ثم إنهاء التفاوض حول التهدئة ووقف إطلاق النار باتفاق شامل كامل للهدنة، تبدأ مراحله تدريجيًا باتفاق الأطراف كلها، ليدخل حيز التنفيذ.. ثم تتوالى بعده مفاوضاتٍ إحياء عملية السلام، وصولًا لأعمال حل الدولتين، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، التي تعيش جنبًا إلى جنب، مع إسرائيل، على أساس مقررات الشرعية الدولية، مع العمل بجدية على تدعيم السلطة الوطنية الفلسطينية الشرعية، للاضطلاع بمهامها، بشكل كامل، فى الأراضى الفلسطينية».

لا حلول  للقضية إلا الحلول المصرية.