السبت 25 مايو 2024
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان
روزاليوسف فى بيت الأمة!

روزاليوسف فى بيت الأمة!

«كان «مصطفى أمين» بالذات أكثرهم نشاطًا وأكثرهم إصرارًا على النجاح وكان تفوقه عليهم ظاهرًا». هكذا كتبت السيدة روزاليوسف عن «مصطفى أمين» أحد تلامذة مدرسة روزاليوسف كما تحدثت عنهم فى كتابها «ذكريات».



وعندما اختلف الأستاذ «محمد التابعى» مع السيدة روزاليوسف فى صيف سنة 1934 وقرر الانفصال عن مجلة روزاليوسف كان مصطفى أمين «على رأس الذين خرجوا معه ليؤسسوا مجلة آخر ساعة».

 

إن السنوات التى قضاها «مصطفى وعلى أمين» فى روزاليوسف كانت حافلة سياسيا وصحفيا من مصادرات للمجلة إلى تعطيلها مرات عديدة وكان شاهدًا حرص على كتابة تجربته وذكرياته فى عشرات المقالات ولعل أهمها كتابه «من عشرة لعشرين»، الصادر عام 1981.

 

 

 

ومن أهم الكتب التى صدرت عنه كتاب «أسرار على أمين ومصطفى أمين» للصحفى والناقد الكبير «محمد السيد شوشة» الصادر فى سلسلة كتاب اليوم عدد يناير سنة 1977، فقد عاد المؤلف إلى ذكريات مصطفى أمين نفسه ومنها فترة اشتغاله فى روزاليوسف، وهى ذكريات مهمة ولا تنقصها المتعة والإثارة.  

فى كتاب «أسرار على أمين ومصطفى أمين» يعود لبدايات تعرفه على مجلة روزاليوسف فى بيت الأمة حيث يروى مصطفى أمين:

فى عام 1925 كنت تلميذا فى السنة الرابعة الابتدائية وكنت أستذكر دروس فى «بيت الأمة» فقد رأى والداى أن يفصلانى عن أخى التوأم، لأننا ما اجتمعنا معًا إلا ولعبنا، وأجلستنى «أم المصريين» فى غرفة مكتب الزعيم الخالد «سعد زغلول» ومعى كتب النحو والصرف، فقد كنت راسبًا فى امتحان اللغة العربية واستعد للملحق!!

وبينما كنت «أدعبس» فى المكتب وجدت مجلة «الهلال» ومجلة «المقتطف» ومجلة «روزاليوسف» وأمسكت المقتطف فإذا به يتحدث عن نظرية «داروين» وحوض البحر الأسود! قلت: أعوذ بالله إن كتاب النحو أرحم من مجلة المقتطف!

وأمسكت «الهلال» فإذا فى أول صفحة منه بحث عن «أينشتين» وتأثير نظرية النسبية فى عقلية الشعوب، ثم أربع خرائط جغرافية!

وأقفلت مجلة الهلال وقلت لنفسى: لقد حبسونى فى زنزانة من الكتب العلمية والعياذ بالله!

ثم رأيت مجلة «روزاليوسف» فإذا فيها مقال للتابعى عن الممثلات والممثلين ورأيه فى تمثيل زينب صدقى والنكتة التى قالتها عزيزة أمير وأعجبت بالكاتب، وتمنيت لو أصبح كاتبًا مثله أستطيع أن أجلس مع «زينب صدقى» وأتحدث مع «أم كلثوم» خصوصًا وقد وعدنى والدى أن أسمع أم كلثوم عندما أنال شهادة الكفاءة أى بعد عدة سنوات!

ومن ذلك اليوم دأبت على قراءة مقالات «التابعى».. كنت أخفى مجلة روزاليوسف بين كراسات الإنشاء والأشياء، وكنت أتتبع المجلات التى يكتب فيها، وكنت أتمنى اليوم الذى يعرفنى فيه بزينب صدقى «ويصحبنى إلى زيارة أم كلثوم».

 

 

 

ويقول المؤلف إن مصطفى أمين عاد إلى شقيقه «على» يقص عليه ما قرأه فى العدد الأول من روزاليوسف فى مكتبة سعد زغلول وأنه بينما كان يتصفحها إذا بسعد زغلول يدخل الغرفة فلم يجد مصطفى بدا من إخفائها وراح يحدثه عن المجلة الجديدة، ثم حدث شيء لم يكن يتصوره واحد منهما لتبدأ قصة جديدة وطويلة فى حياتهما!!

إن المجلة التى قرأها «مصطفى» خلسة فى منزل «سعد زغلول» ذهبت بنفسها إلى بيته، والحكاية يرويها المؤلف «محمد السيد شوشة» بقوله:

كان «محمد أمين يوسف» سكرتيرًا عامًا مساعدًا لمجلس الشيوخ.

وبينما كان جالسًا فى مكتبه أقبلت عليه السيدة «روزاليوسف» وطلبت منه أن يدفع مبلغ ستين قرشًا قيمة اشتراكه فى مجلة تنوى إصدارها.. ودفع «محمد أمين يوسف» المبلغ تورطًا فلم يتصور أن السيدة روزاليوسف الممثلة يمكن أن تصدر مجلة، وقد كان معجبًا بفنها وتمثيلها، لكنه لم يتصور أكثر من ذلك أن هذه الستين قرشًا التى دفعها ستلعب دورًا خطيرًا فى حياة ولديه التوأم.

صدر العدد الأول من مجلة روزاليوسف فى يوم 26 أكتوبر سنة 1925 وفى اليوم التالى وجد التوأمان فى صندوق بوستة المنزل مظروفًا فيه مجلة غريبة الشكل باسم والدهما، ومد أحدهما يده إلى الصندوق وأخذ المجلة، ثم فتحاها وقلباها، إنها نفس المجلة التى لم يستطع مصطفى قراءتها بعد أن ضبطه سعد زغلول! وقلب التوأمان المجلة الجديدة فى أيديهما وجدا فيها مقالات لإبراهيم عبدالقادر المازنى، ومحمد لطفى جمعة ومحمد صلاح الدين ومجموعة من قصائد الشاعر «أحمد رامى»، وكان أستاذهما فى مدرسة المنيرة الابتدائية، كما وجدا قصائد فكاهية يكتبها «على شوقى»، ابن أمير الشعراء، والممثل المعروف «عبدالوارث عسر» بعنوان «أبوزعزع».

كانت المجلة فى 16 صفحة ليست فتحًا فى عالم الصحافة ولكن الشيء الغريب الذى لفت نظر التوأمين أن الممثلة إياها التى رأياها على مسرح رمسيس تمثل غادة الكاميليا أمام يوسف وهبى أصبحت صحفية ودخولها الصحافة أثار مناقشات فى كل مكان، حتى فى البيت الذى يعيشان فيه.

كان من رأى الأغلبية أنه ليس من حق ممثلة أن تصبح صحفية ثم تستهين بجلال الصحافة وتسمى المجلة باسمها! وأثارت هذه المناقشات اهتمام الولدين الصغيرين، إنهما أيضا يهويان الصحافة وأسرتهما تقول إنه لا يجوز للتلميذ أن يكون صحفيًا! بل لا يجوز لأبناء أسرة كبيرة أن يشتغلوا بالصحافة، وحار التوأمان فى منطق الأسرة، الممثلة لا تشتغل بالصحافة لأنها ممثلة! والتلميذ لايشتغل بالصحافة لأنها مهنة حامل الدرجات، والأسر الطيبة لاتشتغل بالصحافة لأن وسطها موبوء، وهما من أجل ذلك يصدران مجلاتهما سرًا فى غفلة من الأسرة، ويتخذان بدروم البيت لإخفاء مطبعة البالوظة والورق ونسخ المجلات!

لم يكن غريبا أن تثيرهما قصة الممثلة التى أصدرت مجلة وأن الناس يستنكرون هذا العمل، بل إن الكاتب الكبير الأستاذ «إبراهيم عبدالقادر المازنى» كتب فى أول عدد من مجلة «روزاليوسف» مقالا يستنكر فيه صدور روزاليوسف!

قرأ الصغيران المقال مرة ومرتين: أن «المازنى» يقول لروزاليوسف اتركى الصحافة.. عودى إلى المسرح.. إنه نفس الكلام الذى يسمعانه كل يوم من أسرتهما: سيبوا الكلام الفارغ ده روحوا ذاكروا دروسكم!

 

 

 

لكنهما مع ذلك يمضيان فى شغفهما بالصحافة.

وقد كانا يتصوران أن الزعيم «سعد زغلول» وهو قائد ثائر سيؤيد ثورتهما على أمهما! أن أمهما لها عقلية قديمة، فهى تريد من التلميذ أن يذاكر ويذاكر فقط ولا يشتغل بالصحافة! وهما يعتقدان أن الصحافة أهم من استذكار الدروس، فيذهبان إلى «سعد زغلول» يستنجدان به، لقد شجعهما مرة وهما يكتبان أخبار بيت الأمة فى مجلتهما الصغيرة، إذن فليعرضا عليه هذه المشكلة!

وتصور مصطفى أن الصحفى القديم «سعد زغلول» سينتصر لهما وأنه سيطلب من أمهما أن تتركهما يشبعان هوايتهما العظيمة، بل ذهب إلى أبعد من ذلك، فظن أن سعد زغلول سيضع يده فى محفظة نقوده ويعطيهما عشرة جنيهات مساهمة منه فى هذا المشروع الوطنى العظيم!

وعندئذ سيطبعان المجلة بالمطبعة بدلا من البالوظة وتتحول المجلة الصغيرة إلى مجلة مثل «روزاليوسف»، إن «روزاليوسف» بدأت بخمسة جنيهات وهما سيبدأن بعشرة، ودخلا غرفة سعد وعرضا عليه المشكلة!

وللحكاية بقية!