السبت 25 مايو 2024
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان
أيام وذكريات مصطفى أمين فى «روزاليوسف»!

حكايات صحفية

أيام وذكريات مصطفى أمين فى «روزاليوسف»!

من أكثر الأشياء التى كانت السيدة «روزاليوسف» تفخر بها وتسعدها أن المجلة بدأت تجتذب عددا كبيرا من الشبان الناشئين الذين يحلمون بمستقبل لامع فى عالم الصحافة ويريدون أن يبدأوا حلمهم فى «روزاليوسف».



وتقول «روزاليوسف» إن الصحف عادة تستقبل سيلا لا ينقطع من هؤلاء الشباب، ولكن النجاح لا ينتظر كل واحد منهم بسهولة فالقليل منهم هو الذى يجىء وفى قلبه وعقله بذرة النجاح، والقليل من الذين يحملون بذرة النجاح يعرفون طريق هذا النجاح فيثابرون عليه ويتعبون له ولا ييأسون حين تحوطهم المصاعب أو يطول بهم الطريق.

وكنت أفرح حين أرى هؤلاء الشباب يأتون إلى المجلة.. وأرى هذه الآمال تبرق فى عيونهم، وفى هؤلاء الشباب نظرة لا تخطئ أتبين منها على الفور من لديه الاستعداد للنجاح ومن هو غير أهل له.

وتبدأ السيدة «روزاليوسف» فى الكتابة عن بعض هؤلاء الشبان فتقول:

- وقد لفت نظرى من المترددين شاب طويل ضخم بشكل لافت، عيناه صغيرتان لامعتان تتحركان بسرعة عجيبة، كأنهما تبحثان عن شىء صالح للالتقاط، وكان هذا الشاب يدخل المجلة متلفتا هنا وهناك، وهو يسرع الخطى إلى حجرة الأستاذ «التابعى» يدفع إليه بعض الأخبار ثم يمضى!

وكان يرانى فى بعض الأحيان وهو خارج فينكس رأسه ولا يحيينى ولمحت فيه بوادر هذا الاستعداد، فسألته وهو خارج فى إحدى المرات ما اسمه؟ فقال: مصطفى أمين.

ثم عرفت أنه تلميذ فى المدارس يهرب من مدرسته ليتصيد الأخبار ويحملها إلى المجلة، ويملك سيارة صغيرة جدا، عتيقة جدا.. يستعملها فى الجرى وراء الأخبار!

ومصطفى مخبر بالسليقة له العين اللماحة والأنف الحساس والإصرار على هذا الوصول، وهو منذ اللحظة الأولى يحلم بامتلاك دار صحفية كبيرة ويعمل لذلك!

وكان مألوفا منه أن يسافر بسيارته سفرا بعيدا لكى يحصل على خبر ويعود فى نفس اليوم، أذكر أننى سألته يوما إلى أين هو ذاهب؟ فقال إنه ذاهب إلى الإسكندرية لأن سيدة تنتظره فى ميدان المنشية لتعطيه خبرا.

 

 

 

وكان أول باب ثابت حرره مصطفى بابا عن الطلبة بعنوان «لا يا شيخ» وقد عارض الأستاذ التابعى فيه أول الأمر معارضة شديدة حتى أقنعته به، وكان سرور «مصطفى» بهذا الباب عظيمًا!

وعلى أمين هو النصف الثانى لمصطفى الذى لا ينفصل عنه، فلم يكد مصطفى يشق طريقه قليلا ويصبح له مكان فى المجلة حتى أشرك معه «عليا».

وتتحدث السيدة «روزاليوسف» بعد ذلك عن كل من «جلال الدين الحمامصى» و«كامل الشناوى» و«يوسف حلمى» والدكتور «سعيد عبده» و«كريم ثابت» والرسام «صاروخان».

وتمضى «روزاليوسف» فتروى فى كتابها ذكريات قائلة:

هؤلاء الشبان الذين تخرجوا جميعًا من روزاليوسف كانوا يحلمون بالنجاح ويعملون له.

وكان «مصطفى أمين» بالذات أكثرهم نشاطًا وإصرارًا على النجاح، وكان تفوقه عليهم ظاهرًا.

وقد قضوا سنوات طويلة يعملون بغير أجر، فمصطفى مثلا ظل يعمل فى «روزاليوسف» ثلاث سنوات قبل أن يصبح له مرتب لم يأخذ خلالها إلا عشرة جنيهات كانت لها قصة طريفة، إذا اشتركت معه فى شراء عشر ورقات «يانصيب» المواساة، ولم يحدث فى حياتى أن كسبت شيئا من «يانصيب» المواساة، ولم يحدث فى حياتى أن كسبت شيئا من يانصيب أو مراهنة، ولكن إحدى هذه الورقات كسبت عشرة جنيهات فقررت أن أتركها كلها له، رغم معارضته الشديدة- مكافأة على نشاطه، أنفقها فيما أذكر على إصلاح سيارته العتيقة!

وبعد هذه السنوات الثلاث جعلت له مرتبًا ثمانية جنيهات شهريا على أن يدخل فيه شقيقه «على» الذى كان يعمل معه من الباطن!!

وتحكى روزاليوسف موقفًا لا تنساه من «مصطفى أمين» قائلة:

كان المرحوم «زكى الإبراشى باشا» ناظرًا للخاصة الملكية أيام الملك «فؤاد» وتزايد نفوذه حتى أصبح هو رجل الملك والمتحكم الأول فى السياسة المصرية.. وكان له فى الانقلابات غير الدستورية دورا كبيرا.. ومن هنا كان لا بد أن تشتد حملات روزاليوسف عليه وأن تناصبه عداء طويلا!

وصدرت روزاليوسف مرة تحمل نبأ يقول: إن الإنجليز طلبوا إخراج «الإبراشى» باشا من القصر أو تعيين مستشار له.

وكان للنبأ دوى شديد إذ معناه- لو صح- بداية تحول خطير فى السياسة ومعناه أيضا أن الإنجليز هم الذين يسيرون «الملك فؤاد» ويوجهون سياسته توجيهًا سافرًا، وخصوصا أن المجلة فى ذلك الوقت كانت تعادى الملك «فؤاد» عداء لم يكن يخفى على أحد!

واهتزت الحكومة للنبأ.. وكان النائب العام فى ذلك الوقت المرحوم «لبيب عطية» وكان رجلا ممتازًا فى علمه.. أديبًا مشهورًا بأسلوبه ويهوى نظم الشعر.. وكان صديقًا كثيرًا ما كان يناقشى فى السياسة، ولكنه لم يكن يتلقى طلبًا بالتحقيق معى فى هذا النبأ حتى استدعانى.. ووقف وقد وضع إحدى قدميه على المقعد- وكان رحمه الله قصير القامة - وأخذ يصيح فى وجهى:

- أنا حاوديكى السجن.. أنا حاوديكى فى داهية.. أنا حخرب بيتك إزاى تدخلى الإنجليز بين الملك وموظف عنده؟!

وحاول «لبيب عطية» أن يعرف منى صاحب الخبر لكى يحبسه!

فرفضت أن أبوح له، وكان صاحب الخبر هو «مصطفى أمين» زوج كريمة المرحوم لبيب عطية حاليا- وقت كتابة فاطمة اليوسف لذكرياتها سنة 1953.

وفى اليوم المحدد للتحقيق كنت مريضة فأرسلت أعتذر ولكن النائب العام أصر على ضرورة التحقيق معى فأرسل إليّ وكيل النيابة فى ذلك الوقت الأستاذ «صادق العجيزى».

وحقق وكيل النيابة معى وأنا طريحة الفراش.. وحضر التحقيق معى الأستاذ «سابا حبشى» المحامى.. وكانت النيابة تريد أن تثبت أن الخبر فيه عيب فى الذات الملكية لكى تتمكن من استصدار حكم بإغلاق المجلة!

وفى الحجرة المجاورة كان يجلس «التابعى» و«مصطفى أمين» ينتظران نتيجة التحقيق، وقبل التحقيق أعطانى «مصطفى أمين» ورقة سجل فيها أنه هو صاحب الخبر طالبا أن أقدمها لوكيل النيابة.. ولكننى رفضت مزقت الورقة وتمسكت بأن أحمل المسئولية كاملة.

وتستمر حكاية مصطفى وعلى أمين.. فى روزاليوسف!