الإثنين 22 أبريل 2024
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان
كلهم «باطنيون».. والإخوان أيضًا

كيــف راهــن التطـرف علـى تأويـل القـرآن الكريم

كلهم «باطنيون».. والإخوان أيضًا

فى التاريخ يروى أن مجموعة من الخوارج قابلت أحد الصحابة بعد الفتنة الكبرى فسألته عمن يناصره: على بن أبى طالب.. أم معاوية بن أبى سفيان؟ 



أجاب الصحابى بأنه يناصر عليًا رضى الله عنه. 

فقتلوه.. وضربوا امرأته فى بطنها فقتلوا جنينها، ثم قتلوها.. وتركوا جثمانها وزوجها فى العراء، وقالوا إنهم يمتثلون للآية القرآنية الكريمة: «وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا... فقاتلوا التى تبغى...». 

فى طريقهم.. قابل نفس الخوارج واصل بن عطاء، وهو مسلم، تفقه فى الدين فيما بعد، وهو أحد رموز المعتزلة.. فسألوه: على بن أبى طالب.. أو معاوية؟ 

قال واصل: إنما أنا مشرك.. لا أؤمن بالله.. وإنى أستجير بكم!

لما سمع الخوارج إجابة واصل، أمنوه على نفسه، ومن معه.. وأسمعوه بعض آيات من كتاب الله.. وأوصلوه فى حراستهم إلى المكان الذى يريد.. امتثالًا لأوامر القرآن الكريم «وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه». 

وفى معركة صفين، لما أيقن عمرو بن العاص قوة جيش على، وأن جيش معاوية اقترب من الهزيمة، ابتكر أن يرفع جند معاوية المصاحف على أسنة الرماح، وأن ينادوا «أن الحكم لله».

تظل الخطورة فى التأويل. وتظل الخطورة فى استغلال آيات الله، فى غير ما أراد الله، أو فى غير ما أنزل الله. 

والأزمات التى مر بها التاريخ الإسلامى، فى مراحل اللعب بالسياسة وبالدين، ثم خلط الاثنين مع بعضهما، كانت أغلبها محطات استغل فيها بعضهم آيات الله الكريمة فى غير محلها، أو أوّلوا أحكامها، على الكيف وعلى الهوى، فكفروا مجتمعاتهم، وخرجوا عن تعاليم الدين، إلى القتل والدم.. وهتك العرض والحرمات.. باسم الله وتمحكًا فى آيات الله. 

لم يقصد الله شرًا لمن آمن به، حتى إنه تعالى، لم يقصد الشر حتى لمن كفر به.. لذلك قال تعالى فى كتابه «فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر».

لكن فى التاريخ الإسلامى، هناك من تلاعب، وغل، وقتل على المذهب.. وعلى الفكر.. ثم قال إن هذا من عند الله، وماهو من عند الله!

 (1) 

الحشاشون باطنيون والإخوان المسلمون أيضًا. 

يتفق الحشاشون مع الإخوان فى الكثير. الاثنان مثلًا، غسلوا أدمغة أتباعهم، ووعدوهم الجنة.. فى كل ما قال عنه رب العزة أنه لن يدخل صاحبه الجنة.

مارس الحشاشون السياسة، وقالوا إنهم يدعون إلى صراط الله المستقيم، فعل الإخوان الشىء نفسه، فخلطوا السياسة بالدين، وخلطوا الدين بالسياسة، وقتلوا على الخلاف فى الرأى، ولما دخلوا الاتحادية قتلوا المصريين، وسفكوا الدماء، ودسوا للشعب، وللمؤسسات. 

جند حسن الصباح الصبية والمراهقين، وفعل الإخوان الشىء نفسه، وما زال فى تاريخ الحشاشين الكثير من علامات الاستفهام حول مقدار ما كان تحت يديهم من أموال، اشترى بها حسن الصباح وجهز أكثر من 12 قلعة جعل منها مدائن كبرى بدأت منها حملات الاغتيال السياسى فى أول ظاهرة من نوعها بهذا الشكل وذلك الحجم فى التاريخ الإسلامى. 

لكن ما المقصود بـ«باطنيين»؟ 

هناك أكثر من معنى؛ المعنى الأول أن الباطنى، يظهر عكس ما يُبطن، وعند الشيعة من غير الإسماعيلية، يسمونها «التقية». 

والمعنى الثانى أن الباطنى يعتقد فى أن لكل شىء ظاهرًا وباطنًا، حتى كتاب الله.. له ظاهر وباطن.

الظاهر هو ما يُفهم من ظاهر الآيات ومنطوقها، والباطن فهو ما يُفهم من تأويل الآيات الظاهرة لمعنى غير ظاهر.

لذلك يؤمن الشيعة بما يسمى «قائم الزمان».والقائم، كما يعتقدون هو الفقيه الذى اختاره الله، لإدارة الزمان وتفسير باطن الآيات القرآنية الشريفة، وإدارة شئون العباد، حتى عودة الإمام الغائب.

عند الشيعة الإثنى عشرية، غاب الإمام الثانى عشر، من نسل الحسين رضى الله عنه، بينما لدى الحشاشون، كان نزار ابن الخليفة المستنصر هو الذى غاب، وهو الذى يختار قائم الزمان، حتى يعود. 

وفى التاريخ، أن حسن الصباح، نصب نفسه الإمام القائم، وربى أتباعه من صغار المخطوفين من أطفال العالم على ذلك.

قال حسن الصباح أنه يبتغى كتاب الله. لكن هذا ليس صحيحًا، لأن حسن اختار الملك، واختار الحكومة، ونازع على السلطة، وكانت كل معاركه معارك دنيا، ليست منها واحدة.. معركة دين.

لذلك مرة أخرى، الحشاشون كما «الإخوان المسلمين»، إرهابيون. يقولون إنهم دعاة لله، لكنهم أهل سياسة وأهل حرب ومكيدة.

ظهرت «الحشاشين» حركة سياسية فى ثياب الدعوة لدين الله. 

كانوا كذابين.. فلا كانوا أهل الله ولا كانوا أهل دعوة. بالعكس.. خدع حسن الصباح أبناء الطائفة ووعدهم بالطريق للجنة.. مع أنه لا يملك الطريق إليها ولا مفاتيحها ولا يملك آخرته كما لا يملك أحد دنياه. لعب حسن الصباح بأدمغة أتباعه فزيَّن لهم الطريق إلى الله على هواه وعلى مزاجه.

استهدف «الصباح» الملك والحكومة، وكاد لكل من صادقه، ولعب على كل الأوتار فى الوقت نفسه. 

ناصر «الصباح» الإسلام وتحالف مع ملوك الحملات الصليبية ضد المسلمين، ثم عاد وتحالف مع الفرس ضد العرب، واستخدم الاغتيالات ضد العرب وضد العجم وضد الفرس وضد حتى أصدقائه. 

تنامت حركة الحشاشين وكبرت بالتزامن مع ضعف الخلافة الفاطمية فى مصر. 

 يعنى لما ضعفت الدولة المصرية تزايد نجم الحشاشين وظهر، ولما عادت الدولة لقوتها تهاوى نجم الحشاشين حتى قضى عليهم بيبرس فى الشام، وقطع دابرهم التتار فى العراق.

(2) 

تغير الدراما الوعى وتستهدف الأفكار. 

قصة الحشاشين وصعودهم وعلاقاتهم برموز الحكم وملوك الدول شديدة التعقيد، وما كان لتلك المرحلة التاريخية أن يعرفها أكثر الناس إلا من خلال الدراما. 

دراما الوعى غيّرت كثيرًا فى الذهنية العامة للمصريين كما غيّرت فى العقلية الجمعية للعرب.

أظهرت دراما الحشاشين كمّ الشر الذى قد يكمن فى سوء تأويل آيات الله. وقدر ما يمكن استغلاله من مساحات الدعوة لمطالب السياسة وأهدافها. ليس كل من يقول إنه يقرأ كتاب الله قارئا لكتاب الله. وليس كل من دعا إلى مساجد الله.. داعيًا لله. 

وتظل الحشاشين واحدة من أكثر الطوائف الدينية إثارة للجدل. هى فرقة باطنية، ومصطلح الباطنية يطلق على عدة فرق إسلامية فى التاريخ.. وأغلب الفرق الباطنية أحاطت بها أكثر الأحداث إثارة.. وأكثر الأحداث صخبًا فى التاريخ.. لكن ربما كانت «الحشاشين» أكثرهم خطورة.. وربما أكثرهم بشاعة. 

على مواقع التواصل.. تساءل بعضهم كيف تصادق الدولة المصرية البهرة فى الوقت الذى تهاجم فيه الدراما الطائفة الإسماعيلية الشيعية؟ 

هو الجهل أعزك الله.. لأن البهرة غير. البهرة واحدة من طوائف الإسماعيلية النزارية التى تحترف التجارة، وحب آل البيت. لا يقتل البهرة، ولا يبقرون بطون المخالفين.. ولا يطعنون فى الظهر على المذهب أو على التأويل. 

البهرة مسالمون.. لكن الحشاشين مجرمون.

وتظل معضلة التأويل على الكيف وعلى الهوى واحدة من أزمات التاريخ الإسلامى الغائرة.. والممتدة. 

ويظل منطق التطرف فى اعتماد تأويلات خاصة، لكتاب الله، طمعًا فى السلطة، ورغبة فى الحكومة.. واحدة من أعقد المسائل التى واجهها تاريخ الإسلام.. وما زال حتى الآن يواجهها المسلمون.