الإثنين 22 أبريل 2024
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان
 هيكل كان الوسيط بين الحكيم وعبدالناصر !

حكايات صحفية

هيكل كان الوسيط بين الحكيم وعبدالناصر !

ما أكثر وأجمل حكايات الأديب الكبير «توفيق الحكيم» والأستاذ «محمد حسنين هيكل»، بداية من أيام الكتابة فى أخبار اليوم وهيكل«صحفيًا وشابًا ناشئًا»، والحكيم واحد من نجوم الأدب.



إلى أن تصل الحكايات إلى مرحلة جريدة الأهرام، وهيكل رئيس تحريرها، والحكيم من أهم كتابها وأقلامها.

لقد حرص الكاتب الصحفى الأستاذ إبراهيم عبدالعزيز فى كتابه الممتع والمهم «هيكل وتوفيق الحكيم: أزمة المثقف المصرى» أن يحكى ويروى ما لا حصر له من الحكايات بكل تفاصيلها المدهشة!

هناك حكايات المسرحيات التى كتبها الحكيم ونشرها هيكل فى الأهرام وما صادفها من ملابسات وعلامات استفهام، يقول إبراهيم عبدالعزيز:

«لم يكن هيكل ينشر شيئًا للحكيم إلا بعد إطلاع عبدالناصر عليه ويقول الحكيم لقد كان محمد حسنين هيكل يأخذ منى كل شىء أكتبه مخطوطًا ويقدمه لجمال عبدالناصر ليقرأه على حالته الأولى».

وعن رواية أو مسرواية «بنك القلق» يستمع إبراهيم عبدالعزيز إلى رواية المستشار «سعيد العشماوى» أحد أصدقاء الحكيم المقربين أن توفيق الحكيم ذكر له أنه سلم مخطوطة «بنك القلق» لهيكل لنشرها فى «الأهرام» إلا أن الوقت طال بأكثر مما يجب فى نشر «بنك القلق» ويقول الحكيم: حبسها هيكل فى درج مكتبه شهورًا ولم أسأله لماذا؟

فليس من عادتى التلهف على النشر مطلقًا.

ولكن توفيق الحكيم لم يعط ثمرة من ثمرات إبداعه لهيكل لكى تكون حبيسة أدراجه، ولذلك عندما تبين له أن «بنك القلق» ربما قد وجد فيها «هيكل» حرجًا يمنعه من نشرها، ولذلك كما يقول المستشار العشماوى فكر الحكيم مع «د.حسين فوزى» فى حيلة تضطر «هيكل» لإخراج «بنك القلق» من أدراجه ونشرها، ووجد الحكيم ضالته فى ضيفه العراقى الشاعر «عبدالوهاب البياتى».

وتفاصيل الحيلة أو التمثيلية كما رواها الحكيم وإن لم يصرح بأنها حيلة أو تمثيلية هى كما يقول: ذات يوم صعد معى فى الأهرام الشاعر عبدالوهاب البياتى، وقال لى ونحن داخل الأسانسير:

 

 

 

كنا فى بيروت وسمعنا أن لك عملاً ممنوعًا فى مصر وربما ينشر فى بيروت!

ولم أصدق لأن هيكل عنده النسخة الأصلية بخط يدى، كيف تسربت! وأسرعت إلى هيكل ولم أجده فى مكتبه، وقابلنى المرحوم «على حمدى الجمال» وشرحت له الظروف، فاتصل به على جريدة أخبار اليوم، حيث كان مسئولا عنها أيضًا فى ذلك الوقت، كنا فى ليلة الأربعاء، فوجئت فى اليوم التالى بإعلان فى الصفحة الأولى فى الأهرام عن بدء نشر «مسرواية» «بنك القلق» ونشر حلقاتها كل يوم جمعة، وفى مقال هيكل بصراحة أشار إلى هذه النقطة وقال:

- نحن لا نفعل مع كتابنا مثلما فعلوا هم مع «باسترناك» الأديب الروسى الشهير.

وهكذا كان هيكل هو الوسيط بين «الحكيم» و«عبدالناصر» ينقل للأخير كل ما يقوله أو يكتبه الأول، ويقول الحكيم:

أخذ منى هيكل «شمس النهار» -مسرحية- وأعطاها لعبدالناصر، وقرأها كالعادة، ثم فوجئت ببيان سياسى صادر عن الحكومة يخص أهم المبادئ والمطالب الموجودة فى «شمس النهار» وهى تدور حول المشاركة السياسية وحول الإسراف والبذخ وتربية الشعوب وعدم الاعتماد على دور الحاكم وحده!  

كان هناك حوار غير مباشر بينى وبين «عبدالناصر» عن طريق هيكل الذى كان يطمئننى ألا شىء يدعو للقلق أو سوء الظن بالثورة وإجراءاتها وخطواتها الثورية.

هكذا يعترف الأستاذ توفيق الحكيم ويروى هذه الواقعة:

كان جلوسى مع الإقطاعيين ورجال ما قبل الثورة واحتفاظى بصداقتى لهم مما لفت نظر عبدالناصر وجعله يسألنى عن طريق «هيكل» فأبلغته أننى أفرق بين موقفى من ثورة يوليو وتأييدى لها وبين علاقاتى الشخصية والإنسانية حتى لو كانت هذه العلاقات مع من تظن الثورة أنهم أعداء لها بحكم أنهم أضيروا منها، لأن هؤلاء الناس كانوا أصدقاء لى قبل الثورة، عرفتهم من خلال عملى بالريف كوكيل للنيابة أو من خلال تعرفى عليهم فى مدارس أدبية أو علاقات شخصية، ولا يعنى تغير العهد أن أتغير معهم بتغير الظروف السياسية، فذلك ليس من شيمتى ولا من أخلاقى!

 

 

 

هكذا قلت لهيكل وأبلغه لعبدالناصر فلم يغضب منى وأكبر هذا الموقف لى!

ويتحدث الحكيم عن واحدة من أهم مسرحياته وهى «السلطان الحائر» فيقول: جعلت أحداث المسرحية تدور حول أحد الملوك فى عصر المماليك، وجعلت هناك فتوى بعدم شرعية الملك لأنه لم «يعتق» بعد ولابد من بيعه فى السوق ليصبح حرًا وحاكمًا شرعيًا، أو أن يبقى ويفرض نفسه بالسيف وجعلته مخيرًا بين السيف الذى يفرضك ولكنه يعرضك وبين القانون الذى يتحداك ولكنه يحميك! وأظهرته ملكًا طيبًا متنورًا فقال «اخترت» (وهو اسم المسرحية فى ترجمتها الفرنسية) لأنه اقتنع أن القانون سيخلصه من مأزقه بعكس السيف الذى لن يضمن له الحماية لأن أى واحد غيره يستطيع أن ينازعه!

وعندما كتب «أحمد بهاءالدين» عن مسز سمبسون ودوق وندسور الذى تنازل عن العرش من أجلها، بعثت «لبهاء» كتابى «من البرج العاجى» وبه مقال كنت قد كتبته فى مجلة الرسالة سنة 1936 علقت فيه على تضحية «دوق وندسور» من أجل حبه وكنت موافقًا على حقه فى الحب ولكننى قلت: الحب ليس كل شىء عندما يكون المحب ملكًا وسلطة الأمة فى يده، فبجانب الحب هناك الواجب.

وبعد ذلك عندما رأيت فيلمًا يصور هذه القصة وجدت أن مسز «سمبسون» كان المفروض أن تفعل مثل الغانية فى السلطان الحائر وتقول «لدوق وندسور» أمتك أحق بك.. وفى نفس الوقت لا نفترق عن بعض، ولكن «مسز سمبسون» طمعت أن تتزوجه وهو حاكم.

وقد حاولت -أى الحكيم- أن أبعد بالمسرحية عن جو الإثارة لأننى لا أريد أن استفز أحدًا أو أثير أحدًا ضد الثورة، فكتبت أن مسرحية «السلطان الحائر» تتناول ما يحدث فى مجلس الأمن وهو الصراع بين السيف والقانون فى الالتجاء إلى القوة أو المبدأ، القنبلة فى يد وغصن السلام فى اليد الأخرى!

ولكن «أحمد بهاءالدين» وكان فى أخبار اليوم قال لى: مجلس أمن.. وأمم متحدة إيه، انت كتبت المسرحية عن مصر! فكان أول من فهم المقصود منها!

وقد طلب «هيكل» من يوسف السباعى شراء المسرحية مادامت خاصة بمصر ليفتح بها المسرح القومى. وقلت لهيكل مؤكدًا عليه أننى لم أقصد بالسلطان الحائر الاستفزاز أو تحدى الحكم حرصًا منى على عدم إزعاج الثورة وهى تحقق إنجازات، فقال لى هيكل: إنه لم يفكر فى هذا وأن مسألة السيف والقانون مسألة قديمة تاريخية!

وقلت لمدير المسرح القومى أن يعطيها لوزير الثقافة ثروت عكاشة ليقرأها ويقول رأيه فيها، إن رأى أن تكون مسرحية الافتتاح، حتى لا أكون قد أخذت الحكومة على غفلة منها وأكون قد أفهمتها ماذا أفعل، فلما قرأها ثروت عكاشة قال لى: كافتتاح لا، إنما بعد روايتين ثلاثة ووسط الموسم يدخل «السلطان الحائر» حتى لا يبدو وكأن المسألة مقصودة ومتبروزة، وعرضت بعد عدة شهور وقد قال البعض لعبدالناصر إنه هو المقصود بالسلطان الحائر فلم يغضب ولكنه فهم رسالتى غير المباشرة إليه.

وما أكثر الحكايات فى كتاب الصديق إبراهيم عبدالعزيز، التى رواها ببساطة شديدة عبر صفحات كتابه الممتع المهم.