السبت 2 مارس 2024
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان
د.طه حسين يرفض مصافحة توفيق الحكيم!

أحمد عباس صالح يتذكر

د.طه حسين يرفض مصافحة توفيق الحكيم!

قامت الدنيا ولم تقعد بعد نشر الحوار الذى أجراه الصحفى والكاتب الشاب «أحمد عباس صالح» مع الأستاذ الكبير «توفيق الحكيم».



وبذل أحمد عباس صالح جهدا كبيرًا فى تخفيف الأحكام القاسية لتوفيق الحكيم فى وصف أعمال أدباء كبار!

 

ويروى أحمد عباس صالح تفاصيل صادمة ومدهشة عن كواليس ما جرى بعد نشر الحوار فى مذكراته المهمة «عمر فى العاصفة: سيرة ذاتية» فيقول:

عندما صدرت المجلة هاجت الدنيا، ففى أول اجتماع للمجمع اللغوى الذى كان يرأسه «طه حسين»، وكان «الحكيم» عضوا فيه - رفض عميد الأدب العربى أن يرد على تحيته، أما الآخرون الذين لم يمتدح أعمالهم فقد ذهبوا إليه محتجين، فبدلا من أن يبرر آراءه ويدافع عنها، زعم لهم إنه لم يقل هذه العبارات، وأنى تزيدت فيها وأظهرتها بهذا الشكل الذى يرفضونه!

وفوجئت بالأخبار والتصريحات التى تتمنى بالتزوير والإيقاع بين الأدباء وبكل ألوان الشرور التى تخطر على البال، وكان اتحاد الأدباء قد أنشئ حديثًا فتقرر جمع المجلس ومحاكمتى وفصلى من الاتحاد، وكان أكثرهم غضبًا وتحمسًا لمعاقبتى «يوسف السباعى»، بينما اتصل طه حسين بإحسان عبدالقدوس ليشكونى أيضا وحين أعطانى «إحسان» التليفون، وجدت الرجل الكبير يكلمنى بقسوة فلم أرد عليه، ولعلى رددت السماعة إلى «إحسان» الذى كان ضدى لأن الموضوع قد مسه هو الآخر!

 

 

 

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد فقد كانت ثورة كبار الأدباء عاتية وغاضبة ويمضى أحمد عباس صالح قائلا: ولم يصدق أحد منهم أن هذه الآراء التى قالها «توفيق الحكيم» عن أعمالهم صحيحة وأن ذائقتهم الأدبية ضعيفة وأن الناس لا يستطيعون أن يحسنوا النظر بشكل موضوعى إلى أنفسهم وإنجازاتهم!

وقد عرفت من هذه التجربة أن الكاتب لا يستطيع أن يكون مبدعًا حقًا ما لم يكن هو نفسه ناقدًا جيدًا ويمتلك بالخبرة والمعاناة والشكوك فى ذاته قدرًا من الموضوعية والحياد ويتدرب على امتلاك ذائقة فنية عالية المستوى.

وفى حومة هذه المعركة الحامية، حيث توالت الاقتراحات بفصلى من اتحاد الأدباء، وربما بفصلى أيضا من المجلة، جاء «يوسف السباعى» ومعه مقال ملىء بالسباب ضدى لينشر فى المجلة ردًا على بورتريه «توفيق الحكيم»!

كنت أنفى للجميع أننى تصرفت فى أقوال توفيق الحكيم، بل لعلى قلت لهم إننى خففت من العبارات التى قالها عن «الكتاب»، ولكن أحدًا لم يصدقنى، لأن «الحكيم» أكد لهم إنه لم يقل هذا الكلام!

طلبت الحكيم فى التليفون فحاول أن يهرب وأن يعتذر بطرق ملتوية.

ووضعت السماعة وأنا أتساءل كيف أرد على هؤلاء الناس وأبين لهم الحقيقة؟! وهنا تذكرت أن «فهمى حسين» كان معى، ليس هذا فقط، بل إنه هو الذى كتب الحديث بخط يده، ولأمر ما كان قد أخذ المسودة بعد أن أنهيت المقال، وعندما سألته عن المسودة التى بخط يده، فوجئت بأنه مازال يحتفظ بها، فوقع الخبر عليّ بردًا وسلاما، وأخذتها منه، وكان «السباعى» قد وصل إلى المجلة ومعه مقاله الفاحش السباب وقبل أن ندخل فى معركة قلت له:

- انتظر، ثم اقرأ بنفسك هذا!

ورويت قصة الزميل «فهمى حسين» وأن النص المكتوب هو بخطه وأنه شخصيًا موجود هنا الآن، وتستطيع أن تستجوبه.

كان هذا خبرا صاعقا للسباعى، وجلس بالفعل يقرأ حتى إذا ما أنهى القراءة كان منهارا تماما، ولم يستطع أن يفعل أكثر من أن يعطينى مقاله ويعطينى الحق فى أن أحذف منه ما أشاء، ولكنى رفضت وتركته يفعل فى مقاله ما يشاء، ولعله لم يدفعه للنشر، لأننى لا أذكر ماذا حدث بعد ذلك، ولكن الحملة تساقطت وتبددت ولم يستطع  أحد أن يواجهنى!

 

ويواصل أحمد عباس صالح ذكرياته الممتعة والمدهشة بقوله:

«استمر عملى فى «صباح الخير» ولعلى كتبت مذكرات «رشيد عالى الكيلانى» الزعيم العراقى الذى قام بانقلاب عسكرى ضد الاحتلال الإنجليزى أثناء الحرب العالمية الثانية، واتهم بأنه كان متفقا مع الحزب النازى، كان الرجل قد لجأ إلى مصر وأعطى سكنا فى مصر الجديدة.

كنت أذهب إليه وأستمع له ثم أكتب هذه المذكرات التى كانت أول كتابة لمذكرات هذا الرجل، لكننی لم أجمعها فى كتاب على أهميتها وربما كان هذا بسبب اهتمامى فقط بما هو أدب.

ولكن التجربة الكبرى التى هزت كيانى لم تكن متعلقة بالعمل الصحفى أو الكتابة الأدبية، بل بالحرب!

فعندما اشتعلت حرب 1956 وسقطت بورسعيد بدأنا نفكر فى المقاومة الشعبية، وكانت قد نشأت قيادة لهذه المقاومة من ضباط الجيش وربما كان قائدها فى منطقة المنزلة «كمال رفعت»، كان المقاومون يتسللون منها إلى بورسعيد، وكان الضابط المسئول عن تلقى المتطوعين وتسهيل إبحارهم فى بحيرة المنزلة هو «محمد أبونار» الذى صار صديقا لى منذ منتصف الخمسينيات، وكان هو الرقيب الذى عذبنا أيام اعتقال «إحسان عبدالقدوس» بحذف المقالات حذفا يكاد يكون عشوائيا.

 

 

 

ولكن فى إحدى السهرات التى جمعتنا ثار بيننا جدل قوى حول السودان وكان هو نائبا لصلاح سالم، عضو مجلس قيادة الثورة، فى هذه القضية، وبدلا من أن يؤدى هذا الجدل إلى خصام أدى إلى صداقة قوية استمرت حتى وفاته.

لعلى ذهبت للانضمام إلى المقاومة فى بورسعيد مرتين، فأذكر أن الأولى كانت تضم عددا من زملائى، كان منهم كامل زهيرى ويوسف إدريس وسعد زغلول فؤاد، وكانت الثانية مع حسن فؤاد المسئول عن الإدارة الفنية لصباح الخير.

وكنا نعتقد أن الاتحاد السوفيتى قوة ثورية جديدة تمتلك القدرة على مساندة حركات التحرر فى العالم، وأننا بواسطة تحالف مع المعسكر الاشتراكى نستطيع أن نعيد بناء أنفسنا، وكنا نراقب ما يحدث داخل الاتحاد السوفيتى بصفة خاصة، وكنا قد أصدرنا صباح الخير بالفعل حين ألقى خروشوف - الزعيم الروسى - خطابه الشهير فى المؤتمر العشرين للحزب الشيوعى الروسى والذى فضح فيه حكم «ستالين»، وكان مفاجأة مذهلة لجميع اليساريين فى العالم وبصفة خاصة فى العالم الثالث، الذى لم يكن لديه متابعة واضحة أو قل جيدة ولمجريات الحياة فى المجتمع السوفيتى!

وطيرت وكالات الأنباء هذا الخطاب، وهنا رأى «أحمد بهاء الدين» أن ننشر هذا الخطاب كاملا فى «روزاليوسف» وأعطانى النص الإنجليزى فترجمته وأصدرناه بالفعل فى الأسبوع نفسه.

وهكذا كانت الأحداث تتلاحق والكثير من الأفكار التى كانت مستقرة فى أذهاننا بدأت تهتز، وأصبح علينا أن نعيد التفكير فى الكثير من الثوابت».

وللذكريات بقية والخلاف مع إحسان!