السبت 2 مارس 2024
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان
«صباح الخير» بين فاطمة اليوسف وأحمد بهاء الدين!

حكايات صحفية

«صباح الخير» بين فاطمة اليوسف وأحمد بهاء الدين!

عندما أستعيد ذكرى تلك الأيام أرى أنها كانت جميلة وكانت بالنسبة لمجلة روزاليوسف من أزهى عصورها، فقد ضمت إليها غالبية نجوم اليسار الجدد، الذين كانوا على الرغم من كل شىء متفائلين بالثورة - 23 يوليو 1952 - وكانوا موهوبين بغير شك ككتاب أو فنانين.



 

هكذا يتذكر ويعترف الأستاذ أحمد عباس صالح «فى مذكراته» «عمر فى العاصفة سيرة ذاتية» ويكشف عن أسرار جديدة مهمة فيقول:

«لذلك فكر إحسان عبدالقدوس فى إصدار مجلة أخرى عصرية وخفيفة تخاطب الشباب ودار الحديث حول هذه المجلة فترة غير قصيرة، وفوتح أحمد بهاءالدين فى أن يتولى رئاسة تحريرها بمساعدة إحسان، على أن تكون السيدة روزاليوسف هى رئيس التحرير الرسمى أو الظاهر، بينما يظهر اسم «بهاء» كمدير للتحرير!

ولكن «بهاء» رفض ذلك وصمم على أن يكون هو رئيس التحرير ورفض «إحسان» هذا الاقتراح ولا أعرف موقف السيدة روزاليوسف، ولم أكن أعرف بهذه المفاوضات الجارية فى السر ولم يفاتحنى أحد بها!

واستقلت من الوظيفة الحكومية وتفرغت للعمل الصحفى وجلست مع «إحسان» لوضع الخطط المتعلقة بتوسيع اختصاصاتى وتعديل راتبى وفى هذه الجلسة حدثنى إحسان عن مشروع مجلة «صباح الخير» المزمع إصدارها واقترح عليّ أن أكون أنا رئيس التحرير الفعلى لكن تحت مسمى مدير التحرير لأنهم ينوون وضع اسم السيدة روزاليوسف كرئيس للتحرير».

 

 

 

ويمضى الأستاذ أحمد عباس صالح فى كشف كواليس تلك الفترة بقوله:

يبدو أننى كنت قد سمعت بالطبع عن هذا المشروع لكن لم أكن أعرف شيئا عن التفاصيل، وكان العرض بالنسبة لى مقبولا، ويبدو أننى لم أجعل الصحافة كمهنة هى مستقبلى، ولعلى كنت أفكر فى نفسى ككاتب قبل أى شيء آخر! وعلاقتى بالصحافة كانت من هذا الجانب، ولم أكن أعتبر رئاسة تحرير مجلة هو غاية مرادى وربما كان هذا سبب تقبلى للفكرة زد على ذلك حبى للسيدة الكبيرة «روزاليوسف» ورغبتى فى إرضائها، على أننى استمهلت «إحسان» حتى أفكر فى الأمر.

وعندما غادرت مكتبه طرأ على ذهنى أن أستشير «بهاء» باعتباره الصديق الأقرب لى فى المجلة، فضلا عن أن بهاء كان رصينًا وهو لم يزل شاباً فى العشرينيات بعد! فذهبت إليه فى مكتبه وما إن فاتحته فى الموضوع حتى وجدته يهبّ واقفاً زاعقاً فى غضب مردداً بعصبية: وأنا ما لى.. وأنا ما لى.

دهشت من رد فعله! لأنى لم أكن أعرف شيئا عن خلفية الموضوع ولكنى لم أقابله بغضب بل ذهبت إلى صديق الآخر الذى كنت أحبه «عبدالسميع عبدالله» رسام الكاريكاتير وما إن فاتحته فيما حدث حتى انطلق مقهقهاً بصوته الجهورى، بعد أن أفاق عبدالسميع من ضحكاته شرح لى كل شيء فوجدت أن من واجبى أن أتضامن مع «بهاء» وأن أعتذر لإحسان، وبالفعل لم أضيع الوقت وذهبت إلى إحسان واعتذرت له عن قبول هذا الترشيح.

وأذكر أن الموضوع تأجل شهوراً أخرى إلى أن اضطروا فى النهاية للموافقة على شروط «بهاء» وبدأنا الإعداد للمجلة.

وكنت أنا نائبًا لرئيس التحرير، بينما كان «حسن فؤاد» هو المصمم والفنان الذى قام بتصميم كل شيء من الغلاف إلى كل الصفحات الداخلية وصدرت المجلة وأظن أننى كنت أكتب فى الصفحة الأخيرة، عرضا للكتب سماه «بهاء» (عصير الكتب) ووافقته رغم أنه لم يكن يعجبنى تماماً، وأشرفت على المواد الثقافية كما كنا فى روزاليوسف.

ورحت أكتب صوراً قلمية «بورتريه» عن الكتاب الكبار إلى جانب كتابتى للحواديت المرسومة بصور جميلة بريشة الرسام الرائع «صلاح مأمون».

ويتذكر أحمد عباس صالح أخطر موقف مر به وكاد أن يطيح به فيقول:

وفى إحدى المرات قررت أن أكتب عن توفيق الحكيم، كنت أقرأ كل شيء تقريبا عن الكاتب قبل أن أذهب إليه، وفى الواقع كنا قد قرأنا من قبل أغلب أعمال هؤلاء الكتاب، وقرأنا بالطبع ما كُتب عنهم من نقد أو دراسات.

 

 

 

وكانت طريقتى أن أوجه بعض الأسئلة التى أعتبرها مفاتيح للشخصية وقد تستغرق الجلسة أو الجلسات عدة ساعات، ثم أراجع هذا كله، وأكتب الموضوع محاولا أن أقدم للقراء لوحة كاملة تبرز الملامح الفكرية والنفسية لهذا الكاتب.

وعندما هممت بالذهاب إلى توفيق الحكيم وكان مديراً لدار الكتب فى ذلك الوقت، جاءنى محرر شاب كان قد بدأ يكتب القصص القصيرة ورجانى أن يذهب معى ليجلس إلى «توفيق الحكيم»، ولما قلت له: ماذا ستفعل؟ قال: سأكتب كل ما تقولون!

أمام هذا الاقتراح الظريف الذى يعفينى من الكتابة - لم تكن أجهزة التسجيل متداولة بعد - قبلت، وبالفعل ذهبنا إلى دار الكتب، ولا أذكر ما إذا كنا قد أنجزنا عملنا فى جلسة واحدة أم أكثر، ولكننى وجدت أن «فهمى حسين» قد سجل أكثر من عشرين صفحة!!

والحق أن «توفيق الحكيم» كان أكثر كتابنا الكبار دراية بالكتابة الأدبية، خاصة فى فن الرواية وفى فن المسرح، وكان ملماً بصنعته ودارساً لأهم مبادئها ونظرياتها، وقبل كل ذلك كان ذواقة على مستوى عال، وعندما تحدث عن الروائيين كان حديثه صائباً، فوصف أعمال «طه حسين» الروائية بأنها محاولات ليست ناجحة، وكذلك وصف أعمال الآخرين بمن فيهم «يوسف السباعى»  و«إحسان عبدالقدوس» و«عبدالرحمن الشرقاوى»، و«محمد عبدالحليم عبدالله» و«ثروت أباظة»، وغيرهم بأنها فى أحسن حالاتها متوسطة! بل وأصدر أحكامًا قاسية على البعض منهم، ولم يُطر (يمدح) أحدا إلا نجيب محفوظ ويوسف إدريس».

كان يتحدث إلىّ على سليقته، ولكن عندما جلست لأكتب الموضوع بذلت جهداً كبيراً لأجعل آراءه فى الكتاب الذين تحدث عنهم غير جارحة بقدر الإمكان ثم دفعت بالمقال إلى المطبعة.

وعندما صدرت المجلة هاجت الدنيا، ففى أول اجتماع للمجمع اللغوى الذى كان يرأسه طه حسين، وكان «الحكيم» عضواً فيه، رفض عميد الأدب العربى أن يرد على تحيته، أما الآخرون الذين لم يمتدح أعمالهم فقد ذهبوا إليه محتجين، فبدلا من أن يبرر آراءه ويدافع عنها زعم لهم أنه لم يقل هذه العبارات، وأنى تزيّدت فيها وأظهرتها بهذا الشكل الذى يرفضونه.

وفوجئت بالأخبار والتصريحات التى تتهمنى بالتزوير والإيقاع بين الأدباء وبكل ألوان الشرور التى تخطر على البال. وكان اتحاد الأدباء قد أنشئ حديثًا فتقرر جمع المجلس ومحاكمتى وفصلى من الاتحاد، وكان أكثرهم غضبًا وتحمسًا لمعاقبتى «يوسف السباعى» بينما اتصل «طه حسين» بإحسان عبدالقدوس ليشكونى أيضًا، وحين أعطانى «إحسان» التليفون وجدت الرجل الكبير يكلمنى بقسوة فلم أرد عليه، ولعلى رددت السماعة إلى «إحسان» الذى كان ضدى لأن الموضوع قد مسه هو الآخر، ولم يصدق أحد منهم أن هذه الآراء التى قالها «توفيق الحكيم» عن أعمالهم صحيحة وأن ذائقتهم الأدبية ضعيفة».

وللذكريات بقية مثيرة ومدهشة!