الإثنين 29 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان
فيلم «شىء من الخوف» والحقيقة الغائبة!

حكايات صحفية

فيلم «شىء من الخوف» والحقيقة الغائبة!

عندما اقترح الأستاذ «ثروت أباظة» على الأديب الكبير الأستاذ «فتحى غانم» أن ينشر روايته الجديدة فى مجلة «صباح الخير» التى كان يتولى رئاسة تحريرها فى ذلك الوقت، رحب فتحى غانم على الفور. لم يخف ثروت أباظة قلقه وحسب قوله، فالرواية مخالفة لرأيه الشخصى وهى فى الوقت نفسه كفيلة بأن تعرضه لما لا يعلمه إلا الله، وبعد أيام كان ثروت أباظة يزور فتحى غانم فى مكتبه وبعد الترحيب به قال له: - لقد أرسلت الرواية إلى المطبعة!



كان نشر الرواية حديث القراء وكذلك بعض أهل السينما الذين رغبوا فى تحويلها إلى فيلم سينمائى وهى لاتزال تنشر فى صباح الخير وكان الفنان صلاح ذوالفقار أحد هؤلاء. ويمضى ثروت أباظة قائلا: واتفقنا أن نسافر إلى القاهرة ونلتقى بسعد وهبة الذى كان رئيسا لشركة القاهرة للإنتاج السينمائى، وكان صلاح ذوالفقار وحسين كمال - المخرج - قد حادثاه فى شأن الرواية. وذهبت إلى الصديق القديم سعد وهبة وسألنى فى بساطة عن موضوع الرواية فلخصتها له، فطلب عقدا وقدمه لى ووقعته وقدر أجرا سبعمائة جنيه، وكان مبلغا طيبا فى ذلك الوقت - عام 1966 - وأعتقد أنه ينبغى أن أشيد هنا بشجاعة «سعد وهبة » فهو مسرحى محترف وقد فهم بطبيعة الحال - مغزى الرواية، ولكنه كان من الشجاعة بحيث يوقع العقد فورًا.

 

غلاف الرواية
غلاف الرواية

 

وبدأنا العمل، مازال الكلام للأستاذ ثروت أباظة - فى منزلى أحيانا وأحيانا فى منزل صلاح ذوالفقار، ووقعت حرب 67 ونحن نعمل فى الرواية، فتوقفنا أياما قليلة ثم عدنا إلى العمل.

وقبل أن يتم السيناريو تبرع صديق لنا بمكتب الدكتور ثروت عكاشة وزير الثقافة فى ذلك الحين بكتابة تقرير للوزير أن الرواية مقصود بها رئيس الجمهورية، وأنها هجوم عنيف عليه وعلى الحكم جميعا.

ويشاء الله أن يكون «نجيب محفوظ» هو مستشار الوزير للشئون الفنية فى هذه الفترة فكان طبيعيا أن يرسل الوزير ملخص الرواية والتقرير إلى الأستاذ «نجيب محفوظ» وكتب رأيه بمنتهى الأمانة والصدق مع النفس مرتئيًا أنها رواية وطنية، وقد كان هذا رأيه والوزير سأله عن رأيه فقال.

وتم تصوير الرواية، وكان حسين كمال سعيدا بعمله غاية السعادة فرأى أن يعرضها على الوزير، وفى عرض خاص بدأت الرواية تعرض على الوزير ووكيلين للوزارة معه، وانتهى عرض النصف الأول من الرواية، وكان الوزير على موعد لم يستطع الاعتذار عنه فأضيئت الأنوار ورأى الحاضرون الدموع تملأ وجه الوزير من الإعجاب، قال فى فخر لحسين كمال: لقد عبرنا بهذه الرواية البحر الأبيض المتوسط!

وذهب الوزير إلى موعده وطلب إليهم أن ينتظروه ليعود فيكمل مشاهدة الفيلم وتم ذلك ورأى الوزير النصف الآخر من الرواية وأضيئت الأنوار، لقد فهم الوزير معنى الرواية فهمًا تامًا، وتداول الرأى مع مستشاريه فانتهى بهم الرأى أن تعرض الرواية على سامى شرف فى رياسة الجمهورية.

كان الوكيلان صديقين لى فكلمت أحدهما ولن أذكر اسمه فإذا هو يقول: أنا خصم ولا يجوز أن أكون قاضيًا!

فضحكت فى نفسى كثيرا فلم أكن أتصور أن المسألة وصلت إلى حد خصومة وقضاء!

ما سمعته بعد ذلك أن «سامى شرف» أعفى نفسه من رؤية الرواية وعرضها على عبدالناصر مباشرة وسمعت أنه قال حين انتهى من مشاهدتها: لماذا تعرضون علىَّ هذه الرواية، هل أنا عتريس هذا، إذا كنت أنا عتريس، والشعب لم يقتلنى فهو شعب من الحمير!

ولم يذكر لنا الأستاذ ثروت أباظة كيف سمع عبارة الرئيس جمال عبدالناصر ومن نقلوا إليه؟!

ويكمل ثروت أباظة: وأمر عبدالناصر أن تعرض الرواية دون أن يحذف منها شىء مطلقًا!

وفى عرض خاص ضم جمهورا كبيرا شاهدت الرواية وكان معى الأخ الصديق «عبدالرحمن الشرقاوى» وحين انتهى العرض قبلنى الشرقاوى بحماس شديد ووقف أحد المشاهدين وطلب أن يسألنى سؤالاً وسأل: ألا ترى أنك جعلت الشعب المصرى سلبيا إلى أقصى درجة؟!

وجدتها فرصة لا مثيل لها قلت له: أين هو الشعب المصرى؟!

قال: أهل القرية!

قلت: ومن قال إن أهل القرية هم الشعب المصرى، اسمع أنت والآخرون: إن أى إسقاط على هذه الرواية يكون من داخل النص وعليه وحده أن يتحمل مسئوليته، وذاعت هذه الكلمة فامتنع المعارضون عن إعلان ما أدركوه من إسقاط، ولكن الشيوعيين لم يمتنعوا يوما من أيام عرض الرواية ولأسابيع بعدها عن مهاجمتى فى ضراوة، وهذا أمر أسعد به دائمًا فليس أحب إلىّ من أن أسمع مذمتى من هؤلاء الرهط! ويختتم ثروت أباظة شهادته بقوله: كثير من الصحفيين يسألوننى حتى اليوم أليس فى عرض هذه الرواية دليل على الحرية، وأضحك أنا، فلو كانت هناك حرية ما كتبت أنا هذه الرواية أصلا، ولما كتبتها رمزا، أما إنها عرضت فرئيس الجمهورية الأسبق لم يكن من الغباء إلى درجة منعها، فلو كان منعها بعد أن أصبحت فيلما مكتملا لهرب وسبقته من الدعاية، أنه الفيلم الذى منعه رئيس جمهورية مصر»!

 

 

 

 

ولن تكتمل حكاية فيلم «شىء من الخوف» بكل كواليسه وأسراره بغير قراءة شهادات من عاصروا الحكاية ومنهم الأستاذ «سامى شرف» الوزير وسكرتير الرئيس جمال عبدالناصر للمعلومات وأيضا د. ثروت عكاشة وزير الثقافة وقتها.

شهادة سامى شرف جاءت ضمن حواره مع المذيع اللامع طارق حبيب، وقد رد عليها د. ثروت عكاشة فى كتابه المهم «مذكراتى فى السياسة والثقافة» فقال: يروى السيد سامى شرف نصير الحريات الذائع الصيت فى كتاب «ملفات ثورة 23 يوليه» لطارق حبيب صفحة 459 ما نصه: «اهتمام الرئيس عبدالناصر بالمسرح الناقد مش المسرح المؤيد.. و«شىء من الخوف» وعتريس وفؤادة، ومن أول ما سمع عليها الرئيس وشاف ثروت عكاشة وقال له: عتريس ده يعنى جمال عبدالناصر وفؤادة هى مصر، عمل لجنة من عبدالقادر حاتم وأمين هويدى وسامى شرف وشعراوى جمعة وثروت عكاشة، ورحنا شفناها فى عرض خاص، ثروت عكاشة كان متبنيًا رأى المنع هو والمشير عبدالحكيم عامر ومعانا على نور الدين النائب العام فى ذلك الوقت، مش عارف جه معانا ليه، شفناها يومها، واحد ينتقد المجتمع، طيب ما هو لازم ينقد المجتمع، قلنا للرئيس وجدنا الرئيس شافها فى عرض خاص وقال: ده يمشى يا ثروت «ما تبقاش منغلقًا»!

وهذه الحدوتة التى جاءت على لسان نصير الحريات ذائع الصيت، أكذوبة مختلقة من أساسها، فلم أشترك قط مع هذه المجموعة أو غيرها فى مشاهدة لهذا الفيلم ولا غيره، ولا أظن أن السيد «عبدالقادر حاتم» قد شارك فيها لسبب بسيط هو أنه لم يكن ضمن جهاز السلطة فى عام 1969، كما لم يشترك فيها الأستاذ أمين هويدى الذى أنكر الواقعة أمامى إنكارا تاما، ويمكن لمن يريد التحقق من ذلك الرجوع إلى سيادته، أما المشير عبدالحكيم عامر فلا صلة له البتة بهذا الموضوع، ولم يحدث قط أن فاتحنى بشأنه كما لم ألجأ من ناحيتى إليه بخصوصه!

وما حدث على وجه اليقين بصفتى المسئول عن قضية هذا الفيلم هو أن جهاز الرقابة على المصنفات الفنية اعترض على عرض الفيلم باعتباره إسقاطا على نظام الحكم، وجاء فى تقريره أن المقصود وصفه النظام القائم بأنه عصابة، وأن عتريس رئيس العصابة هو جمال عبدالناصر، وأن فؤادة تمثل مصر، هذا فضلا عن تدخل جهاز الأمن والاتحاد الاشتراكى مؤيدًا الرقابة بمنع العرض.

وقد جاءنى المؤلف الأستاذ ثروت أباظة يشكو من هذا القرار منكرا القصد الذى أشار إليه تقرير الرقابة، فرأيت أنه لا مغزى من مشاهدة الفيلم بنفسى حتى أصدر قرارى إزاى الشكوى المقدمة! ورغم أننى لم أكن مقتنعا بما ادعاه المؤلف وقتذاك من حسن النية، إلا أننى لم أشأ أن أحبس رأيا ولو كان معاديا للنظام الذى أنتمى إليه!

ونظرا لحساسية الموضوع والضغوط المتواصلة التى تعرضت لها لاسيما من الاتحاد الاشتراكى رأيت الاتصال تليفونيا بالرئيس جمال عبدالناصر لأعرض عليه الموقف ووجهة نظرى الذى أقترح فيها التصريح بعرض الفيلم بالرغم من شبهة الإسقاط، ولاسيما أنه لم يسبق له قط أن تدخل لإيقاف عرض أى عمل فنى، ثم أرسلت الفيلم إلى سيادته ليشاهده ويحكم عليه بنفسه، وبعد ساعات قليلة من وصول الفيلم اتصل بى رحمه الله هاتفيا قائلا: أتفق معك فى الرأى وليأخذ الفيلم مجراه، ولم يزد سيادته على ذلك حرفا.

ويختتم ثروت عكاشة شهادته بقوله: اتقوا الله!