الأربعاء 7 ديسمبر 2022
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان

فـى ضـوء القمـر

لقد اعتبر الأب (مارينيان) بحق أحد جند الله. كان قسًا طويل القامة، نحيلًا. وكان متعصبًا نوعًا ما. لكنه كان عادلًا، نفسه صافية، ثابت الجنان، راسخ العقيدة وإيمانه لا يتغيَّر ولا يتبَّدل، فهو يعتقد أنه بالله يفهم فهمًا عميقًا واعيًا لكل صغيرة وكبيرة وأنه محيط بخططه ورغباته ونواياه. وكان أحيانًا يتساءل وهو يتمشَّى فى ممر حديقته فى تلك البلدة الصغيرة التى يعمل فيها: «تُرى.. لماذا فعل الله ذلك؟» يُفكر جاهدًا فى حكمة الخالق. يُرهقه التفكير أحيانًا. وأحيانًا يرضى عن نفسه حين يحسب أنه قد عثر على جواب.



لم يكن الأب (مارينيان) من ذلك النوع من الرجال الذى يبتهل فى خشوع: «إن سبيلك يا ربى عزيز المنال، لا يقوى عليه أشد الرجال». بل كان يقول فى حزم: «أنا عبد الله.. وعليّ أن أعرف السبب فى أفعاله أو أن أتبين السبب إن لم أعرفه».

وخُيِّل إليه أن كل شيء فى الطبيعة قد خُلق بمنطق مُطلق غاية فى الكمال، وأن هناك دائمًا توازنًا بين الأشياء ومسبباتها وآثارها؛ فالشروق كان ليبعث البهجة فى نفس الإنسان عندما يستيقظ من غفوته. والنهار وُجد لتنضج المحاصيل. والأمطار كانت لترويها. والأمسيات ليستعد الإنسان للراحة. وظلام الليل للنوم العميق. والفصول الأربع تتفق فيما بينها لاحتياجات الزراعة. لقد كانت هذه مسلّمات بالنسبة للأب (مارينيان).. وما كان يداخله شك فى أن الطبيعة لا هدف لها وأن كل كائن حى هو الذى يكيِّف نفسه وطبيعته تبعًا للظروف الصارمة للفصول والمناخ وطبيعة المادة التى تحيط به.

لكنه كان يمقت النساء!

نعم.. كان يكرههن من أعماقه. ويحتقرهن بالسليقة. ودائمًا ما كان يردد قول المسيح: «مالى ولك يا امرأة». بل كان يجرؤ أحيانًا أن يقول: إن الإنسان يستطيع أن يقول إن الله ذاته غير راض عن المرأة التى خلقها. وكانت المرأة بالنسبة له هى الحية التى أغوت الإنسان الأول. وما زالت تزاول نشاطها الملعون. وهى المخلوق الضعيف الخطير الذى يسبب قلقًا خفيًا. وكان يكره جمالها الفاتن السام.. وأكثر منه يكره روحها المتعطشة إلى همسة حب.. وكثيراً ما شعر بحنان النساء يداهمه ويقتحم عليه خلوته وطمأنينته، فيضيق بذلك الحب الذى ينتفض على الدوام فى صدورهن، رغم أنه يعرف أنه بعيداً عنه فى قلعته المحصنة.

وكان لديه من الأسباب ما يجعله يؤمن أن الله قد خلق المرأة لا لسبب إلا لتغوى الرجل وتختبره؛ وعلى هذا فإن على الرجل ألا يقربها إلا وهو مُتسلِّح بالحذر الشديد كأنه يقترب من فخ، فالمرأة فى حقيقة الأمر ليست إلا مصيدة بذراعيها المرحبتين وبشفتيها المفتوحتين فى انتظار الرجل.

وكان الأب (مارينيان) لا يحترم إلا الراهبات اللاتى جردهن القسم من الشهوات.. إلا أن هذا لم يمنعه من معاملتهن بخشونة، إذ يلمح هذا الدفء الخالد الذى يخفق، حتى فى جنبات هذه القلوب الطاهرة يخفق دائماً أبداً.. ويخفق حتى له وهو القس.

وكانت له ابنة أخت تعيش مع أمها فى دار صغيرة قريبة من داره.. وكان قد صمم على أن يجعل منها راهبة.. كانت رقيقة خفيفة، تمشى على العشب فلا ينثنى له عود واحد، وكانت تتعمد إغاظته باستمرار.. عندما يعظ تضحك.. وعندما يغضب تُقبِّله فى حرارة وتضمه إلى صدرها وإلى قلبها بينما يسعى هو بلا وعى إلى تحرير نفسه من بين ذراعيها.. ولكن.. ولكن رغم هذا كان هذا الحضن يبعث فى أرجاء نفسه إحساساً لذيذاً دافئاً ناعماً. كانت توقظ فى قلبه ذلك الشعور الراقى فى أعماق كل رجل.

حدثها كثيراً عن الله وهو يمشى إلى جوارها فى الحقول ونادراً ما كانت تنصت إليه، كانت تنظر إلى السماء.. إلى العشب.. إلى الزهور.. وفى عينيها تلتمع نشوة الحياة.. وكانت تجرى أحيانا لتمسك بفراشة ثم تعود بها وهى تصيح بجذل طفولى: «انظر.. انظر يا خالى كم هى جميلة.. أرغب فى أن أقبلها».

كانت رغبة الفتاة فى تقبيل الفراش والزهور تزعج الأب وتثيره، فقد وجد فيها دليلاً على ذلك الحب والحنان الدائم الذى ينبض فى قلب كل امرأة.

وذات يوم أخبرت مدبرة البيت الأب (مارينيان) أن ابنة أخته قد اتخذت لنفسها عشيقاً. وكان يحلق فاختنق بالصابون الذى يغطى وجهه وعانى إحساساً مؤلماً، وعندما استعاد القدرة على الكلام صاح: 

-«كاذبة أنت يا (مالينا)!» 

ولكن المرأة القروية ضربت صدرها وقالت: 

-«ليعاقبنى الله إن كنت قد تفوهت بكلمة واحدة كذباً يا سيدى القس.. إنها تذهب إليه كل ليلة بعد أن تنام السيدة أختك.. إنهما يلتقيان عند النهر، وما عليك إلا أن تذهب إلى هناك بعد الساعة العاشرة وحتى منتصف الليل ويمكنك أن تراهما بعينيك.» 

توقف الأب (مارينيان) عن حك ذقنه وبدأ يذرع الحجرة جيئة وذهاباً غارقاً فى تفكير عميق.. وعندما حاول أن يستكمل حلاقة ذقنه بدا مرتبكاً للغاية، فجرح نفسه ثلاثة جروح امتدت على جانب وجهه الأيمن من الأنف إلى الأذن. ظل طوال اليوم يكتم غضبه بداخله واختنقت ثورته فى أعماقه وإلى جانب مقته العتيد للحب أحس أنه قد طعن فى كبريائه وكرامته كأب ومعلم وناصح.. لقد خدعته طفلة وسخرت من مبادئه وسلبته القيمة التى ظل يحتفظ بها لسنوات. شعر بذلك الحزن الأنانى الذى يشعر به الوالدان حين تخبرهما ابنتهما أنها قد اختارت لنفسها زوجاً دون مشورتهما.

حاول أن يقرأ قليلاً بعد العشاء، ولكنه لم يع حرفاً؛ فأغلق الكتاب وازداد غضبه وانزعاجه، وعندما دقت الساعة العاشرة تناول هراوة غليظة من البلوط يحملها عادة حين يخرج ليلاً ليعود مريضاً، ولوَّح بعصاه فى الهواء منذراً بالشر ثم رفعها فجأة وهو يجز على أسنانه وانهال على مقعد فصار حطاماً.

وفتح باب بيته ليخرج.. لكنه توقف عند الباب مشدوهاً.. كان بهاء القمر ساحراً يخلب الألباب، واستسلمت نفسه الصافية لسكون الليل وشعر فجأة أن جمال الصمت والظلام قد أسره وحرك فؤاده.. وفى حديقته الصغيرة التى سبحت فى ضياء شاحب عكست أشجار الفاكهة ظلالها على ممر الحديقة.. وفروع رقيقة من الخشب كساها الزهر المتسلق وانبعثت منها رائحة لذيذة منعشة كشذى روح عطرة علقت بالليل. لفه تيار هواء بارد فارتجف، وبدأ يتنفس بعمق ويعب الهواء فى صدره عباً، يحتسى الهواء كما يحتسى السكير الخمر، وسار ببطء مبهوراً حتى كاد ينسى كل ما كان يزعجه بشأن ابنة أخته..

وعندما وصل إلى بقعة مرتفعة قليلاً وقف يتأمل الوادى الممتد على مدى بصره تحت ضوء القمر.. وكأن الكون أمامه ذبذبات ونغمات وأوتار، مشهد جميل لا تصدقه عين.. عرض فخيم لسهول واسعة ووديان خصيبة وجبال عالية، يكسو قمتها كل منظر ساحر تستطيع عيناه أن تراه.. سحر الليل الهادئ الحنون يغرقه ونقيق الضفادع يتجاوب فى نغمات قصيرة والبلابل لا تكف عن الغناء الحالم..

استمر فى السير وهو لا يعرف لم تخلت عنه شجاعته.. شعر أنه منهكاً للغاية.. ود لو جلس أو توقف حيث هو ليحمد الله على جميل صنيعه.. وحول منحنى النهر أمام ناظريه- امتد صفان من الأشجار، سبحت فوقها سحابة خفيفة تخللتها أشعة القمر الفضية فنشرت البريق فى المكان.. راح ذلك الشعور القوى ينفذ إلى أعماق الأب وبدأ يشعر بالقلق من الأسئلة التى بدأت تلح على عقله.. 

لماذا فعل الله ذلك؟

إذا كان الليل للنوم وللابتعاد؛ فلماذا هو أكثر سحراً من النهار والغروب أجمل من الشروق؟.. وهذا الكوكب البطىء الساحر الذى يغلب جماله على جمال الشمس ذاتها والذى يضىء لمخلوقات القادر العظيم بنور رقيق يستعصى على لهيب الشمس الحارق.. هذا الكوكب لم يشرق لينير الظلام؟ ولم لا يأوى البلبل إلى النوم كغيره من الطيور؟ لم هذه النشوة التى تتسلل إلى مسام الروح وهذا الإرهاق الذى يغزو الجسد؟ ولم هذا الوشاح الذى ينسدل على الأرض؟

لم هذا السحر الذى لا ينعم به الإنسان إذ يأوى إلى فراشه ليلاً؟ لمن خلق الله كل هذه العظمة والبهاء وهذه الروعة التى تتدفق من السماء؟ أسئلة كالفيض لم يجد لها الأب جواباً!

وفى هذه اللحظة تكوَّن ظلان متلازمان تحت الأشجار المتعانقة الغارقة فى الضباب الفضى الغامض.. وكان ظل الرجل هو الأطول وقد التفت ذراعيه حول كتفى محبوبته، وبين لحظه وأخرى كان يُقبِّل جبينها.

وفجأة دبَّت الحياة فى الطبيعة المهجورة التى أحاطت بهما وكأنها خلفية إلهية لتزيين مشهدهما الخلاب.. وبدا الشخصان وكأنهما كيان واحد.. كيان خُلق من أجله هذا الليل الهادئ الوديع، واقتربا من القس كإجابة حية على سؤاله.

وقف الأب مبهوتا وقلبه ينتفض بعنف وتذكر قصة من الكتاب المقدس، وإرادة الله الجليلة التى تتحقق فى قصص الإنجيل، وسمع فى وجدانه نشيد الأنشاد، صرخات الابتهال وفداء الجسد والنظم البديع لكلمات القصيدة التى تتدفق حنانا.. وقال لنفسه: (ربما خلق الله مثل هذه الليلة مثلا أعلى.. لحب الإنسان.) وتراجع بعيدا مفسحا الطريق للحبيبين الذين تقدما يدا فى يد.

وتساءل الأب (مارينيان).. ألم يكن على وشك الخروج على طاعة الله؟.. فلو لم يكن الله يرضى عن الحب لما أحاطه بمثل هذه الخلفية الساحرة. وأسرع الأب مأخوذا يمد فى طريقه وهو يكاد يذوب خجلا.. لقد اجتاز هيكلا مقدسا لا حق له فى اجتيازه!