السبت 13 أغسطس 2022
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان
د.لويس عوض يضحك على والده!

د.لويس عوض يضحك على والده!

خاض الدكتور لويس عوض عشرات المعارك السياسية والفكرية، لكن أخطر هذه المعارك خاضها مع والده وكان عمره وقتها لا يتجاوز السادسة عشرة عاما بعد حصوله على شهادة البكالوريا سنة 1931.



طلب «لويس عوض» أن يدخل كلية الآداب ليدرس الأدب بقصد أن يكون كاتباً أديبا، واعترض والده تمامًا وأصر على أن يدخل كلية الحقوق ليصبح محامياً أو وكيلاً للنيابة أو قاضياً.

 

تفاصيل المعركة والمناقشات العاصفة بين الطالب «لويس عوض» ووالده رواها فى مسيرته الذاتية المهمة والممتعة «أوراق العمر» «سنوات التكوين» وصدرت عام 19 عن مكتبة مدبولى (627 صفحة).

يقول د.وليس عوض: كانت حجته فى الرفض - أى والده - أن الأدب صنعة لا تكفى موردا للرزق وأن كل من سمع عنهم من الكُتاب عاشوا فى ضنك فظيع، ولا سيما فى بلادنا، حيث أكثر الناس أميون، وحتى فى أرقى البلاد حيث كل الناس متعلمون لا بد للأديب أن يعيش فى فقر شديد حتى يشتهر!

 

طه حسين
طه حسين

 

وكنا نسمع عن «العقاد» أنه يتقاضى مائة جنيه فى الشهر من الجريدة التى يعمل فيها، ونسمع عن «طه حسين» نفس الكلام، وكان هذا المبلغ فى ذلك الزمان مبلغاً ضخماً يشبه ألفى جنيه بلغة اليوم (وقت كتابة المذكرات سنة 1985) فلما أجبته بذلك غضب غضباً شديداً وقال: العقاد وطه حسين لا يتقاضيان هذا المبلغ عما يكتبان من أدب ولكنهما يتقاضيانه من الجرائد الحزبية ليشتما أعداء الحزب، فكل منهما مأجور ليكون شتاماً لا لأنه أديب، وأنا لا أريد لابنى أن يعمل شتاماً بالأجر لكى يعيش!

ويضيف لويس عوض: «كان أبى يتابع ما يكتبه العقاد فى البلاغ وما كان يكتبه طه حسين فى السياسة من مقالات سياسية متابعة منتظمة وكان دائما يحس ببذاءة فى كل منهما فى هجاء خصوم حزبه!

كان «طه حسين» دستورياً (نسبة لحزب الأحرار الدستوريين) فكان يهاجم «سعد زغلول» بهجر القول رغم كل ما تحمله «سعد» من آلام فى سبيل الجهاد الوطنى، وكان يسميه زعيم الرعاع رغم أنه كان متهما من الحزب الوطنى بالاعتدال، ويسميه بالديكتاتور رغم أنه كان أب الديمقراطية المصرية.

وكان العقاد كاتب الوفد الأول وكان يؤله «سعد زغلول» ثم «مصطفى النحاس» من بعده ويقول هجر القول فى «عدلى يكن» رئيس الأحرار الدستوريين ثم فى «محمد محمود» من بعده، وكان قاموسه فى الشتائم أفحش من قاموس طه حسين لأنه كان يتجاوز السب العام إلى السب الشخصى!

وكنت أسمع أبى يقول أن الصحفى الوحيد الذى كان عف القلم فى مقالاته السياسية كان محمد عبدالقادر حمزة، ومع ذلك فحتى هذا شاع عنه أنه زل كمحام وأنه بدد أمانات بعض موكليه».

كان الطالب لويس عوض بين سن الحادية عشرة والسادسة عشرة - كما يقول - قرأ كل ما وقع فى يديه من كتب أدبية سواء أجنبية أو عربية لأسماء مهمة مثل مصطفى لطفى المنفلوطى وهيكل باشا، والعقاد، وطه حسين، والمازنى وشعر أحمد شوقى، وتشارلز ديكنز وفيكتور هوجو وشكسبير وتولستوى وتشيخوف.. إلخ.

ويروى هذه الواقعة الطريفة قائلا: «فى سنة 1929 وأنا فى سن الرابعة عشرة رأيت أن أبدأ تجاربى فى فن القصة القصيرة بقصة سميتها «الحب الأول» لا أذكر ماذا قلت فيها!! والأرجح أنى لفقت مما كنت أقرأ أوصافاً وعواطف ومواقف ليست لى بها دراية شخصية مع شىء من الخيال الشخصى!

 

د.لويس عوض
د.لويس عوض

وحملت القصة إلى جريدة أسبوعية فى مدينة المنيا كان اسمها «الإنذار» وكان صاحبها ورئيس تحريرها صحفى اسمه «صادق سلامة» ويبدو أن القصة أعجبته لأنه نشرها فى أقرب عدد من «الإنذار».

وحملت الجريدة فرحاً إلى والدى متوقعاً أن يفرح بابنه الأديب الصغير الموهوب وإذا بكفه ترتفع وتهوى على خدى بصفعة دوية أليمة، قال أبى فى اقتضاب غريب: إياك أن تتردد مرة أخرى على صادق سلامة!

وبعد أن هدأ الجو قليلًا سألته: ما العيب فى صادق سلامة؟

قال: هذا رجل فاسد الخلق، إنه يستخدم جريدته لابتزاز أموال الأعيان يلوح بنشر فضائحهم فيسكتوه بالمال، ويمدحهم طلبًا للعطاء!

ويعلق لويس عوض قائلاً: وبعد ثلاثين عامًا، عرفت من «كامل الشناوى» أن «صادق سلامة» هذا كان شخصية صحفية معروفة وأنه وكيل نقابة الصحفيين، وكان حين عرفته شخصية سمينة قصيرة مرحة!

ويمضى لويس عوض فيروى ذكريات تلك الأيام قائلاً: وكنت أتحايل على كل هذه القراءات الأدبية والإنتاج الأدبى بإخفائه عن والدى لأنه كان يصرفنى عن الدراسة، فكنت أفتح أطلس الجغرافيا الكبير على مكتبى فى غرفتى، وأضع فوق صفحتيه الواسعتين كشكولا أكتب فيه ما أبدع، أو كشكولا وكتابا إذا كنت أترجم، فإذا أحسست بحركة خارج غرفتى، توقعت أن يقتحم أبى علىَّ خلوتى، فكنت بأسرع من البرق أخفى آثار جريمتى الأدبية تحت الأطلس المفرود، ولم تحدث مواجهات مؤلمة قط!

ولكن يبدو أن أمى أدركت ما كنت أفعله لكثرة ترددها بالشاى على غرفتى لأنها كانت من وقت لآخر تمسك بأصابعها خصلة الشعر على خدها الأيمن وتقول: ذاكر يا واد.. ابقى قابلنى لو فلحت، ولكنها لم تش بى قط لوالدى!

«كانت الحاسة الأخلاقية عند أبى متطرفة، وكان الأبيض عنده أبيض والأسود أسود، وقد نشأت فى هذا الجو المعقم من الفضيلة، حيث لا صبر مع الكذب أو النفاق أو اللؤم أو الخسة أو الطيش أو تقديم الصالح الخاص على الصالح العام فانعكس ذلك على شخصيتى»!

هكذا يعترف لويس عوض ويضيف: كل هذا كان شيئًا جميلاً، ولكن فى مسألة خطيرة كهذه كان مستقبلى كله سيتوقف عليها، كيف كان يمكن أن أرضخ لإرادة أبى وحساباته؟!

 

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

 

وكانت هناك مناقشات لا تنتهى صباح مساء استغرقت كل الأيام الأخيرة من شهر سبتمبر 1931 دون طائل، كنا ندور فى حلقة مفرغة، هو يقول «الحقوق» وأنا أقول «الآداب»، ونضب كل ما يمكن أن يقال: الحجج ثم الرجاء ثم التهديد، وكان أبى سيد الموقف لأنه يملك «الكيس» الذى سيوفر الاستقرار لى فى الجامعة أربع سنوات، ووصلنا إلى المأزق الذى لا مخرج منه!

كان واضحًا أنه لن يرسل لى مليمًا واحدًا إذا دخلت «الآداب» سواء لمصروفات الدراسة أو للكتب أو المعيشة الشهرية، وكانت أمى ترقب كل هذا اللجاج وتنتقل بعينيها منى إليه ولا تقول شيئًا!

وحين يئست من إقناعه أضمرت مخرجًا من هذه الورطة يتنافى مع الأخلاقيات الصارمة التى رُبيت عليها، فقد كان هذا المخرج مؤسسًا على الكذب والغش والتضليل.

ثم اكتشفت بعد نحو شهر أنه مخرج «صبيانى» لقلة خبرتى فى الكذب والغش والتضليل.

قررت أن أعلن الانصياع لقرار أبى وبعد أن أسافر إلى القاهرة أنفذ ما أريد وأخفى عنه الأمر، وحين يكتشف الحقيقة أكون قد وضعته أمام الأمر الواقع، وبالفعل سافرت إلى القاهرة فى أواخر سبتمبر أو أوائل أكتوبر، وقدمت أوراقى إلى كلية الآداب ومعها طلب مجانية، بسبب الفقر لا التفوق، وكان هذا الطلب جزءًا من المخطط الصبيانى لأنى توهمت أن موافقة كلية الآداب على تعليمى بالمجان سوف تمكننى من مواصلة التعليم فى هذه الكلية سنة بعد سنة دون أن يكون هناك مبرر لاتصال إدارة الكلية بولى أمرى أى أبى عن طريق المراسلات.

وبهذا يعيش أبى فى المنيا داخل وهمه أنى أدرس الحقوق، بينما أنا فى القاهرة أدرس الآداب، وكان أملى فى المجانية كبيرا لأن درجاتى فى الآداب «اللغات الثلاث والتاريخ والجغرافيا والتربية الوطنية» كانت عالية، ولم أكن مقصرًا إلا فى بعض المواد العلمية أو على الأصح فى الرياضيات».

ويسافر لويس عوض إلى القاهرة بالفعل، ويقيم حوالى أسبوع عند عمه «إسحاق» بمصر الجديدة ريثما يتمكن من تأجير غرفة أو شقة صغيرة غير مفروشة بالجيزة أو فى «بين السرايات» ليقيم فيها تكون على مسافة قصيرة من الجامعة، بحيث يوفر تذكرة المواصلات، وكانت ستة مليمات عن كل مشوار»!

ويضيف: «لم أضيّع وقتًا بعد قدومى إلى القاهرة، فبعد أن سجلت اسمى طالبًا فى كلية الآداب، وقدمت طلب المجانية انصرفت إلى شئونى الشخصية، فأجرت مع صديقى «حلمى رفاعى» شقة صغيرة من غرفتين فى الجيزة بإيجار قدره جنيه فى الشهر «خمسون قرشا لكل منا»، وأضعت بقية الأسبوع الأول فى شراء الأثاث ونقله وشراء بعض الكتب الأساسية».

ولحكاية د.لويس عوض بقية أكثر غرابة ودهشة!