الأربعاء 10 أغسطس 2022
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان
التجربة الكوبية فى محو الأمية! (2)

التجربة الكوبية فى محو الأمية! (2)

ذكرتنى كلمة للكاتب الفرنسى أندريه موروا فى تعريف المدنية، وهى قوله: «إنها، إجمالا، كل ما يُشْعِرُ الفرد بالقيمة الإنسانية عنده، وعند الجماعة»، بما قاله لى د. سمير سرحان ذات يوم فى بيروت: «لا قيمة إنسانية للفرد بلا معرفة، ولا معرفة بلا قراءة وكتابة»...  ففى مجتمع نصفه أمى، يجهل «فك الحرف» مثل مجتمعنا، تنعدم القيمة الإنسانية. وصار من المحتم اللازم علينا استنهاض الهِمم فى مشروع وطنى شامل، يعيد إلى المصرى قيمته الإنسانية، ويزيل عن عينيه غشاوة الأمية، فيغرف من معين المعرفة، ويلحق العصر ويواكبه. و»محو الأمية»،على ذلك، مسئولية «الكل» من أجل «الكل»: كل المصريين على اختلاف أطيافهم، ومللهم، ونحلهم، وعقائدهم، وانتماءاتهم. غيرنا لما توّحد على الهدف واستنهض الهمم، جرّب ونجح... وفى البال تجربة كوبا فى محو الأمية.



لما تمكن فيديل كاسترو ومن كان معه سنة 1959، من إطاحة «فولغانسيو باتيستا» وتسلم الحكم فى «هافانا»، كان 60 % من الكوبيين فقط يعرفون القراءة والكتابة. ولما استتب له الحكم، أشار عليه أرنستو تشى جيفارا أن تكون سنة 1961 «سنة التعليم»، فأسند إلى الدكتورة «آنا إيشغوين دى كانيزاريس» وضع النظرية التربوية لمحو الأمية، فقسمتها إلى مراحل ثلاث: 

فى الأولى، أرسلت « فرق محو الأمية» إلى الريف لتعليم «غواخيروس» (القرويين) الذين هم فى الغالب أميون بالقراءة والكتابة. فبُنيت مدارس جديدة، وخضع المدرسون إلى دورة تدريبية على المناهج الدراسية، وتعريفهم بالنص الذى سيستخدم لتعليم طلابهم. كان الكتاب الذى أُعدَّ خصيصًا للحملة بعنوان «فلنعلّم القراءة والكتابة». استمر وقت التدريب هذا من يناير (كانون الثاني) حتى أواخر أبريل(نيسان) 1961.

فى المرحلة الثانية، قررت الحكومة إقفال المدارس فى أبريل (نيسان) أى قبل شهرين من انتهاء السنة الدراسية من أجل السماح للطلاب باستكمال وقتهم الضائع والانضمام إلى «حملة محو الأمية» و«تعليم الكبار». قأقبل الطلاب بحماسة للانضمام إلى الحملة، فبلغ عددهم ما يقرب من 105664 طالبًا، خضعوا لتدريب مكثف استمر عشرة أيام لإعدادهم للتحدى المقبل.

وحسب خطة الدكتورة دى كانيزاريس، تم تطويع المزيد من «المعلمين» فى محاولة لتكثيف الحملة، وضمان نجاحها قبل نهاية 1961، كما خصصت مخيمات للذين لم ينجحوا فى البرنامج التقليدى، لمساعدتهم على التغلب على الأمية.

وما تنسلت أيام سنة 1961 حتى كانت التجربة قد نجحت، ووصلت نسبة المُلمين بالكتابة والقراءة إلى 96 %. ومع نهاية سنة 1962 كانت النسبة قد وصلت إلى 99 %.

              فما بالنا لا نتوحد ونتكاتف فى مشروع وطنى يعيد إلينا أمجاد ما كان، ونحن أول أمة كتبت الحرف ونشرته فى الدنيا. ما بالنا لا نستفيد مما وصل إليه غيرنا، ونشّمر عن سواعدنا، نعلم ونتعلم، ونعيد للمصرى قيمته الإنسانية، فيعود سبّاقاً الى العلم والمعرفة.