الجمعة 1 يوليو 2022
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان
كواليـس المحـاور مفيـد فـوزى!

كواليـس المحـاور مفيـد فـوزى!

لم يكتف الأستاذ والمحاور الكبير «مفيد فوزى» بإهدائه لى أحدث كتبه وهو «كواليس»؛ حكايات لها معنى وربما مغزى، بل أسعدنى بإهدائين رقيقين، الإهداء الأول جاء على المظروف الذى بداخله كتابه وقال فيه: «العزيز جدًا الكاتب الفنان المرجعية رشاد كامل مع محبتى دومًا «مفيد فوزى» والإهداء الثانى سجله فى الصفحة الأولى من الكتاب قائلًا: «العزيز رشاد كامل ونس العمر والأيام شخصيًا ومهنيًا، مفيد فوزى إبريل 2022».



 

فى ساعات قليلة كنت قد انتهيت من قراءة الكتاب «166 صفحة» دون لحظة ملل أو زهق، فالأستاذ مفيد كنز من الحكايات الممتعة التى عاشها على مدى سنوات من عمره مع نجوم الصحافة والفن والأدب والسياسة أيضًا.

وبعض حكاياته هى بمثابة درس مهم لأبناء مهنة الصحافة وهم يبدأون مشوارهم، ودلالة الحكايات أن مفيد فوزى مر بها وتعلم منها أيضًا وهذا هو الدرس المهم.

كان الأستاذ «أحمد بهاء الدين» أول رئيس تحرير لمجلة صباح الخير وصاحب الشعار الذى اشتهرت به وهو «للقلوب الشابة والعقول المتحررة» ويحكى الأستاذ مفيد فوزى بعض كواليسه مع الأستاذ «بهاء» فيقول:

كان أحمد بهاء الدين «رئيس التحرير قد كلفنى بالذهاب إلى أسوان كى أجرى حوارًا عن السد العالى وذهبت فعلًا، كتبت الحوار وقلت فى المقدمة: «فى المساء كنت أشعر أننى مع شيء جديد يوجد فى بلادنا أيًا كان هذا الشيء فقد كان شيئًا عظيمًا أحسست بذاتى وأنا أتقدم نحو السد ولكننى شعرت بالدنو أمام عملاقته».

 

 

 

فإذا أحمد بهاء الدين يقول: يا أستاذ ابدأ الموضوع من هنا! قلت من أين؟

قال: محمد سيد إبراهيم فلاح من قنا ذهب ضمن قافلة تعمل فى السد العالى وعاد يحكى ذكرياته على الطبلية فى أثناء العشاء على الأفندية فى مصر!

وقال «بهاء»: يا أستاذ بطل «الهيكلزم» نسبة إلى حسنين هيكل مفيش غير هيكل واحد!

ويعترف الأستاذ مفيد: وكنت أقلعت تمامًا عن تقليد محمد حسنين هيكل الذى أعترف أننى كنت أقلد أسلوبه فى بداية حياتى،  حتى نهرنى أحمد بهاء الدين كى لا أقلده!

وعندما اكتشف أحمد بهاء قدرتى على المواصلة وكتابة الموضوعات الصحفية  وعدم انتظار النشر لى فى موضوع ما.. أعطانى مسئولية تحرير باب بعنوان «مفكرتى» وبدلًا من أن يكون التوقيع «مخبر صحفى» أصبح الإمضاء باسمى «مفيد فوزى» ثم جعله صفحتين ثم أصبح بابًا صحفيًا له جاذبية فى الصحافة المصرية.

أحمد بهاء الدين هو الذى علمنى حتمية الموضوعية فيما أتناول من قضايا.. هو الذى علمنى المنهجية فى سطورى وأتنازل عن جمال الصياغة (يشير إلى افتنانى بهيكل) وهو الذى علمنى أن يكون لى أسلوب خاص له نبرته ورائحته وطعمه وشخصيته.. هو الذى أضاف إلى كتاباتى طعم المنطق.

وقد عكفت على قراءة كل ما كتب حتى أستفيد من كاتب كبير كان ضمير أمة كما أطلقت عليه «سعاد الصباح».

وحكاية أخرى طريفة يرويها الأستاذ مفيد فيقول:

فى يوم من الأيام عرفت أن السيدة روزاليوسف متوعكة صحيًا، وقعت على رجلها ووضعت قدمها فى الجبس وكنت أقف مع الأستاذ «أحمد بهاء الدين» وقال لى: اكتب كلمة، كل الأدباء الكبار كتبوا كلامًا على «رجل» الست فاطمة اليوسف يتمنون لها الشفاء العاجل..

أحضرت قلمًا أحمر حتى يتميز وسط المكتوب وسجلت الآتى: «أتمنى أن أصبح صحفيًا مرموقًا وأنال احترام رئيس التحرير، بعدها سألت السيدة فاطمة اليوسف: الواد ده كتب إيه؟.

رد أحمد بهاء الدين موجهًا حديثه إلىَّ مازحًا: حد فى الدنيا يكتب أحلامه على رجل ست موجوعة ومكسورة!

 

 

 

قلت له: هو ده اللى حصل!.

وقرأ ما كتبه بصوت واضح فقالت السيدة روزاليوسف عيِّن مفيد يا بهاء.

فكان قرار التعيين يوم 1 يناير 1957.

درس آخر يتعلمه الأستاذ مفيد من الأستاذ الكبير فتحى غانم من رؤساء تحرير صباح الخير بعد أحمد بهاء الدين فيقول:

كلفنى الأستاذ فتحى غانم وكان رئيسًا لتحرير مجلة صباح الخير بإجراء مقابلة صحفية مع «عبدالله النجومى» باشا وهو رئيس حديقة الحيوان بالجيزة وقابلته وكتبت الحوار.

فقال لى «فتحى غانم»: أنا قرأت الموضوع وليس فيه معلومات.. أعد الكتابة على أن تكون به معلومات، فذهبت إلى دار الكتب وهناك تعرفت على أحد الأشخاص وقلت له: أريد معلومات عن حدائق الحيوان فى العالم فقال لى روح لفلان ده واسأله.

وسألته عن أكبر حديقة حيوان فى العالم فين؟ وما هى أندر الحيوانات فى أفريقيا والعالم.. واستطعت أن أجمع معلومات وذهبت بها إلى «فتحى غانم» مرة ثانية، وقال لى الحوار جميل لأنه مكتوب بالصيغة التقريرية وأنا أريدك أن تفتح الكلمات كما لو كانت زهورًا!

قمت بإعادة كتابة الموضوع مرة أخرى،  بدأته بعبارة «تشرق الشمس على حديقة حيوان العالم كذا.. كذا.. وفى هذا الحيوان ندرة هى كذا.. وكذا.. أما الحديقة الأكبر فى العالم فهى كذا وكذا».. وسلمت الموضوع لفتحى غانم. قال لى: أنا قرأت الحوار ولكن لم يجذبني!! قلت: ليه؟!

قال: لأنك لم تبدأ الحوار بحدوتة وعليك أن تبدأ حواراتك التى تكتبها دائمًا فى بعض السطور بحدوتة!

 

 

 

وكتبت هذا المعنى فى الحوار، فما كان من فتحى غانم إلا أن شطب اسمى من مفيد فوزى فى التوقيع نهاية الموضوع، وكتب فى صدر الصفحة «مفيد فوزى» يحاور عبدالله النجومى رئيس حديقة الحيوان.

وكانت هذه أول مرة يكتب فيها اسمى على رأس الحوار بعدما أعدت كتابته أربع مرات، ولم أيأس وكنت أريد أن أنال إعجابه ونلت إعجابه.

وحكاية أخرى بطلتها الأديبة السورية الكبيرة كوليت خورى يقول فيها: فى يوم من الأيام كتبت مقالة عن السيدة «كوليت خورى» فى صباح الخير وقلت فيه أنها تضع قدمها الأيسر فوق قدمها الأيمن وبعد فترة بلغها من أحد الشباب المصريين الموجودين فى سوريا أن مفيد فوزى يقصد من هذا الكلام إيحاءات جنسية!

فما كان من كوليت خورى إلا أن أبلغت المحامى ورفعت قضية على مجلة صباح الخير، وما كان من «فتحى غانم» إلا أنه استقبل القضية وكان اقتراح المحامى فى روزاليوسف أن أسافر بنفسى وأحل المشكلة وسافرت بنفسى إليها!

وأتذكر عندما وصلت دمشق على الفندق الذى اخترت أن يكون قريبًا من بيت كوليت خورى وبالفعل كلمتها وقلت لها: إيه اللى حصل؟

قالت: زملاؤك ومن بلدك نصحونى أرفع قضية من ناحية أنه يثير جدلًا خاصة مع كتابى الجديد الأخير وهو «أيام معه» وهذا الكتاب لخصه أحمد بهاء الدين بنفسه!

قالت: وأين أنت؟ قلت لها: أنا جاى عشان أصالحك!

قالت: تصالحني؟ أنا لست غضبانة.. تعالى!

وذهبت إلى السيدة «كوليت خورى» فى البيت وطلبت المحامى الخاص بها، وقالت له: اشطب القضية ما بدى نعادى أصدقاءنا فى القاهرة، وكلمت فتحى غانم أبلغته أنها سوف تشطب القضية وتتنازل عنها!.

قال لى: خلص المسائل بسلام.

ويعلق الأستاذ مفيد قائلًا: والمستخلص من هذا أن المصريين عندما يكونون خارج مصر لا يتحمسون لزملائهم والكلمة التى لصقت فى ذهنى أولاد بلدك هما اللى قالولي!

ولعل أجمل ما فى الكواليس أنك تقرأها وتعيش بخيالك مع أبطالها وكأنك كنت موجودًا شاهدًا على تفاصيلها ووقائعها، إنها متعة السرد والحكى ببساطة وعذوبة وهذا هو بالضبط مفيد فوزى كاتبًا ومحاورًا.

وللكواليس بقية مع أهل الفن!