الجمعة 1 يوليو 2022
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان
بهاء مطربًا.. وعبدالحليم حافظ كاتبًا صحفيًا

بهاء مطربًا.. وعبدالحليم حافظ كاتبًا صحفيًا

«أيام حلوة وناس أحلى» عنوان مبهر للكاتبة الكبيرة الأستاذة «سكينة فؤاد» كانت تكتبه شهريًا فى مجلة «الشباب» التى كان يرأس تحريرها الكاتب الكبير الأستاذ «عبدالوهاب مطاوع» والمقال عنوانه «المطرب بهاء الدين.. والكاتب عبدالحليم حافظ»!



تحكى سكينة فؤاد ذكرياتها الممتعة حول هذا المقال قائلة: فی زمن الصبا - وفى بداية عملى الصحفى كتبت للإذاعة مجموعة كبيرة من البرامج، وبقليل من التعديل فى  فكرة الكراسى الموسيقية، وأصبحت اللعبة واحدًا من أشهر ما كتبت من برامج، فقد كنت أستضيف فى  كل حلقة نجمين من ألمع نجوم مصر فى نهاية الستينيات ويقومان بتبادل المناصب والاهتمامات؛ أى يجلس كل واحد منهما فى مقعد الثانى.. وكانت من أجمل حلقات البرنامج حلقة تبادل فيها المقاعد نجمان من نجوم القمة فى الصحافة والغناء، فأصبح كاتبنا الكبير والعظيم شفاه الله الأستاذ «أحمد بهاء الدين» مطربًا، بينما أصبح عبدالحليم حافظ كاتبًا صحفيًا!

 

عبدالحليم
عبدالحليم

 

كان عبدالحليم حافظ فى ذلك الوقت ألمع نجوم الغناء وفتى من الفتيان الأوائل للسينما المصرية، وكان الأستاذ «أحمد بهاء الدين» سيدًا من سادة القلم وفارسًا من ألمع فرسان الصحافة ووصل إلى رئاسة التحرير قبل أن يكمل الثلاثين!

وقبل الموعد بساعات طلب عبدالحليم حافظ نقل مكان التسجيل إلى بيته هو، معتذرًا بنوبة من نوبات مرضه، وكانت بعض الأقلام توجعه نقدًا أو لذعًا وتراه مبالغًا ومدعيًا فى تمارضه، وإن كانت الأيام قد أظهرت فيما بعد سنوات قليلة مدى القسوة التى مارستها عليه!

وتمضى الأستاذة سكينة فؤاد فى ذكرياتها قائلة: وأعترف أننى ساعة اعتذر عبدالحليم عن الذهاب لبيت الأستاذ «بهاء الدين» وطلب الالتفاف حوله فى سرير مرضه تصورتها نوبة تمارض أخرى وتوقعت أن يعتذر الكاتب الكبير بانشغاله، وفوجئت به يرحب بالمجىء على الفور، وكان البرنامج رمضانيًا ويوميًا والحلقات تسجل أولًا بأول مع نجوم القمة فى جميع المجالات وكان مستحيلاً ألا يكون بينهم بهاء وعبدالحليم!

وسبقت مع مقدمة البرنامج - وكانت الإذاعية المعروفة السيدة «هدى العجيمى» إلى بيت عبدالحليم بالزمالك، وكان بيتًا بسيطًا بمقاييس ما أصبحت عليه البيوت الآن - سنة 1994 - من تنافس فارغ فى فاخر الأثاث والديكور ولاحظت أنه حاول أن يحتفظ بروح «الدوار» وبيت القرية ولكن بلمسات أنيقة وحديثة، وأن تكون الراحة هى المقياس الأول للجمال إلى جانب «الوسع» والزرع الأخضر!

وغاب «عبدالحليم» قليلًا وقيل أن لديه طبيبًا وأنه يتناول الدواء، وازداد إحساسى بمبالغته فى إظهار مرضه، ثم كان ظهوره بلحمه ودمه مفاجأة أنهت جميع الأحاسيس المضادة ونحن نكتشف أن ما تنقله الشاشة شىء يختلف تمامًا عما تقوله حقيقة النجم وفارس القلوب والغناء، فالرجل الذى جلس بيننا يضع عليه المرض بصمات ضعف وشحوب، وعيونه غائرة إن لم تكن ضائعة فى وجه نحيل مجهد رغم اجتهاده أن يضحك بحرارة ومن أعماق قلبه وأن يعتذر بشدة عن مقالب مرضه!

وجاء الأستاذ «أحمد بهاء الدين»، وفى البداية نظر للميكروفون بقلق وأبدى مخاوفه من قطعة الحديد التى غالبًا ما يتلعثم أمامها إذا تكلم!

 

هدى العجيمى- أحمد بهاء الدين
هدى العجيمى- أحمد بهاء الدين

 

وضحك عبدالحليم وقال: ولكنك  يا أستاذ «أحمد» لن تتكلم «أنت ستغنى»!

وأذاب الصدق والمرح كل المخاوف، وتركت السيدة «هدى العجيمى» الميكروفون لضيفين ليصبحا أصحاب البرنامج عليهما وحدهما أن يتحاورا على أساس تبادل الكراسى الموسيقية أو المهنية ليدور الحوار بين المطرب أحمد بهاء الدين والكاتب الصحفى عبدالحليم حافظ!

وغنى أحمد بهاء الدين بالفعل - لكنه غنى كلامًا مفيدًا ومثيرًا وجميلاً عن «العقاد» وتاريخه، وأشهر المطربين والمطربات وأثر الموسيقى فى الشعوب وما تحدث به حكماء وفلاسفة العالم عن الأثر الساحر للموسيقى والعقاد فى تربية وتهذيب أذواق الشعوب، وصقل أرواحها.!

وأذكر أنه يومها قدم مجموعة من الأقوال النادرة لمجموعة من مشاهير ومفكرى العالم حول أثر الموسيقى والغناء عن شكسبير قال: ليس ثمة إنسان خشن غليظ القلب سيئ الطبع لا يمكن للموسيقى أن تبدل طبيعته هذه ولو للحظة، والإنسان إذا خلت نفسه من الموسيقى ولم تهزه الأصوات الرقيقة قادر على ارتكاب الخيانات والمكائد والمعاصى، وأن «أورفيوس» بقيثارته جعل الأشجار وقمم الجبال المكسوة بالجليد تنحنى عندما كان يغنى، وعلى موسيقاه نبتت الخضرة والزهور، وفى الأرواح والنفوس وعلى الموسيقى تنبت كل المعانى الجميلة والقيم الكبيرة، بينما قال أفلاطون أن الموسيقى تقولب السلوك؛ ولذا فهى تساهم فى تحديد القضايا الاجتماعية والسياسية أما «بيتهوفن» فقال إن الموسيقى وهى أسمى من كل حكمة ومن كل فلسفة وأن مجموعة كبيرة من مفكرى الشرق والغرب اجتمعوا على معنى واحد يقول: دعونا نكتب أناشيد الأمة ولا يهم بعد ذلك من يصنع قوانينها.

وتمضى سكينة فؤاد قائلة فى مقالها: وكان الكاتب الصحفى عبدالحليم حافظ محاورًا بارعًا حاول أن يحكم القبضة على الأستاذ «أحمد بهاء الدين» ويجعله يمارس مهنته الأصلية بحكم البرنامج، ولكنه توسل بعبدالحليم أن يرحمه من هذا المطب النادر الذى لم يواجه مثله فى حياته، واعترف أن الغناء لحظة انطلاق وحرية وتعبير عن الذات خاصة جدا عنده، وأنه يضبط نفسه تدندن بأغنيات لفيروز وعبدالوهاب، ومطرب اسمه «عبدالحليم حافظ» ثم تذكر ـ أنه هذا المطرب ـ طول فترة البرنامج فاعتذر للمستمعين واعترف أنه نوع نادر من المطربين لا يغنى إلا لنفسه وعندما يكون سعيدا ووحيدا وحيث يصبح الغناء نوعا شديد الخصوصية من الحوار مع الدنيا.

وبذكاء عبدالحليم المدهش وأعتقد أنه كان لا ينافس جمال صوته إلا شدة ذكائه أراد أن يسمع الناس رأى الأستاذ «أحمد بهاء الدين» فى قضية الأصوات الغنائية التى كانت قد توقفت عن الغناء وتحولت إلى الشكوى والغضب وربما السر الأوحد لمشاكلهم، ووصل الأمر بالبعض إلى التصريح بأن عبدالحليم يسد طريقهم ويحاربهم.

يوم تسجيل البرنامج وساعة أثار عبدالحليم القضية ضحك «أحمد بهاء الدين» وفهم المغزى من السؤال غير البرىء للكاتب الصحفى عبدالحليم ولكن ما المانع فى أن يثير قضية خاصة وعامة ومثارة على الساحة وأن يسمع فيها رأى المطرب الكبير والشهير «أحمد بهاء الدين» الذى قال أن كل ما يثار حوله من زوابع وما يوجه إليه من اتهامات لا يثيره لأنه تعلم من قراءة التاريخ أن كل الذين لم يكن عندهم ملكة حقيقية فى المواهب لم يستطيعوا إلا أن ينازعوا ويعاركوا أصحاب المواهب فى الجواهر النادرة التى منحها الله لهم، وقال أنه باعتباره ـ عبدالحليم ـ سيظل يغنى ولن يكف عن الغناء، فلا أحد يستطيع أن يحجب شمسا عن الشروق  والمواهب الحقيقية تحمل وهج ونور ونار شمس الله المشرقة، فمن الذى يستطيع أن يطفئ الشمس!

 

سكينة فؤاد
سكينة فؤاد

 

وجاء دور الكاتب الصحفى «عبدالحليم حافظ» ليجيب عن أسئلة المطرب «أحمد بهاء الدين» ليتحدث عن زملائه من الكتاب والصحفيين ورأيه فى أقلامهم وأعمدتهم وتحقيقاتهم والمنافسة الشريفة بينه وبينهم وتحدث عن مميزات كل قلم وأفاض فى الحديث عن قلم يحبه ككاتب اسمه «أحمد بهاء الدين» وحرص على أن يؤكد أنه غير المطرب الذى يتحدث فى البرنامج ويحمل نفس الاسم!

وكان الاثنان لا يكفان عن الضحك العميق، فروح المرح والدعابة والنكتة الحاضر وسرعة البديهة من سمات الشخصيات الكبيرة والتى تملك ناصية فنها وإبداعها فى أى ميدان من الميادين!

أما عن الكاتب أحمد بهاء الدين فقد وصفه الصحفى عبدالحليم حافظ بأنه أبرع الكتاب فى القضايا العربية وصاحب فكر منحاز للجانب العلمى والموضوعى فى تناول الموضوعات التى يكتب فيها وجملته قصيرة تتجه مباشرة إلى هدفها ولا تدخل فى دهاليز يتوه القارئ فيها.

واتهم المطرب بهاء الدين الكاتب الصحفى عبدالحليم حافظ بالتحيز لبهاء الدين الكاتب.

وتعلق سكينة فؤاد قائلة: والحقيقة أن توصيف عبدالحليم لخصائص كتابات الأستاذ أحمد بهاء الدين كانت شديدة الدقة ولا تصدر إلا عن قارئ جيد.

وتصاعد الحوار ليكشف عن سر آخر من أسرار النجاح وهو أن الثقافة ضرورة من أهم الضرورات لكل من يريد أن يبدع ويحلق وحكى الكاتب عبدالحليم حافظ كيف أنه منذ وعى الدنيا وحيدا من الأم والأب وجد فى التعليم الغطاء والأمان.

انتهى أبرز ما جاء فى مقال الأستاذة الكبيرة سكينة فؤاد وسؤالى إلى الآن هل لا تزال الإذاعة تحتفظ بهذا الحوار النادر أم تم مسحه والخلاص منه.