الأحد 3 يوليو 2022
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان
أنا من «طرابيش» الصحافة ولست أحد شيوخها!

ذكريات الكاتب الكبير محمد العزبى:

أنا من «طرابيش» الصحافة ولست أحد شيوخها!

لا أظن أننى قرأت أو سمعت لكاتب صحفى صغير أو كبير يعترف فى لحظة صدق بأنه «جاهل بالسياسة»!



مستحيل أن يحدث هذا فى عالمنا العربى، فقد امتلأت الصحف وشاشات الفضائيات بخبراء السياسة، وأساتذة السياسة، ونشطاء السياسة، وننام على سياسة ونصحو على سياسة، ومن كل هذه الأطنان المكتوبة أو المسموعة والمرئية لن تجد واحدا يعترف بأنه جاهل بالسياسة!

 

أظن أن عنوان كتاب أستاذنا وعمنا و«تاج راسنا» فى الصحافة الأستاذ الكبير «محمد العزبى» هو أغرب وأعجب عنوانه صادفته فى حياتى كلها!

عنوان الكتاب «هل يدخل الصحفيون الجنة؟».. أما الكتاب نفسه 282 صفحة من الحكايات والذكريات والتعليقات والضحكات والابتسامات والدموع والأسى أيضًا! (والكتاب من إصدارات ريشة للنشر والتوزيع).

لم أترك كتاب أستاذنا «العزبى» إلا وقد قرأته كاملاً، إنه سياحة ممتعة ومؤلمة أيضاً فى كواليس المهنة والتى سبق له أن أصدر عنها «الصحافة والحكم» و«كناسة الصحف» و«صحفيون غلابة».. و«مسافر على كف عفريت» وغيرها!

مئات الأسماء اللامعة يذخر بها كتاب الأستاذ العزبى وله معهم وعنهم ذكريات وحواديت، لكنك لن تجد كلمة واحدة تسىء إلى أحد أو تقلل منه!

رحلة عمر قطعها أستاذنا طالباً فى كلية الطب والكتابة ثم آخر ساعة فى زمن الأستاذ «هيكل» ثم مجلة «التحرير» التى أنشأتها ثورة 23 يوليو 1952 ثم دار التحرير ورئاسته لتحرير الجازيت، عمره كله أعطاه للصحافة!

 

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

 

وبمناسبة عنوان الكاتب يعترف أنه كان ينوى أن يسميه «صاحبة الجلالة سابقًا» أو عنوان يستدرج القارئ هو «حكايتى مع عيون بهية» أو عنوان راقص هو «الصحافة على واحدة ونص».. لكن العنوان جاء من صديقه العملى فى حياته، الرومانسى فى أفكاره «توماس جورجيسيان» زميلنا الكاتب الرائع فى صباح الخير وصديق يندر أن يتكرر.

يقول الأستاذ العزبى: «حاولت طوال سنوات عمرى أن أكون منحازاً للبسطاء لعل أدخل الجنة، ولكن هل يدخل الصحفيون الجنة؟

أم أن الصحف والتوك شو وما أشبهها لا تصدر إلا فى نار جهنم وبئس المصير؟ يمكن أن يدخل بعض الكتاب والنواب والصحفيين والإعلاميين الجنة إذا اعتزلوا، فالصحف والمجلات لا تصدر إلا فى جهنم وبئس المصير والتليفزيونات أيضاً، فاعتزلوا وأنا أولكم يرحمكم الله».  

وأتوقف كثيراً أمام بعض حكايات وذكريات الأستاذ «العزبى» والتى كان شاهداً عليها فيقول مثلاً:

حضرت وأنا رئيس تحرير جريدة «الإجيبشيان جازيت» مع «على أمين» اجتماعاً مع الدكتور «أحمد كمال أبوالمجد» بعد أن أصبح وزيراً للإعلام أيام «السادات» وكان الصحفى الكبير قد عاد لتوه من منفاه شبه الاختيارى فى لبنان ولندن ليصبح مديراً لتحرير «الأهرام» بعد عزل «هيكل» يشرح لنا الوزير سياسته ويجيب عن أسئلتنا، وكان «على أمين» أكثرنا نشاطاً وحماساً يمسك بالقلم والورق فى يده ويلاحقه بأسئلته!

وكان «مكرم محمد أحمد» حتى آخر أيامه يجرى الأحاديث الصحفية كما كان يمارس العمل الصحفى بنفس الحماس وهو رئيس مجلس إدارة دار الهلال، وعندما كان يصاحب الرئيس «مبارك» فى رحلاته الخارجية كان يقف بين المحررين والمندوبين وليس جالساً على مقاعد رؤساء التحرير.. رحمه الله!

وكان «موسى صبرى» وهو رئيس تحرير الأخبار يذهب بنفسه لتغطية بعض المحاكمات وبعض جلسات مجلس الشعب، وقد اشتهرت قصته وهو يحضر كصحفى محاكمة «خميس والبقرى» الشهيرة فى كفر الدوار فى بدايات ثورة يوليو 1952 وعندما سأل رئيس المحكمة العسكرية عن محامى المتهم ولم يكن موجوداً طلب أن يتقدم أحد الحاضرين للدفاع، ولم يكن هناك من الحاصلين على ليسانس الحقوق سوى الصحفى «موسى صبرى» فانتدبه! وبدأ مرافعته التى انتهت بإعدام المتهم، وكانت أول وآخر مرافعة لموسى صبري!».

ومن أطرف ما يرويه الأستاذ «العزبى» منافسة الأهرام والجمهورية فى نشر الروايات، فقد انفرد أهرام هيكل بنشر رواية نجيب محفوظ «أولاد حارتنا» مسلسلة، وهنا قرر صلاح سالم - عضو مجلس قيادة الثورة - الذى كان قد أصبح رئيسا لدار التحرير التى تصدر «الجمهورية» أن ينشر ليوسف إدريس روايته «البيضاء» للرد على رواية نجيب محفوظ ويحكى العزبى قائلاً:

تلك كانت البداية التى لم أعرف تفاصيلها والتى أدت إلى نشر «البيضاء» على حلقات فى جريدة الجمهورية بعد نشر رواية «محفوظ» فى الأهرام بـ18 يوماً!

ولكننى شهدت النهاية.. لم تتحقق المنافسة المنشودة لأن «نجيب» كان قد كتب روايته كاملة قبل نشرها على حلقات يومية، بينما يكتب «يوسف» «البيضاء» حلقة بحلقة ويقدمها للجمهورية كل ليلة فى وقت متأخر مما يسبب ارتباكاً، وقد كانت خطوات الطباعة وقتها بطيئة، فلما ضاق سكرتير التحرير المسئول بما يتكرر ويوسف لا يبالى بيت أمراً وهو أن ينهى الرواية قبل أن تتم.. أضاف للحلقة كلمة واحدة هى «تمت» وقضى الأمر»!!

 

وتحت عنوان «سنة أولى صحافة» يتذكر الأستاذ «العزبى» قائلا:

بدأت كتابة «عمود» بعد سنوات من الشغل اللذيذ محرراً ومراجعًا ومندوبًا ومترجماً «كعب داير» حتى تربعت على كرسى لم أجعل ما أكتبه عنواناً لعشرين عاماً؟ إحساساً منى بأنه لاشيء يدوم، حتى جاء رئيس تحرير جديد - واسمحوا لى بألا أذكر الأسماء فكلهم أصدقاء - أصر على عنوان دائم، وأنا أخاف رؤساء التحرير إذا كانوا بشدة الغربال.. كان لابد أن أسمع الكلام!

عندما بدأت قبعت فى ركن بالصفحة الثانية، ثم انتقلت بعون الله وبعد سنوات ومع تغيير القيادات إلى صفحة داخلية، ولم يكن يهمنى المكان، وإنما شطب كلمات حسب المزاج وتقارير شفوية من شخص ما فى ما يسمى مطبخ الصحيفة، يعمل «ناضورجى» يفتش فى ضمائر الكتاب ويبلغ مخاوفه ومبالغاته لصاحب الأمر والنهى المشغول فى سهرات علاقات عامة والشطب أسهل الأمور!

هكذا أصبحت كاتباً بعنوان وانتقلت إلى الصفحة الأخيرة دون أن أسعى أو حتى أعرف! وإنما بقرار من مدير التحرير فى وقت لم يعرف أحد فيه من الرئيس وأين ذهب، أحسست بمزيد من المسئولية ففى نفس المكان، كان مقال أستاذنا كامل زهيرى «من ثقب الباب».

تمنيت لو عدت محرراً بقسم الحوادث الذى عملت به لفترة قصيرة فى بداية اشتغالى بالصحافة مع أنه واحد من أهم أقسام الجريدة، من بين من استمر فيه من نبغ واشتهر فبقى مرتبطاً به طول عمره المهنى، بينما وصل من تمرد عليه إلى مكانة أخرى مثل الأستاذ مكرم محمد أحمد.

محمد العزبى
محمد العزبى

 

 

ويحكى الأستاذ «العزبى» هذه الواقعة الطريفة بكل ما تحمله من دلالة فيقول:

فى الطائرة المتجهة إلى طوكيو، رحلة طويلة، تناول الركاب وجبة ساخنة قبل أن يحل الليل، الراكب إلى جوارى طبيب عظام مصرى عندما عرفت اسمه تذكرت أنه يعالج بطرقعة الرقبة، قال لى إنه عضو فى جماعة طبية أمريكية تقوم بالعلاج بهذه الطريقة، فالطريقة علم جديد بدأ العالم يعترف به!

أظلمت الطائرة واختفت المضيفات وساد سكون قطعه صوت ضحكات المضيفات بعد أن اختفى جارى الطبيب المصري! عرفت أنه أقنع المضيفات الآسيويات الجميلات بطرقعة الرقبة!!».

وبعد كل هذه السنوات عاشقًا ومحباً لصاحبة الجلالة يعترف أستاذنا:

لا أدافع عن مهنتى، فأنا أول من يوجه اللوم، ولا أكابر تبريراً لبعض ما يكتب أو يقال، كما أننى لا أباهى بأيام زمان، فلكل عصر أوان!

لم أحلم يوماً أن أكون نجمًا فرضيت بنفسى، ولا أنبهر بالمشاهير أو أحكى عنهم ولست مثلهم إلا فى أننى أنسي!

لابد أن أعترف بأنه لم يعد عندى نظر يسمح لى بالرؤية الكافية والمفروض أن الكثير من القراءة أساس الكتابة، ولو أن ذلك لم يعد شرطا هذه الأيام!

كما أننى سبق وأن قلت: الأفضل أن يسأل الناس لماذا لا يكتب؟! بدلا من أن يسألوا لماذا يكتب؟ ولكن يبدو أن النداهة تنادينا فنعود نمسك بالقلم!

ويبدو أن الصحفيين على دين شيوخهم يحملون أقلامهم حتى آخر يوم فى حياتهم! نقول الحق والرزق على الله.

بعد أن نصبح خارج الملعب يسموننا شيوخ الصحافة، لا أحب اللقب، فإذا كان ولابد فاحتسبونى من «طرابيش» الصحافة!

تقدم بى العمر وضعف البصر ولكننى أحاول أن يكون عندى نظر!.

وما أكثر الحكايات التى أوجعت «قلب» وقلم أستاذنا الجليل، ومنها حكاية قال فيها:

ماذا يبقى من الأستاذ؟ تركنى «سامح» ابنى وسندى وحبيبى، ذهب وحده للقاء ربه، كنت أتوكأ عليه فى شيخوختى وأرى الدنيا بعينيه بعد أن ضاع منى البصر، وأأتمنه على وصيتى بعد موتى، فإذا به يخدعنى ويموت قبلى، تجمع الأصدقاء والزملاء وشباب جريدة الجمهورية، حيث عشت وعملت كل سنوات عمرى يشاركوننى الحزن والألم عن بُعد ومنهم كثيرون لم أتشرف بمعرفتهم عن قرب.

لفت المشهد نظر صحافية شابة فأخذت تتساءل حائرة: مين الأستاذ «محمد العزبى» اللى زعلانين عشانه؟!

ومهما طال الكلام عن كتاب أستاذنا وشيخنا وتاج رأسنا «محمد العزبى» فهو قليل، فكل صفحة وحكاية فيها المتعة والبهجة والدرس أيضاً.

لقد أسعدنى الكتاب كما أسعدنى أن يصفنى الأستاذ العزبى بأننى «مؤرخ الصحافة الحديثة وروزاليوسف خاصة» عندما تناول فى أحد فصول كتابه ملخصاً لحوارى مع الأديب الكبير «فتحى غانم»!