السبت 13 أغسطس 2022
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان
كتاب ممتاز لكاتب ممتاز!

د. طه حسين عن نجيب محفوظ

كتاب ممتاز لكاتب ممتاز!

«أريد اليوم أن أحدثك عن كتاب رائع بأدق معانى هذه الكلمة وأصدقها للأستاذ «نجيب محفوظ» وهو كتاب «زقاق المدق»!



هذه كلمات عميد الأدب العربى د. طه حسين - وليست كلماتى - وهو يتناول رواية نجيب محفوظ فى سلسلة مقالاته بجريدة الجمهورية «من أدبنا الحديث».

 

ويمضى د. طه حسين فيتحدث عن عنوان الرواية «زقاق المدق» فيقول: «وقد يثقل هذا العنوان على لسان الناطق وأذن السامع، ولكنك لا تكاد تسبقه وتنطق به حتى تتبين أنك مقبل على كتاب يصور جوًا شعبيًا قاهريًا خالصًا، فهذا العنوان يوشك أن يحدد موضوع القصة وبنيتها، وقد ذكرت القصة ومن قبل ذلك ذكرت الكتاب لأن لهذا «السفر» قيمتين خطيرتين حقًا.

إحداهما أنه قصة متقنة رائقة لا تكاد تأخذ فى قراءتها حتى تستأثر بك استئثارًا كاملاً وتشغلك عن كل شىء غيرها، ثم تمضى فيها حتى إذا فرغت منها لم تستطع الإعراض عنها كما تعرض عن كثير من الكتب والقصص بعد أن تفرغ من القراءة، وإنما أنت ذاكر للقصة مفكر فى كثير من أحداثها وأشخاصها حريص على أن تتزيد من مصاحبة الكاتب والنظر أظهر من كتب أو قصص أخرى، قد أحببت الكاتب واستعذبت روحه وشق عليك أن تفارقه أو أن تنشغل عنه بغيره من الكتاب.

أما القيمة الثانية الخطيرة لهذا السفر الضخم فهى أنه بحث اجتماعى متقن كأحسن ما يبحث أصحاب الاجتماع عن بعض البيئات يصورونها تصويرًا دقيقًا ويستقصون أمورها من جميع نواحيها، وما أكثر ما خطر لى وأنا أقرأ هذا الكتاب أنه لم يوجه إلى الكثرة من القراء وحدهم ليجدوا ما يطلبون من المتعة الفنية الخالصة التى تشوق وتروق، وإنما وجه أيضا إلى الباحثين الاجتماعيين الذين يبحثون ليعلموا وإلى الباحثين الاجتماعيين الذين يبحثون ليصلحوا. ولا أكاد أعرف كتابًا أجدر بأن يقرأه وزراء الشئون الاجتماعية ورجال البحث والاستقصاء فى هذه الوزارة من هذا الكتاب، فهو قصص وعلم فى وقت واحد، وهو من أجل ذلك مُرضٍ للقلب والعقل والذوق جميعًا.

وهو يصور لك حارة صغيرة فى هذا الحى القاهرى الخالص بين الغورية والأزهر، ثم يصورها تصويرًا يحصى دقائقها ولا يغادر من أمرها كبيرا ولا صغيرا إلا أحصاه كأحسن ما يكون الإحصاء وكأصدق ما يكون الإحصاء أيضاً.

وسوف تصيبك الدهشة عندما تقرأ لطه حسين ذلك الوصف التفصيلى عن الحارة وكل من يعيشون بها من القهوة الشعبية وصاحبها، وحانوت حلاق وبائع البسبوسة وفرن الخباز، وبيتين يتم استئجار غرفهما، ويكمل د. طه حسين قائلا: «هذا هو الزقاق وهؤلاء هم أهله، ولكل واحد منهم قصته التى تصور حياته ومزاجه وأخلاقه ومواطن الخير والشر فيه، وهذه القصص الكثيرة يتصل بعضها ببعض، ويدخل بعضها فى بعض، فهى متشابكة تشابكًا غريبًا والكاتب مع ذلك يعرضها كلها عليك فى نظام أى نظام، فى نظام واضح متسق سهل لا غموض فيه ولا لبس ولا التواء.

فى نظام يذكرك بمذهب الكاتب الأمريكى «دوس باسوس» والكاتب الفرنسى «جان بول سارتر» وهو مذهب يجری القصة كما تجرى الحياة، فالناس يعيشون معا فى زقاق واحد وأماكن متقاربة، والأحداث تعرض لهم فى وقت واحد، فمن الطبيعى أن تعرض هذه الأحداث أطرافًا كما تحدث، ويقص عليك الكاتب طرفًا من أحداث هذا الرجل، ثم ينتقل بك إلى طرف من أحداث رجل آخر، ثم إلى طرف من أحداث امرأة، ومازال ينتقل بك بين أحداث الأشخاص على اختلافهم حتى إذا استقصى طائفة من أحداثهم عاد بك من حيث ابتدأ، فقص عليك طرفًا من أحداث الرجل الأول، وتنقل بك بين الأطراف والأشخاص، ولايزال يفعل هذا عودًا على بدء، وبدءًا على عود حتى ينتهى بك إلى آخر الكتاب، و قد اجتمعت لك الأحداث التى أراد الكاتب أن يصور بها حياة هؤلاء الأشخاص جميعًا».

وأتوقف هنا أمام تلك الصورة البارعة التى وصف فيها د. طه حسين الفتاة «حميدة» وأخلاق الشاب «عباس الحلو» «شادية وصلاح قابيـل قامـا بتمثيـل الـدور فـى الفيلـم» فيقـول د. طه حسين: «الحلاق فتى ساذج لا يكاد يكسب إلا ما يقيم «أوده»، ولكنه يرى هذه الفتاة التى تقيم مع أمها، أو مع من تقوم مقام أمها، يراها فيطير طائره ويشغف قلبه ويذهب لبه حتى لا يعيش إلا بها ولها، وهذه الفتاة نفسها غريبة الأطوار حقا لا تعرف لنفسها ولا يعرف الناس لها أبًا، وهى فتاة شرسة شديدة الطموح لا ترضى عن شىء ولا تقنع بشىء ولا تحفل بشىء ولا بإنسان وإنما تريد الغنى والزينة والترف مع أنها تعيش فى الدرك الأسفل من البؤس!

وهى تخرج كل يوم فتمشى فى الطريق حتى تلقى صاحبات لها يعملن فى بعض المشاغل فتعود معهن، ثم ترجع إلى دارها، وقد جعل الفتى يرصدها حتى أتيح له أن يتحدث إليها وأن يخطبها بعد جهد فتقبله غير راضية به ولا مطمئنة إليه! وقد ترك الفتى مهنته وترك زقاقه على مضض ومضى يلتمس السعة بالعمل فى الجيش البريطانى ليعود موسرًا ويتيح لامرأته حياة ناعمة وقد غاب فأطال الغيبة، ثم عاد فى إجازة ليرى خطيبته، ولكنه لا يكاد يبلغ الزقاق حتى يعلم أن الفتاة خرجت ذات يوم فلم تعد! وهو بائس يائس يوشك اليأس أن يقتله، ويبحث عن الفتاة ما استطاع! ويراها ذات مساء فى عربة وقد اتخذت من الزينة ما بهره، فقد لقيت الفتاة من أغواها بعد عناء طويل، فأصبحت فتاة سوء تبيع اللذة للجنود البريطانيين، ويدركها الفتى آخر الأمر ويسمع صوتها حتى تسرق منه عقله وقلبه! وإذا هو يريد أن ينتقم من مغويها قبل كل شىء ويصبح أداة فى يدها للانتقام من هذا الرجل وقد ضربا للانتقام موعدًا.

ويمر ذات مساء ببعض الحانات وإذا هو يراها بين جماعة من الجنود البريطانيين تشرب وتلعب، فيجن جنونه ويهجم على الفتاة ويرميها بزجاجة من زجاجات الخمر ويتكاثر عليه الجنود، فلايزالون به ضربًا ولكمًا حتى ينقل إلى المستشفى آخر الأمر، ليفارق فيه الحياة والحب والانتقام جميعًا».

ويمضى د. طه حسين فى مقاله الممتع فيعترف قائلاً مخاطبًا القارئ: «ولم ألخص لك القصة لأن تلخيصها عسير جدًا، لا سبيل إليه فى فصل من هذه الفصول، وإنما لخصت لك منها أطرافًا قليلة جدًا، وما أشك فى أن ما تركته من أطراف القصة عظيم الخطر، بالقياس إلى ما لخصته منها، عظيم من الناحية الاجتماعية أولا لأنه يشخص الزقاق ويشيع فيه روحًا خاصًا، ويعرض عليك هذا الروح الحلو المر الذى يسر قليلا، ويسوء كثيرًا ويدعو أشد الدعاء وأقواه إلى الإصلاح العاجل السريع الذى يعصم هذا الشعب القوى الفتى الخصب من الفساد والانحلال.

وعظيم الخطر من الناحية النفسية لأن الكاتب يحلل لك حياة الرجال والنساء والفتيان والفتيات تحليلاً دقيقًا رائعًا ويعرض عليك خباياها عرضًا قلما يحسنه البارعون فى علم النفس.

وعظيم الخطر من الناحية الفنية لأن الكاتب يصور لك هذه الحياة الساذجة المعقدة السعيدة البائسة تصويرًا يروعك بدقته وصدقه حتى كأنك تعيش بين هؤلاء الناس، فتضحك حين يضحكون وتحزن حين يحزنون.

والكتاب طويل، ولكنك تفرغ من قراءته فتراه قصيرًا، والكتاب مفصل ولكنك تمضى فى تفصيله فتراه مجملاً!

وما أعرف كاتبًا يذود عن قارئه الملل كهذا الكتاب، وهو مكتوب فى لغة فصيحة سهلة قد برئت من التكلف وامتازت بالسماح، تتخللها بين حين وحين عبارات شعبية تقرأها فلا تضيق بها، ولا تحس تنافرًا بينها وبين ما حولها من هذه اللغة السمجة المستقيمة، على هنات قليلة فيها لا تستحق أن تذكر، فهو مثلا يثنى ذات فيقول: «ذاتا نبقتين من اللؤلؤ» والخير أن يقول: «ذواتا» وهو يقول: «قد استخار الله فأخاره» والجيد أن يقول: «فخار له».

ولكن هذه هنات يسيرة وهى بعد ذلك قليلة فى هذا الكتاب الطويل.

ويختتم د. طه حسين مقاله البديع عن رواية «زقاق المدق» فيقول: «ما أجدر هذا الكتاب أن يقرأ، فهو كتاب ممتاز حقًا، قد صدر عن كاتب ممتاز ما فى ذلك شك».

ولقد فرغت منه بعد أن أنفقت فى قراءته أيامًا فلم يسعنى إلا أن آخذ فى كتاب آخر من كتبه هو «بداية ونهاية».

انتهى ما كتبه د. طه حسين، لكن المثير أننى لم أجد مقالته عن «بداية ونهاية» فی كتابه «نقد وإصلاح» «1956» والذى نشر فيه هذه المقالة وغيرها!