الأحد 26 سبتمبر 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
وليد طوغان
هيكل ومصطفى أمين ونجمة الإغراء!

هيكل ومصطفى أمين ونجمة الإغراء!

استمتعت واندهشت بقراءة هذه الدردشة الرائعة بين الأستاذين الكبيرين «محمد حسنين هيكل» و«مصطفى أمين» عندما كانا فى طريقهما من نيويورك إلى باريس، كانا يجلسان متجاورين فى الطائرة، وطوال ساعات الطيران الخمس لم يكفا عن الحوار والكلام فى كل شىء إلا السياسة!



تفاصيل الحوار كتبه بقلمه الرشيق الأستاذ هيكل فى مقاله «لقاء مع الملاك الأزرق» ونشره فى أخبار اليوم عدد 20 أكتوبر سنة 1956 أى منذ 65 سنة، وهذا المقال وغيره أعيد نشره فى كتاب «محمد حسنين هيكل» «اليوميات» الذى صدر العام الماضى، بمقدمة للأستاذ «ياسر رزق» رئيس مجلس إدارة أخبار اليوم وقتها.

وأعود إلى مقال الأستاذ «هيكل» الممتع إنسانيًا وقد كتبه على النحو التالى:

«كنت مستغرقًا أترقب الفجر، كنت أنقل بصرى خلال نافذة الطائرة بين السحب العابرة فى السماء المظلمة إلا من ومضات النجوم حولى، وبين مياه المحيط الأطلنطى تبدو ساكنة تغنى، وبين الأفق البعيد ناحية الشرق، حيث ظهرت عند مدى الرؤية ماسات حمراء خفيفة من الضوء هى بشائر الفجر الذى كنت أترقبه!

والتفت إلىَّ «مصطفى أمين» وكان يجلس بجانبى فى الطائرة المحلقة فوق المحيط الواسع قادمة من نيويورك قاصدة إلى باريس وقلت له: لقد طلع الفجر!

وقال مصطفى: كان أحمد حسين على حق فى نصيحته!

وكان مصطفى يقصد نصيحة سفير مصر فى واشنطن لنا بألا نحجز أسرة للنوم فى الطائرة العائدة من الغرب إلى الشرق وأن نكتفى بمقاعدنا فى الطائرة لأن الليل فى العودة من الغرب إلى الشرق يكون قصيرا عكس الذهاب من الشرق إلى الغرب، وعابرات المحيط تقطع المسافة بين باريس ونيويورك فى ليلة واحدة وفرق التوقيت بين باريس ونيويورك هو خمس ساعات.

وهكذا ركبنا الطائرة من نيويورك مع الغروب، وتقدم الليل بنا ساعات مع الطائرة فوق الأطلنطى، ثم إذا الشروق يقابلنا آتيًا فى منتصف الطريق.

وقلت لمصطفى: على أى حال، لم نستعمل أسرتنا التى حجزناها عندما كان الليل طويلا ونحن فى طريقنا إلى نيويورك، لقد تركناها خالية طوال الوقت!

لست أدرى لماذا على وجه التحديد، ولكنى أفضل دائمًا وأنا فى طائرة محلقة بين السما والأرض أن أكون مرتديًا ملابسى كاملة متهيئًا لأى احتمال! ومن ناحية أخرى فإن السهر فى الطائرات الكبيرة عابرات المحيط مسلٍ وممتع إلى أقصى حد.

فى تلك المرة التى كانت لنا فيها أسرة محجوزة للنوم فى الطائرة ولم نستعملها قط بدأ الليل علينا ونحن فى مطار باريس مجموعة عجيبة من البشر.

ثم يروى الأستاذ «هيكل» عن هذه المجموعة العجيبة مثل المهندس الشاب الذى كل همه أن يعاكس مضيفة الطائرة الجميلة، والشابة الأمريكية رائعة الجمال وبصحبتها رجل ساكت صامت شاحب أيضًا، وهنا تبدأ قصة الملاك الأزرق فيقول هيكل:

«جاءت مضيفة الطائرة الجميلة تقول: هل تعرفون من سيركب الآن معنا قبل أن تقوم الطائرة؟ مارلين ديتريتش «نجمة السينما الشهيرة وصاحبة أجمل ساقين فى الدنيا»!

ثم تراجعت المضيفة الجميلة تفسح الطريق لمارلين ديتريتش ودخلت نجمة السينما المشهورة فألقت علينا جميعًا نظرة خاطفة، ثم اتجهت على الفور إلى السرير المحجوز لها على الطائرة، وتلاقت عيوننا نحن الجالسين معًا فى صالون الطائرة بعد أن مرقت «مارلين ديتريتش» أمامنا، وكانت الجميلة الحزينة أسرعنا إلى التعليق فقالت بالقسوة التى تطبع أحكام كل امرأة على امرأة غيرها: ما لها هكذا.. لا تكاد الدنيا تسعها هل تظن نفسها ملكة؟!

ولم يفتح أحدنا فمه بكلمة، ربما لأن سكرتيرة مارلين ديتريتش وكانت قد صعدت إلى الطائرة وراءها، جاءت فجلست معنا فى صالون الطائرة!

وبدأ مصطفى أمين يهمس فى أذنى كيف أن مارلين ديتريتش وكانت بطلة أحلامه أيام المراهقة وكانت بطلة أحلام الدنيا كلها فى ذلك الوقت منذ ما يقرب من ثلاثين سنة تقريبا ثم جاءت فجأة!

زغدنى مصطفى أمين، وقلت بسرعة: هيه ماذا جرى؟!

قال هامسًا: هل تحب أن تتفرج على مارلين ديتريتش وهى تخلع ملابسها لترتدى قميص النوم؟!

قلت على الفور: لا، أحب أن أراها وهى مرتدية ملابسها!

وبدأ العشاء ولم يكد ينتهى حتى قامت أزمة فى الطائرة، كانت الشابة الجميلة الحزينة قد قامت بعد العشاء إلى الحمام عند ذيل الطائرة، وبعد بضع دقائق أقبلت «مارلين» ترتدى روب دى شامبر أزرق اللون فى طريقها إلى الحمام هى الأخرى!

وهمس مصطفى أمين فى أذنى: كان لها فيلم قديم اسمه «الملاك الأزرق»!

وفجأة أقبلت الشابة الجميلة الحزينة ولكنها كانت ثائرة صاخبة تقول:

-هذه المرأة مارلين ديتريتش لا بد أن تكون مجنونة من غير شك!!

وقلنا لها: ماذا جرى؟!

قالت: كنت قد فرغت ما أريد من الحمام وكنت على وشك أن أغادره ودخلت «مارلين ديتريتش» وحين وجدتنى أهم بمغادرته ظننت أننى أتركه لها إكراما لخاطرها فجاءت عليّ بابتسامة شكر متعالية وقالت لى: شكرا إنك تتركين الحمام لي!! ولكننى لم أترك الحمام إكرامًا لخاطرها.. لقد تركته لأنى فرغت من استعماله ولا بد أن تفهم هذه المرأة المجنونة هذا الوضع!

وسكتنا جميعًا، فقد كان واضحا أن المعركة محدودة، امرأة ضد امرأة، وعادت مارلين من الحمام إلى فراشها، والجميلة الحزينة تحملق فيها وكأن أهدابها قد تحولت إلى خناجر! وقامت تقول وهى لاتزال غضبى: هل رأيتم؟ ثم هدأت الجميلة الحزينة. وجلست وبدأ حديث شهى ممتع طويل، كل ما يخطر وكل ما لا يخطر على بال!!

ويمضى الأستاذ هيكل فى وصف ما جرى بعد ذلك من أسرار كواكب هوليوود وملاحظات عن حوارى بغداد ومغاف باريس ومقارنات بين نساء العالم وطريقتهن فى استعمال المساحيق من اليابان إلى أيرلندا ثم يقول: وأقبلت مضيفة الطائرة تقول لمصطفى أمين: ألا تريد أن تنام؟!

وسألها مصطفى عن موضع سريره فإذا هى تشير إلى السرير الذى يعلو سرير «مارلين ديتريتش» مباشرة وسألته المضيفة: هل أضع لك السلم لتصعد عليه إلى فراشك؟!

وتلفت مصطفى حوله حائرًا كمن وقع فى ورطة ثم قال للمضيفة: ألا تريننى رجلا طويلا عريضا.. ماذا لو صعدت إلى هذا السرير العلوى فلم يتحمل وزنى وسقط بى على «مارلين ديتريتش»!!

وتدخلت الجميلة الحزينة فى الحديث تقول لمصطفى: ليتك تسقط عليها!

وقال مصطفى على الفور: ليس ذلك من آمالى اليوم!!

قالت الجميلة الحزينة على الفور أوه «لم يكن ذلك قصدى.. قصدى أن تقع عليها بسريرك حتى ينكسر رأسها»!! وتدخل الزوج الصامت الشاحب يقول لزوجته: ألا تجدين وسيلة أرحم من هذه لتأخذى ثأرك منها؟!

والتفتت الجميلة الحزينة إلى زوجها مستاءة تقول له: ثأرى؟! هل بينى وبينها ثأر؟! أنا لا أكاد أشعر حتى بوجودها هنا فى الطائرة!

ويكمل هيكل قائلا: واستدار إليّ مصطفى أمين يسألنى: ما رأيك لو أخذت أنت سريرى فوق «مارلين ديتريتش» وأخذت أنا سريرك؟!

قلت بسرعة: أبدًا.. وما ذنبى أنا ولم تكن هى فى يوم من الأيام حلمى؟! اذهب أنت.. لقد كانت فى يوم من الأيام حلمك على أى حال!

وضحك مصطفى أمين وقال: لقد كبرت.. إننى أفضل الآن أن أحلم وأنا جالس على مقعدى هنا!

وهدأ الحديث فى صالون الطائرة وبعضنا مضى يحدق فى النجوم، وبعضنا أغمض عينيه وحاول أن يغفو.. وبعضنا شرد مع الخواطر والأفكار.. وانقضت ساعة وسمعت مصطفى أمين يسألنى بصوت خافت: هل أنت نمت؟!

قلت: أبدًا أنا أتأمل طلوع الفجر.. إنه أطول فجر رأيته.. إنه يصعد ببطء لأن طائرتنا تجرى فى نفس اتجاه خيوط النور، هل تعلم ماذا خطر لى الآن؟!

واستدار مصطفى ينظر إليّ متسائلا وقلت: إن الحب الأصيل كهذا الفجر الذى يطلع ببطء، لمسة ضوء الفجر الذى يطلع ببطء.. لمسة الضوء هنا.. ثم لمسة ضوء هناك.. ثم تلتقى اللمستان فى قشعريرة متوهجة عند نهاية الأفق.. ثم يقترب الضوء ويتسع نطاقه.. ثم يمتد ويضم السماء كلها إلى أحضانه!

إن الحب من أول نظرة - فى رأيى - حب صناعى مثل ضوء الكهرباء، لمسة على زر صغير فيسطع النور مرة واحدة!

ومد مصطفى يده إلى الزر الصغير فوق رأسى فأضاء النور فوق مقعدى ونظر إليّ فى دهشة وقال: هل تحلم؟! قلت: ربما.. ولكن ليس بمارلين ديتريتش على أى حال! وسرعان ما انتهت أيام الهناء والوئام بين الأستاذين هيكل ومصطفى أمين وتلك حكاية أخرى!