الجمعة 17 سبتمبر 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
وليد طوغان
12 سنــة فـى صحبــة أميــر الشعــراء!

12 سنــة فـى صحبــة أميــر الشعــراء!

أظنك لم تسمع قبل الآن باسم الأستاذ «أحمد عبدالوهاب أبوالعز»، رغم أنه صاحب كتاب مهم وممتع وعنوانه «اثنا عشر عاما فى صحبة أمير الشعراء» أحمد شوقى.



لقد شاءت الصدفة لهذا الرجل حسب قوله أن يلتحق بخدمة أمير الشعراء فقيد العربية، أحمد شوقى بك، وشاء الله أن يتوج اسمه بلقب السكرتير لأمير الشعراء طوال 12 عاما لازمه فيها كظله، يقابله كل صباح فلا يتركه إلا بعد نصف الليل بساعة أو بساعتين!

 

ويقول المؤلف: «إن من حق كل أديب، بل من حق كل عربى، بل من حق كل إنسان أن يعرف كيف كان أحمد شوقى بك يعيش، كيف كان يعمل، كيف كان يلهو، عن هذه الشخصية التى تركت فى كل قلب أثرًا لا تكاد تبليه السنون».

فى هذا الكتاب المهم والممتع والطريف الذى قرأه وعلق عليه «د. مدحت يوسف السبع»، وصدر ضمن مشروع مكتبة الأسرة، عشرات الحكايات أتوقف بالإعجاب والدهشة أمامها فيقول المؤلف مثلاً:

«كان أحمد شوقى ينظم الشعر فى أى وقت شاء وفى أى مكان أراد، فكان ينظمه جالسًا وماشيًا ومسافرًا ومقيمًا، وكان ينظمه وهو وحده وأيضا وهو مع أصدقائه أو زواره، وكذلك كان ينظمه فرحًا وحزينًا، كما كان ينظمه وهو مجد لأى عمل أو لاهية بأى منظر!

وبهذه المناسبة أذكر أنى كنت أدخل السينما فى صحبته، وكان دأبنا فى ذلك أن نقطع تذكرتين مختلفتين، إحداهما أمام الشاشة وهى له ليتمكن من رؤية المناظر عن قرب، والأخرى تكون لى يعطينها قائلا: اجلس حيث شئت وكما تريد!

ففى ذات مرة اتفق أن الرواية كانت ضعيفة وكنت غير مرتاح لها، ولكنى اضطررت للبقاء مجاراة لرغبته فى عدم الانصراف، فلم يسعنى بعد انتهاء الرواية إلا أن قلت له: لقد كانت الرواية ضعيفة ومملة! فقال: جدا، قلت: ولم بقينا؟!

فقال: «تركتها فى أول نظرة وشرعت أنظم»، ثم نظر فى وجهى وقال: «لا تظن أن رؤيتك لمثل هذه الرواية الضعيفة تمر بدون فائدة، فقد تعرف مواطن الضعف فيها، وهذا يفيدك قوة، ثم تعرف قيمة الرواية التى نراها فى الغد، إذا كانت من نوع أقوى، لأنه لا يظهر فضل الخفيف الجميل إلا إذا ظهر البغيض الثقيل، ولا يحس الإنسان بقيمة النعمة إلا بعد الحاجة!

ثم مضى نصف الساعة تحدثنا أثناءه فى أحاديث أخرى، ولكنه عاد وقال لى: كنا من وقت نتكلم على أن الضدين يظهران بعضهما مثل ذلك مثل الصحة يراها المريض تاجًا على رءوس الأصحاء، ثم ابتسم وقال: مع أن المريض كان صحيحًا قبل ذلك ولا يشعر على رأسه بطاقية فضلا عن التاج! ثم خلص من هذا إلى الحديث وسكت فإذا به ينظم بقية الشعر الذی كان قد بدأ فيه وهو فى السينما!

وحكاية أخرى يقول فيها: كان يحدث كثيرًا أن يدخل علينا زائر أو زائرون فيحدثهم ويحدثونه حتى إذا انتهت هذه الزيارة واستأذنوا التفت إلىَّ وقال: اكتب، فيسرع فى الإملاء وأسرع فى الكتابة كأنه لم ينقطع وكأنه لم يكن مشغولاً باستقبال أحد، بل كأن أحدا لم يقطع عليه ما كان ذهنه يعمل فيه!

وفى مرة لاحظ دهشتى من قدرته هذه على نظم الشعر فقال: لا تظن أن محادثتى للناس تعطلنى عن عملى!

كانت إحدى مهام سكرتير أمير الشعراء هى القيام بتحصيل الإيجارات عن الممتلكات والعمارات التى يمتلكها «أحمد شوقى» وتذكر السيدة «روزاليوسف» فى ذكرياتها أنها قامت باستئجار بدروم عبارة عن حجرتين فى إحدى عماراته، مقابل جنيهين فى الشهر لتكون مقرًا للمجلة.

ويروى «أحمد عبدالوهاب أبوالعز» هذه الواقعة الطريفة فيقول:

«فى يوم 10 نوفمبر سنة 1931 كنا فى المكتب مساء وكنت أعمل حساب المتحصل من الإيجارات فإذا هو ثلث ما كان يتحصل فى العشرة الأول من مثل هذا الشهر من كل عام، فقلت للبك عن ذلك، وبينما نحن فى الحديث جاءنى أحد المستأجرين يطلب تخفيض الإيجار للمرة الثانية، أو يخرج من سكنه، وقد وعدته بمقابلتى فى اليوم التالى، ولما سمع «البك» أحمد شوقى، حديث الساكن عدنا لحديثنا الأول عن الحالة والأزمة، وانتهينا من الحديث إلى أن قررنا الاقتصاد فى كل ناحية من نواحى المصروفات!

وفى ثانى يوم الساعة 11 صباحا جاء سيدى كعادته، ولكنه عندما نزل من سيارته وجد بضعة نفر أمام الباب يتسابقون إليه، فناول بعضا منهم شيئا من النقود بيده وأعطانى لأناول الآخرين ودخلنا المكتب، وبعد بضع دقائق جاء الخادم بالقهوة، وطلب الإذن لثلاثة جاءوا من ساعة وذهبوا على أن يعودوا وهاهم الآن بالباب منتظرون، فسمح لهم البك وقابلهم بابتسامة وسلم عليهم بأسمائهم، وقال لهم: هل من خدمة؟ فقال أحدهم إنه وكيل عن مجلتين وأن زميليه صاحبًا جرائد سماها وأنهم يريدون الاشتراكات!

فابتسم وقال: أما المجلات فلم أر منها شيئًا، وأما إحدى الجريدتين فأعرف أنها صودرت من سنة ولم تظهر بعد! وأما الثانية فحقيقة أنى لاأزال أراها، ولكن كل ثلاثة شهور مرة!

فسبق صاحب الجريدة التى صودرت بقوله: ربنا يبقيك لنا يا سعادة البيك.. مَنْ لأهل الأدب غيرك نصيرًا؟!

فأشار إلىَّ بما يرضيهم، وفعلا انتقلت معهم إلى حجرة ثانية وخرجوا شاكرين غير أنه قال لى بعد خروجهم: إن بعض هؤلاء الكتاب مجيدون وكانوا فى يوم ما فى رغد من العيش!

فقلت: ولكنا يا سيدى لم نتبع ما قررناه أمس وهانحن قد رجعنا بمصروفاتنا لأوسع من أيام الرخاء، فخمسة جنيهات فى نصف ساعة اليوم! فابتسم وقام قائلا: ليس ذنبى إنما هو مكتبك هيا بنا نخرج منه!

وأذكر أن الفقيد جعل مرتبات شهرية تصرف لبعض الخدم الذين عجزوا عن الخدمة لكبر سنهم ولأبناء خدم أبيه ولبعض أناس كانوا من بيوتات عالية ونكبوا ولآخرين!

وقال إنهم كانوا معه أطفالاً بمكتب الشيخ «صالح» وهم الآن فقراء.

وعن علاقة أحمد شوقى بالزعيم سعد زغلول يروى هذه الحكاية:

«فى أول يونيو 1926 كان يوم زفاف نجله الأكبر الأستاذ «على شوقى» ودعى «سعد باشا زغلول» لحضور حفلة الفرح، وحرص المغفور له «سعد باشا» على تلبية دعوة مولاى، ولكنه خوفًا من زحام المدعوين الكثيرين، وخوفًا على نفسه من برد الليل رأى أن يلبى الدعوة فى الساعة الخامسة حتى يتسنى له أن ينصرف قبل الزحام وقبل برد المساء وفعلاً كان ذلك!

وأقبل «سعد باشا» واستقبله «شوقى بك» على باب قصره بالجيزة، وجلسا بجوار بعضهما فى غرفة تطل على النيل، وأخذا يتحدثان، وفيما هما كذلك إذا بالأستاذ «عبدالرحمن الجديلى يستأذنهما فى أن يسمحا لبدر أفندى المصور بأخذ صورة، فابتسم سعد باشا ونظر إلى الفقيد فأجابه مبتسمًا كذلك وقال: ولكنى لا علم لى بذلك!

فضحك سعد باشا ضحكة خفيفة، وبعد أن أخذت الصورة قال سعد باشا وهو يبتسم: لاشك أن هذا من عمل الجديلى، ثم قال الأستاذ الجديلى: هذه صورة الخالدين، فأشار دولة سعد باشا قائلا: الخلود هنا! مشيرا لأمير الشعراء!

وبعدما جلسا يتبادلان كثيرا من عبارات المودة والإعجاب المتبادل والتقدير رغب سعد باشا فى القيام، فقام معه «شوقى بك» مودعًا حتى امتطى «سعد باشا» سيارته، فعاد الفقيد وهو يقول: حقًا إنه لزعيم حائز لكل صفات الزعامة، فقلت: وهل الزعامة صفات عديدة؟

قال: أجل، فهى كثيرة، وأولها أن يكون الزعيم على بسطة من العلم والجسم، قويًا على نفسه، جريئًا فى الحق، خبيرًا بمختلف الشئون السياسية والقانونية، قويًا وليس بقاسٍ، رحيمًا وليس بضعيف، خطيبًا قوى الحنجرة، حسن البيان والإلقاء، يقدر الكبير فى أعوانه ولا يجرح صغيرهم.

ثم ابتسم وقال: وقبل ذلك يكون حسن الوجه، ولم يرسل الله نبيًا قبيح الخلقة قط، ومن كانت هذه مؤهلاته ودعا إلى الخير فهو زعيم بالرغم عن نفسه وعن الناس».

وما أكثر الحكايات الممتعة والمدهشة التى كتبها سكرتير أمير الشعراء بقلم محب وصادق لأحمد شوقى بك!