الأربعاء 27 أكتوبر 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
وليد طوغان
الإنسان هو الحل

الإنسان هو الحل

كثيراً ما نقرأ ونسمع أن «العلمانية» هى الحل لمجتمعنا والخلاص الأوحد من «حكم الدين» و«التشدد الدينى» وقد نلاحظ أن هناك خلطاً بين الدين وبين الإيمان، فالدين هو انتماء الإنسان إلى دين معين وليس بالضرورة أن يكون هذا الإنسان مؤمنا حقيقياً بهذا الدين وروحانياته. فقد لا يكون متدنياً أو ممارساً أو فقط ورث هذا الدين، أما العلمانية فهى بدورها مصطلح فيه خلط أيضا فهو فى الأساس يؤدى إلى فصل الدولة عن الدين أى أن الدولة لا ترتكز لمبادئ دينية، على سبيل المثال فرنسا التى ترتكز على مبادى الجمهورية وهى مبادئ إنسانية بينما الدين خلقه الله سبحان وتعالى مرتكز على الوصايا الإلهية. 



مرت العلمانية بمراحل كثيرة وقدمت ذاتها من خلال ممارسات الدولة أنها ضد الدين بل عدوه له فمثلاً فى فرنسا بحجة فصل الدين عن الدولة استولت الدولة على ممتلكات الكنيسة واضطهادتها كما أصبحت العلمانية مقرونة بالإلحاد والشيوعية.

بعد المجمع الفاتيكانى الثانى 1962 - 1965 وعت الكنيسة الكاثوليكية لدور العلمانى سواء فى الكنيسة أو فى المجتمع وأصبح الإنسان العلمانى هو الإنسان الذى من العالم ولا ينتمى للإكليروس (أى ليس رجل دين) ولكنه مشارك فى إدارة الكنيسة وخدماتها الروحية وعرفت الكنائس الشرقية منذ زمن بعيد اللجان المساعدة للإكليروس المكونة من علمانيين ملتزمين فى الكنيسة تساعدهم على إدارتها خاصة الأمور المالية والإدارية وحتى الروحية ومنها المساهمة فى اختيار القسوس والأساقفة والبابوات. 

يبدو أن للعلمانية اليوم رؤية جديدة تجاه الدين ودوره فى المجتمع بعد عقود من سوء الفهم والشك فى تعاليم الأديان وروحانياتها من ناحية والخلط بين العلمانية والإلحاد واللادين من ناحية أخرى . 

وفى خطاب ألقاه الرئيس الفرنسى على مجلس أساقفة الكاثوليك هناك وهو يرفع مبادئ الجمهورية على أساس علمانى يقول إن «العلاقة بين الكنيسة والدولة تشوهت ومن واجبنا معاً أن نصلحه ولا يوجد أية آلية إلا الحوار الحقيقى والصريح «ويستكمل» أنى أعتبر أنه ليس من وظيفة العلمانية نفى الروحانيات باسم الزمنيات ولا انتزاع المقدس من مجتمعنا، فما يهمنا هو «الإنسان» ومصيره ودعوته».

فإذا كان هناك فى بلادنا من ينادى بأن العلمانية هى الحل أقول لهم إن العلمانية اليوم فى الدول المتقدمة تعتبر الإيمان والدين والروحانيات ضرورة لبناء مجتمع قائم على العدل واحترام حرية الإنسان بعد أن أظهرت الممارسة الطويلة أنه لا يمكن إفراغ المجتمع من الروحانيات التى تقوى ضمير الإنسان، رغم أن فى كثير من المواضيع الأخلاقية تتضارب الأفكار (العائلة ـ المثليين ـ الموت الرحيم وغيرها من القضايا) ومع ذلك تدعو الدولة العلمانية اليوم إلى حوار مجتمعى حول هذه القضايا خاصة مع المؤسسات الروحية . 

ليس الرجوع إلى الروحانيات معناه تحويل الحكم إلى حكم إلهى ثيوقراطى ولكن تحقيق التوازن بين ما هو إلهى وما هو زمنى وبالقطع مجتمعنا المصرى والشرقى ما زال أمامه أسئلة كثيرة للإجابة عليها ولكن حان الوقت لتعصيف هذه الأفكار على الأقل على المستوى الثقافى والفكرى والفلسفى لقيادة مجتمعنا الشرقى الذى يعاد صياغته فى هذا العصر ويخرجنا عن المألوف والتقليدى . فلا يستقيم مجتمع خاوٍ من الله ولا يستقيم مجتمع ثيوقراطى خاوٍ من احتياجات الإنسان ولكن التوازن بينهما هو الحل.