الخميس 17 يونيو 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
وليد طوغان
يوسـف إدريـس عبقرية عالمية نادرة فى القصـــة القصيــرة!

يوسـف إدريـس عبقرية عالمية نادرة فى القصـــة القصيــرة!

آه لو صدر هذا المجلد الفخم الفخم الرهيب عن «يوسف إدريس» فى حياته وليس بعد رحيله بعدة شهور وأظن أنه أول كتاب يصدر عنه بهذه الفخانمة والروعة فى حوالى ألف وخمسين صفحة من القطع الكبير عن الهيئة المصرية العامة للكتاب لا يوجد أديب أو كاتب أو صحفى إلا وكان له سطور أو مقال أو شهادة عن د. يوسف إدريس، حتى خصومه كتبوا عنه بمحبة وصدق اعترافا بموهبته الفذة فى الأدب العربى».



 

الكتاب إشراف د. سمير سرحان رئيس الهيئة المصرية للكتاب وقتها وإعداد الأستاذة «اعتدال عثمان» التى بذلت جهدا خارقا وأسطوريا فى العثور على حوالى ثمانين مقالة ودراسة عنه كتبها نجوم الأدب والفكر بعد رحيله مباشرة، بل وقبل رحيله أيضًا.. صدر الكتاب بعد رحيله بأربعين يوما فقط !!

كل مقال أو دراسة تستحق إعادة القراءة ففيها إعادة اكتشاف العالم يوسف إدريس الروائى والمسرحى والصحفى والفنان والإنسان والمتمرد والساخط.

ومن وسط هذه الدرر الأدبية توقفت طويلا أمام شهادة الروائى الكبير الأستاذ «فتحى غانم» وعنوانها «المرحلة الثانية من حياة يوسف إدريس» حيث يبدأ مقاله أو دراسته بالقول :

«غياب «يوسف إدريس» بشخصه يعنى أن المرحلة الأولى من حياته قد انتهت! لتبدأ مرحلة ثانية أكثر انطلاقا وتحررا وشمولا، ولا بأس إن نقول أن أعمال «يوسف إدريس» الأدبية، روائعه فى القصة، ومغامراته الممتعة فى عالم المسرح وانطلاقاته الثقافية والفكرية سوف تجد الآن مجالا أوسع للانطلاق، وقد تحررت –نعم تحررت– من وصايا صاحبها، فأصبحت حرة مستقلة تواجه القراء عبر الزمان والمكان أجيالا بعد أجيال، لا تحاصرها منافسات أو أحقاد أو مجاملات أو دوافع سياسية أو شخصية موجهة إلى صاحب هذه الروائع، وليست موجهة بصدق إليها. 

«الآن انفتحت أبواب منجم الذهب على مصاريعها، وإذا كان صاحب المنجم قال: «لا وقت للحب» فأقول باسمه وبحق صداقتى له «لا وقت للحزن» لأن الحياة مازالت قوية دافقة فى أعماله تمثل أجمل وأروع لحظات عمره، ولقد كان الذهب الذى يستخرجه من أعماقه «تبر خام» ولقد اختار فى معظم قصصه أن يقدم لنا هذا «التبر» محتفظا بطبيعته الخام ليكون أصدق تعبيرا عن حياة الناس أكثر احتراما لآدميتهم، أكثر اقترابا لإنسانيتهم، فهو لم يقدم لنا الذهب الذى نراه فى فترينة الصائغ، لم يقدمه لنا فى لغة فصحى قديمة، بل صاغ لغة جديدة اخترعها وفرضها فى الأدب العربى ليقدم رؤيته كفلاح حافى القدمين والبدوى القادم من جوف الصحراء والنوبى المتمسك بتقاليده فى الجنوب، الحيوية، التدفق سخونة المشاعر، الأحلام ممتزجة بالغرائز، الفعل الماكر، والرغبات المحمودة تتفاعل كما يراها بين الناس يشخصها كطبيب ويعالجها كأديب».

وتمضى شهادة الأستاذ «فتحى غانم» فى مقاله البديع فيقول : 

 «كان الطبيب الشاب الأعزب يوسف إدريس جالسا على سرير فى حجرة خالية بالدور الأرضى فى بيته بشارع المبتديان، وكنت جالسا على المقعد الخشبى الوحيد فى الحجرة بجوار سريره، ومضت ساعات كأنها لحظة وهو يحدثنى فى حرارة، وعيناه تبرقان فى جنون، يريد أن يكتب، لا أريد أن أكتب قصة؟! هل تفهمنى يا فتحى؟!

لا يهم أن أكتب قصة كغيرها من القصص! أريد أن أكتب «القصة عندما أكتب القصة !! فلابد أن أشعر أنه لا قصة قبلها ولا قصة بعدها ! تقول هذا مستحيل، ولكن من الممكن تحقيقه إذا ما كتبته بدمك، كل انفعالاتك وخلجاتك، شهيقك وزفيرك، فوران الدم فى الشرايين والأوردة والشعيرات، توتر الأعصاب، كل هذا هوالذى يكتب القصة.

• هذا أشبه بالجنون يا يوسف فيجيب: جنون – جنون يا أخى فليكن !

• سألته: كيف يكون؟! أجاب: كنت طبيب امتياز فى الاستقبال بالقصر العينى وذات ليلة جاءوا بفتاة فى شبه غيبوبة، كانت مدمنة وكان لا بد أن أحقنها، ما كادت ترى الحقنة فى يدى حتى هجمت عليها.. انتزعتها، فسقطت الأنبوبة على الأرض وتهشم زجاجها!! أتدرى ماذا فعلت؟! ارتمت على الأرض وهجمت على الزجاج المتناثر تلعقه بلسانها، لا يهمها أن تجرح لسانها أو تسيل دماؤها، لا يهمها سوى أن تلعق السائل على الأرض، لحظة كاملة من التركيز على ما تريده حتى لو كان ثمنها الموت «هكذا أريد أن أكتب القصة»!

ويضيف الأستاذ «فتحى غانم»: تروى الخطابات التى أرسلها لى «يوسف» عن معاناته ليقدم لحظة صادقة أو رؤية يؤمن بها حتى لو كان الثمن انهيار أعصابه بين حين وحين!! وكان لابد أن يضىء الصدق وأن تشع حرارته فى كل مكان، أى مكان فى العالم!!

عندما اختارنى «يوسف السباعى» رئيسا لوفد الأدباء فى مؤتمر طشقند لأدباء آسيا وإفريقيا عام 1964، كنا ثلاثة: يوسف إدريس وسعد الدين وهبة، كنا ندخل القاعة فيتهامسون هؤلاء رجال ثورة «عبدالناصر» ولكن يوسف إدريس وحده لقى مقابلة الأديب العالمى الذى سبقنا فى ترجمة قصصه والاعتراف به كعبقرية نادرة على المستوى العالمى فى القصة القصيرة!

كنت من أول الكتاب الذين تجاسروا وكتبوا عنه فى الصحف القومية رغم الاعتقالات التى يتعرض لها، كتبت صفحة كاملة عنه فى الخمسينيات فى مجلة آخر ساعة بعد أن كتب رواية «لا وقت للحب»، وقبل أن أكتب أول رواية لى «الجبل» بعدة سنوات !

وكان مقالى عن يوسف إدريس ومقال آخر كتبته عن «صلاح جاهين» سببا فى اتصال «محمد حسنين هيكل» رئيس تحرير آخر ساعة فى ذلك الوقت – ليقول لى إن عبدالناصر يتساءل – لم يقل يتهم – عن صلتى باليساريين!! وكان من السهل اتهام أى كاتب له رأى بأنه يسارى أو شيوعى للتخلص من معارضاته أو آرائه التى لا تستريح لها السلطة.

ولقد ظل شبح الاتهامات السياسية بكل أنواعها موجها إلى يوسف إدريس، ولكنه تجاوزه وارتفع فوقه، دون أن يفقد لحظة طاقاته غير العادية فى النضال!

وكانت آخر معاركه الداخلية تلك التى نجمت عن تصريحات لوزير ثقافة فى عهد سابق، أن يوسف إدريس شتم المصريين، فلم يسكت «يوسف» ورفع الأمر إلى القضاء، وكان الأمر لا يعدو أن يكون سوء تفاهم كشف عن طبيعة يوسف واستعداده المطلق للتحدى والنزال.  

ويقترب مقال الأستاذ «فتحى غانم» من نهايته فيكتب قائلا : 

«وكانت آخر مواجهاته فى حضورى فى مارس عام 1990 فى بغداد بمناسبة ندوة عن «الأدب والحرب» كنت أدير إحدى الندوات يشارك فيها أساتذة جامعيون ونقاد وأدباء من العالم العربى، وقبل نهاية موعد الندوة، دخل يوسف إدريس القاعة وطلب الكلام ورحبت بمشاركته، فأمسك بالميكرفون وانطلق يهاجم الإشادة بالحرب، ينكر أن يعترف الأدباء – فى بغداد أو غير بغداد – بأدب يمجد الحرب والقتال، فالأدب لا يكون إلا للحياة والإنسانية، ورفض الحروب والتدمير والتخريب وسفك الدماء.. 

الأدب دعوة للسلام، والعلاقة بين الأدب والحرب لا تكون علاقة صحيحة، إلا إذا تحدثت عن بشاعة الحرب وقسوتها، وقدمت أفكارا لتتجنب ويلاتها وإذا كانت الحرب مشروعة دفاعا ضد العدوان، فهى منبوذة إذا كانت أداة للعدوان».

مضى يوسف يتكلم والجميع ينصتون، لا أحد بين الحاضرين يختلف معه، وأشدت بكلماته وكنت لا أدرى أن هذا الصوت الشديد الحماس والحيوية الذى يتدفق ويملأ أسماع المثقفين فى بغداد، يتنبأ ويحذر من كارثة عدوان قادم بعد شهور على الكويت !

 لقد حضرت هذا الموقف وأنا شاهد عليه، فقد كنت رئيسا للندوة التى تحدث فيها، ولم ينتبه أحد إلى خطورة التخدير الذى يعلنه فنان وأديب يتعامل مع الصدق، ومستعد لأن يدفع حياته ثمنا لهذه اللحظة، فما قيمة حياة الجسد الفانى.

إن الحياة تبقى مع لحظة الصدق، وما أكثر هذه اللحظات الصادقة العامرة بالحياة كما عرفها وكتبها يوسف إدريس، أدب مفعم بالحياة ما زال».

انتهت شهادة الأستاذ «فتحى غانم» عن د. يوسف إدريس، وأكرر التحية والتقدير للمبدع الكبير د. سمير سرحان على حماسه فى الإشراف على صدور هذا المجلد الفخم ومقدمته الرائعة التى قال فيها : «هذا الكتاب استشراف لقارة مترامية الأطراف يصعب الإلمام بآفاقها فى عمل واحد، إنها قارة يوسف إدريس الأدبية! ورحم الله الجميع.