السبت 10 أبريل 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
وليد طوغان
أيـام الفـول والطعميـة والصحـافة!

أيـام الفـول والطعميـة والصحـافة!

كان «عبدالرحمن عزام» أول أمين عام للجامعة العربية منذ نشأتها فى عام 1945، وظل بهذا المنصب سبع سنوات حتى قيام ثورة 23 يوليو سنة 1952 وإقالته بعد ذلك! كانت الصدفة وحدها وراء توليه هذا المنصب، فقد كان «مصطفى النحاس باشا» رئيس الحكومة وقتها يريد د. محمد صلاح الدين ليكون فى هذا المنصب، لكن شاءت الظروف إقالة حكومة النحاس باشا، ويتولى أحمد ماهر باشا رئاسة الحكومة فقام بتكليف «عبدالرحمن عزام» بالمشاركة فى المشاورات التى تجرى مع البلاد العربية استعدادًا لتوقيع الميثاق، وكان «عبدالرحمن عزام» وقتها يعمل سفيرًا بديوان وزارة الخارجية المصرية!



 

شاءت الظروف أن يعرف «عبدالرحمن عزام» كبار رجال السياسة فى مصر والعالم العربى، من سعد زغلول ومصطفى النحاس إلى الزعيم محمد فريد وزعماء سوريا ولبنان وغيرهم.

كانت الصحافة حلم حياته وغرامه منذ كان طالبًا فى كلية الطب وسفره إلى إنجلترا - جامعة لندن - لاستكمال دراسته، وكتب عشرات المقالات فى صحيفة «اللوء» جريدة الحزب الوطنى وكان صديقًا لمصطفى كامل ومحمد فريد، لكنه ينضم لحزب الوفد ويصطحبه الزعيم سعد زغلول فى جولاته الخارجية أثناء المفاوضات، أكثر من هذا أن سعد زغلول رشحه لعضوية مجلس النواب عن دائرة العياط، وكان عمره وقتها أقل من ثلاثين عامًا السن المطلوبة لخوض الانتخابات، فتقرر حساب عمره بالتقويم الهجرى ونجح «عبدالرحمن عزام» وكان أصغر الأعضاء سنًا فى برلمان سنة 1924.

 

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

 

وفى كل الصحف والمجلات التى أنشأها الوفد مثل الجهاد والضياء وكوكب الشرق ومصر والبلاغ، كان قلم ومقالات «عبدالرحمن عزام» حاضرة وبقوة!

ويروى الأستاذ «وحيد الدالى» مدير مكتب «عبدالرحمن عزام» فى كتابه «أسرار الجامعة العربية وعبدالرحمن عزام» قائلاً:

«أشهر فترة فى تاريخ «عبدالرحمن عزام» هى الفترة التى تولى فيها «إسماعيل صدقى باشا» الوزارة ابتداء من عام 1930، وكان الوفد فى صفوف المعارضة واحتدت الخلافات بين الحكومة والوفد، وظل «عبدالرحمن عزام» يكتب افتتاحية جريدة الجهاد الصباحية لمدة ثلاث سنوات موجهًا نقدًا لا يرحم لصدقى باشا ووزارته، وكانت مقالاته ينتظرها القراء كل صباح مع فنجان القهوة تشفيًا لظلم وزارة صدقى باشا، التى اضطهدت الوفد وأعوانه وهم الغالبية العظمى من المصريين.

أما جريدة «الأهرام» فكانت علاقته بها علاقة صداقة ومودة مع صاحبها تقلا باشا، ورئيس تحريرها «أنطون الجميل» وغيرهم، وكان يكتب فيها «عبدالرحمن عزام» المقالات الوطنية القومية فى المناسبات المختلفة، حيث كانت الأهرام جريدة محايدة، وكثيرا ما كتب فيها مقالات تتناول العروبة ومستقبل العالم العربى، أو مقالاته التى توجه النقد إلى الاستعمار البريطانى الذى كان يجثم على أنفاس مصر، والاستعمار الفرنسى المسيطر على سوريا ولبنان وشمال أفريقيا أو الاستعمار الإيطالى المستبد فى ليبيا.

وكان يضُمن هذه المقالات أفكارًا تتناول ضرورة قيام الوحدة العربية حيث إن العرب لابد لهم أن يتحدوا ليستقلوا. خاض «عبدالرحمن عزام» تجربة أن يكون رئيسا للتحرير وتفاصيل الحكاية يرويها الكاتب الصحفى الكبير حافظ محمود «شيخ الصحفيين» قائلا:

«فى عام 1928 فكر «عبدالرحمن عزام» فى صحافة من لون جديد لا هى تناصر هذا الفريق على ذاك ولا العكس، صحافة تعبر عن الروح القومية وحدها، على أن تدخل فى الروح القومية ارتباطات مصر الطبيعية بالأمة العربية كلها.

وكانت الصحافة كصناعة قد بدأت الخروج من دائرة الأعمال المحدودة إلى دائرة الأعمال التى تحتاج إلى «رأس مال»، وفكر «عزام» فى المموِّل وجاء الرد من صاحب الملايين «أحمد عبود باشا» بأنه على استعداد لأن يمول مشروع جريدة «عزامية» بشرط أن يكون لها اهتمامات اقتصادية.

وظهرت الجريدة باسم جريدة «الكشاف» اليومية على رأسها اسم «عبود باشا» كصاحب الامتياز واسم «عبدالرحمن عزام» كرئيس تحرير، ومع أن «عبود باشا» استطاع أن يطبع هذه الجريدة بطابعه الاقتصادى، فإن «عزاما» استطاع فى الوقت نفسه أن يقدم للقراء - لأول مرة - جريدة مصرية تتلخص سياستها فى القومية العربية!

 

عبد الرحمن عزام
عبد الرحمن عزام

 

ولولا مصالح أحمد عبود باشا وشركاته مع هذه الجهة أو تلك لعاشت هذه الجريدة طويلا، فقد أعطاها «عبدالرحمن عزام» من جهده كل ما استطاع أن يعطيه من سهر الليالى، لكنه وجد نفسه فجأة فى دوامة من التشابك المتصارع بين النشاط المالى لعبود وبين نشاطه الصحفى السياسى فاستقال من رئاسة تحرير الجريدة، وأبى «عبود باشا» أن يجلس على كرسى رئيس التحرير أحد غير «عزام» وقرر التنازل عن «امتياز هذه الجريدة» بعد أن عاشت شهورًا طوالا أعطى فيها «عزام» لحملة الأقلام نموذجًا طيبًا من التعبير».

جانب آخر من القصة يرويه الأستاذ الكبير «مصطفى أمين» فيقول:

«صدرت الجريدة ونجحت وتقاضى «عزام» مرتبًا ضخمًا لم تعرفه الصحافة قبله، وبعد أسابيع قليلة اختلف مع «عبود»، عبود يرى أن تكون الجريدة معتدلة و«عزام» يصر على أن تكون متطرفة، ورفض عزام أن يغير رأيه، وداس على المرتب الضخم،. وترك الجريدة بعد أسابيع قليلة من صدورها، وبعد ذلك بوقت قليل أفلست «الكشاف»!

ويضيف الأستاذ «مصطفى أمين»: ورأيت «عبدالرحمن عزام» يقاوم «إسماعيل صدقى» فى جبروته والأزمة المالية تأخذ بخناقه، والحكومة تضغط على البنوك التى أقرضت أسرته لتعلن إفلاسها، وعزام يرفض أن يستسلم!

وأذكر أن الملك «فؤاد» عرض عليه أن يكون وزيرًا للحربية لينتزعه من المعارضة ورفض المنصب، وطلبوا منه أن يفكر وأعطوه مهلة أسبوعًا ليرد وحددوا له موعدًا فى منزل «توفيق نسيم باشا» رئيس الديوان الملكى يومئذ ليبلغه.. واستيقظ «عزام» فى اليوم المحدد فى منزله بحلوان وليس فى جيبه أجرة الانتقال إلى القاهرة، ولكنه وصل إلى منزل رئيس الديوان فى الحلمية مشيًا على قدميه ليقول: لا، ثم اتجه بعد ذلك إلى النادى السعدى واقترض من الدكتور «أحمد ماهر» أجرة القطار إلى حلوان، وعاش فترة على الفول المدمس والطعمية ولم يندم على سنوات الفقر والجوع والتشرد.

ثم أصبح سفيرًا ووزيرًا وأمينًا للجامعة العربية مرتبه أكبر من مرتب رئيس الوزراء، ورأيته فى جناح فخم فى فندق «بلازا» فى نيويورك وكان يتحدث باعتزاز عن الأيام الحلوة التى كان يمشى فيها على قدميه من حلوان إلى القاهرة، ويعيش على «الفول المدمس والطعمية».

وأعود إلى كتاب الأستاذ «وحيد الدالى» الذى يروى هذه الحكاية المدهشة:

«حضر إلى مصر وفد من سوريا ولبنان يضم شكرى القوتلى ولطفى الحفار وجميل مردم وسعد الله الجابرى وعبدالحميد كرامى ورياض الصلح وآخرين وأرادوا مقابلة سعد زغلول وكان ذلك فى أوائل عام 1927، وذهبوا إلى بيت الأمة فاعتذر سعد زغلول عن عدم مقابلتهم وتأثروا جدا واعتبروا ذلك إهانة كبيرة لهم، وذهب الوفد إلى منزل عزام بحلوان وأبلغوه بأن سعد زغلول يرفض مقابلتهم، فتألم عزام واصطحبهم إلى بيت الأمة وأجلسهم فى الصالون، ودخل على «فتح الله باشا بركات» وكان ابن شقيقة سعد زغلول وأكبر منه سنًا وكان سعد يقدره كثيرًا، وقال عزام لفتح الله بركات:

«كيف يمتنع سعد باشا عن مقابلة إخواننا العرب.. إنهم الآن ضيوفى.. وإذا لم يقابلهم سعد باشا فلن أحضر إلى هنا أبدًا وسأكتب مقالاً غدًا أشرح فيه ما حدث»!

قال فتح الله بركات: لا تغضب تعال معى، ودخلا على سعد فقال بركات لسعد: إن «عبدالرحمن عزام» زعلان لأنك لم تقابل ضيوفه، فقال سعد: يا عبدالرحمن لا تزعل، وسأوجه إليك سؤالاً: صفر + صفر يساوى كام؟!

قال عزام: صفر، فقال سعد زغلول هذه هى البلاد العربية!

فقال عزام: لا يا باشا يمكن أن نجعل هذه الأصفار على اليمين فتصبح أعدادًا لها قيمتها! فابتسم سعد زغلول وقال: طيب نقابلهم!

وقابل الوفد العربى سعد زغلول واعتذر لهم ومرت الأزمة، وبعد خروجهم قال سعد لعزام: لقد قابلتهم إكرامًا لك! فرد عزام: سوف نرى يا باشا وأدعو الله أن يمد فى عمرك حتى ترى هذه الأصفار وقد اتحدت وتحركت إلى اليمين!