السبت 23 يناير 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
وليد طوغان
هل أنزل الله الإسلام حكرًا على المشايخ؟!

النص من عند الله والفقه من عند البشر وهو ليس مقدسا

هل أنزل الله الإسلام حكرًا على المشايخ؟!

فى عصور اضطراب الوعى الدينى، تتمسّك المؤسّسات الدينية بالمطلقات. المقصود بالمطلقات هنا هو ما تراه مؤسّسات الدين واجبًا فقهيّا، ومعلومًا من الدين بالضرورة.  لذلك فإن أزمة تلك المؤسّسات أنها تُماهى (بلا سبب) بين النص والرأى، وتنتقى من الآراء (بلا مُقتَضَى) ما ترفعه لمكانة المطلق.. ثم لا تحتمل تلك المؤسّسات الخلافات والاختلافات، حتى ولو كانت وجيهة، وحتى لو كانت الاختلافات شرعية هى الأخرى!



فى عصور اضطراب الوعى الدينى، تسمح مؤسّسات الدين لنفسها بالاجتهاد، بينما تمنع اجتهادات من آخرين. تدفع مؤسّسات الدين نحو آراء شرعية تراثية، بينما تمنع (بلا داعى) آراءً أخرى مخالفة، حتى ولو الآراء الأخرى شرعية، لها أسانيدها، ولها حُجيتها.. ولها وجاهتها أيضًا.

(1)

فقهًا المصلحة هى علة التشريع الإسلامى وسببه فى المعاملات والأحكام. نشأ علم الفقة احتياجًا لاستخراج أحكام مستحدثة، من نص ثابت، لملاءمة مستجدات مجتمعات إسلامية متغيرة. 

الفقة ليس هو النص. الفقه اجتهاد بشرى، فما النص؟. النص من عند الله، بينما الفقه من عند البشر. لذلك فالفقه ليس مقدسًا، ويجوز فيه العدول عن رأى لآخر حفظًا لمصالح المسلمين.

لم يمنع الحنابلة فقه الشافعية، رُغم ما بينهما من خلاف. لم يُحرم أحدُهم آراء الآخر، ولم يمنع أحدُهم اجتهاد الآخر.. لاحظ أن أساس الاختلاف بين الشافعية والمالكية مثلًا، هو اختلاف طبيعة مجتمع الشافعية (مصر)، عن ظروف وطبيعة مجتمع المالكية (المدينة المنورة).

وباختلاف المجتمعات، تختلف المصالح.. وبالتالى يختلف فهم النص الشريف.  إدارة المؤسّسات الدينية للجدل فى أزمة زواج المسلمة من كتابى بالتحريم القاطع، دليل واضح على مدَى حاجة مجتمعاتنا وظروفنا لنظرة شاملة لتجديد الدين وإعادة النظر فى مطلقاته، وإعادة النظر فيما يجب من مستحدثاته.

الإقرار بحاجتنا الفعلية إلى تجديد سريع، يظل مشروطًا برغبة المؤسّسات الدينية الحقيقية فى التجديد، واقتناعها بضرورته، وحرصها على تفعيله، وكلها أمور لا تبدو ظاهرة للآن.

لا يجوز  إدارة أزمة زواج المسلمة من غير المسلم على طريقة تشجيع الجماهير فى مبارايات الأهلى والزمالك. لكن غياب منظومة تجديد حاكمة، كانت سببًا فى جدل تصاعد على مواقع التواصل، مرّة مع آمنة نصير ضد لجنة الفتوى، ومرّة مع لجنة الفتوى ضد آمنة نصير، فى معادلة غريبة تشابهت مع جدل أثاره مسلسل ما وراء الطبيعة! 

لا تُدار أمور الدين بالمعارف الذوقية والأهواء.. لا يتصور الميل للأحكام الشرعية القويمة بنفس طرُق تكوين وجهات النظر ضد أو مع دراما التليفزيون، والمسلسلات على نيتفيلكس! 

(2) 

فقهًا لا تحريم إلا بنص.. ولا حل إلا بنص. بعض أهل الفقه حرّموا التحريم قياسًا على نص أصلى.. للشُبهة، أو لجواز الاختلاف فى العلة. 

لذلك فإن هناك من يرى أن إقرار الأزهر الشريف لفتوَى زواج المسلمة من كتابى هى مشكلة وأزمة قد ترقى إلى عوار فى تفسير النص.. وطبيعية الاجتهاد. 

التحريم بلا نص قطعى، إشارة واضحة على احتكار بعضهم للاجتهاد، واختلاق سُلطة كهنوتية لم يقرها الإسلام، لفرض رأى واحد، واجتهاد وحيد، بينما الفقة مرونة، والرأى الشرعى أساسه الاختلاف. 

مصطلح الاجتهاد لغويّا، إشارة إلى إباحة الرأى والرأى الآخر (استنادًا على المفهوم من النص المقدس)، طلبًا لأعلى المصالح. وفى الفقه الإسلامى، أن الأصل فى الأحكام الإباحة ما لم يتعارض الحكم الجديد مع نص ثابت واضح قاطع الثبوت قطعى الدلالة. 

ليس صحيحًا أن الاجتهاد احتكامٌ للنص، هو خلل فى فهم النص أو إساءة إليه. بالعكس، فإن أساس الاختلاف بين جمهور الفقه الأوائل كان خلافًا على ما يطرأ على كل منهم من أفكار، فى إطار روح النص ومقاصده.

قطعًا لم يرد بالقرآن الكريم نصٌّ محرمٌ لزواج المسلم من كتابية (مسيحيين أو يهودًا)، كما لم يرد نصٌّ مانعٌ لزواج المسلمة من كتابى. 

تحريم زواج المسلمة من كتابى إجماع قديم، باجتهادات أقدم، وتمسك قديم أيضًا بتفسيرات قديمة هى الأخرى لنص الآية الكريمة  (وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ. أُولئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ . وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ. وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ) (البقرة 221). 

فى تفسير ابن قدامة، أنه لا يجوز زواج المسلمة بكافر نصّا بالآية، والعلة أنه لا ولاية لكافر على مسلم بأى حال. وأجمع أهل العلم والجمهور، ومالك والشافعى وأبو عبيد وأصحاب الرأى على هذا. 

لكن هل الكتابى مشرك؟ هل ساوَى القرآن الكريم بين الكافر.. وبين أهل الكتاب؟ 

الإجابة: قطعًا هذا ليس صحيحًا. وبالتالى، فإن الاستدلال بالآية الكريمة، لتأسيس تحريم زواج المسلمة من كتابى لا هو محل لها، ولا مناسب، ولا يجوز.. ولا يمكن القياس عليه، لاتحاد علة التحريم.. لآن الكتابيين أصحاب ديانة سماوية، بينما المشرك أو الكافر غير!

اعتبار آراء ابن قدامة، والشافعى، والجمهور اجتهادًا فى فهم النص ليس خروجًا على الدين، ولا افتئاتًا على الإسلام. اجتهاد الأوائل رضوان الله عليهم (رأى).. والرأى غير لازم، بينما النص القرآنى الكريم مقدس لازم واجب وملزم للمسلمين فى كل زمان ومكان. 

اجتهد المسلمون الأوائل فى فهم النص، حسب ثقافتهم، وحسب واقعهم وحسب طبيعة مجتمعاتهم، فلو حدث إجماعٌ.. فقد أجمعوا على ما فهموا. لكن ألا يجوز، فى عصورنا، ومع اختلاف ثقافاتنا عن ثقافات الأولين، وتطور مفاهيمنا للنص القرآنى الكريم، أن نعيد الاجتهاد، وأن نستخرج من الأحكام.. ما يتناسب مع مقتضيات عصورنا؟ 

لو الإجابة: نعم.. فيبقى السؤال المهم: هل يجوز اعتبار لفظ المشرك (الكافر) فى الآية الكريمة مرادفًا للمصطلح القرآنى (أهل الكتاب)؟!

لاحظ أن تحريم الآية القرآنية الشريفة زواج المسلمة من مشرك، علتها الأولى كفر الزوج وشركه، مع إسلام الزوجة وإيمانها. 

قال الله تعالى فى سورة الممتحنة: (فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ. لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ). علة التحريم (الكفر والشرك) شديدة الوضوح فى تلك الآية، إذ إن السبب فى التحريم ابتداء شرك الزوج، الذى لا يمنع الإسلام (الذكر) من مشركة.. كافرة، بينما يجيز الإسلام زواج الذكر المسلم من كتابية (يهودية أو مسيحية)! 

(3)

تحريم محاولة الدكتورة آمنة نصير بفهم جديد للآية القرآنية الشريفة، لا يعنى فقط أن بعض مؤسّساتنا تعمل على احتكار واضح للدين، ولا يعنى فقط محاولة بعضهم توجيه فهم النص، ولا يعنى فقط أن بعضهم يحاول إضفاء القداسة على رأى واحد، وفهم قديم وحيد لأحكام الإسلام، إنما يعنى أيضًا (وهى أزمة كبرى) أن هناك من يساوى بين أهل الكتاب، وبين المشركين، وهو ما لم يقرّه الإسلام، ولا يمكن أن يقرّه فقهًا جديدًا أصبحنا فى أشد الحاجة إليه. 

(4)

فى عصور اضطراب الوعى الدينى تختلط أصول الفقه، بثانوياته، وتتضارب الآراء، فتظهر أساليب تفكير معوج. تنعكس اضطرابات المؤسّسات الدينية على مجتمعات المسلمين، فتصبح للفتاوَى غير المدروسة نتائج ما ورائية خطيرة، تتعدى بالفتوَى آفاقًا أوسع قد تضرب (دون قصد) ثوابت المجتمعات، وقد تهز (دون قصد أيضًا) مبادئ المواطنة، وربما تثير نارًا تحت رماد، لا هو فى صالح المجتمعات، ولا هو فى صالح الفهم الصحيح للدين. 

أعادت الأزمة الأخيرة فتح ملف كبير يحمل ملايين من إشارات بمدَى حاجة مجتمعاتنا لتجديد خطاب الدين، وتجديد خطاب الدين يعنى فهمًا حديثًا للنص المقدس، حفاظًا على مصلحة، وترسيخًا لأسُس الدين القيّم ومقاصده.

أنزل الله الإسلام للعالمين.. لم ينزله حكرًا على المشايخ.. ولا على رأى واحد وحيد للمشايخ.. ولا ولم يُنزله سبحانه قاصرًا على فئة بعينها من المشايخ.. مع شديد الاحترام وشديد التجبيل لمكان.. ومكانة المشايخ!