السبت 23 يناير 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
وليد طوغان
متاحف مصر.. تشكيل الوعى واستعادة  الهوية

متاحف مصر.. تشكيل الوعى واستعادة الهوية

يلعب التاريخ عاملًا أساسيًا فى معادلة تشكيل الوعى. للحضارة بعد أعمق فى معادلة وعى الشعوب أكثر من السياسة.. ومن الجغرافيا. 



صحيح أن الجغرافيا هى التى تبدأ التاريخ.. لكن سرعان ما يرسخ التاريخ للجغرافيا وللحضارة، وسرعان ما يختم التوجهات السياسية فى بلدان الحضارات القديمة بخاتم الثقة.. والريادة فى الحاضر.

 

فى العلوم الحديثة الثقافة هى الحضارة المتقدمة، والحضارة المتقدمة هى خليط بين تراكمات تاريخية (فريدة من نوعها فى مصر) وربط التراكم التاريخى القديم.. بالحاضر والواقع.

ليس المقصود من الوعى بالحضارة عودة للماضى أو التوقف عند أزمة سابقة.. إنما القصد هو الانطلاق بسرعة وثقة.. وإيمان بالمستقبل، استمدادًا لطاقة إيجابية من وعى بأصول حضارية فريدة ونادرة، احتكرها التاريخ لصالح مصر.. منذ وقت لم يكن هناك فى العالم إلا مصر. 

(1)

متاحف مصر الجديدة هى العامل الأهم.. والأقوى فى معادلة استعادة الهوية، ومزيد من تشكيل الوعى المكان والمكانة. متحف شرم الشيخ الذى افتتحه رأس الدولة المصرية هو الرابع على مستوى العالم. مصر فى الطريق لأن تكون متاحفها رقم واحد.. وسط خطة دولة تعرف جيدًا تركيبة معادلة الوعى والهوية.

تدخل مصر بقوة على خريطة الثقافة المتقدمة فى العالم، ولها ما ليس للعالم فى هذا المجال، تظل متاحفنا محطات ثقافة متقدمة على خريطة الكوكب.. من أول متحف الحضارة، والمتحف المصرى الكبير.. مرورًا بمتاحف كفر الشيخ.. والمركبات.. وما يأتى فى الطريق.. وفق خطط مدروسة غير مسبوقة. 

فى معادلة الوعى واستعادة الهوية، تبقى المتاحف بؤر إشعاع ثقافى حضارى تذكيرًا بمبادئ الشخصية المصرية الأصلية.. ومكانها.. وإبعادًا لهلاوس مصابى متلازمة اضطراب الوعى الوطنى. 

ربما أكثر مبررات اهتمام رأس الدولة المصرية بخطة متاحف على طراز عالمى، هى الارتباط القوى لمحطات الثقافة المتقدمة تلك، بمعادلة استعادة الوعى الوطنى.. واستعادة الهوية المضطربة لدى البعض، وفى زمن استهدفت هويتنا بقنابل العبث.. والتشكيك وقلب الحقائق.. ومحاولات تزوير التاريخ وسرقته.. أو إذابته فى الحامض.. ليتلاشى!! 

(2)

تسقط الدول فى العصر الحديث عندما تنجح محاولات استهداف هويتها.. وهدم شخصيتها. لا تسقط الدول فقط باستهداف عواصمها بالسلاح والطائرات. 

فى العصور الحديثة، أصبحت السياسة فى معادلات الهوية تكتيكًا.. بينما يبقى يقين الشعوب بالبعد التاريخى وصدق مشاعر الانتماء عاملًا استراتيجيًا مؤثرًا.. ومهيمنًا.. وعامل فصل.

لا أحد ينكر حروب الهوية التى يتعرض لها المواطن المصرى لإسقاطه وإسقاط دولته. لا ينكر أحد أيضًا أن حروب الجيلين الرابع والخامس كما استهدفتنا بآلاعيب السياسة، وحيل الإعلام المضاد، فإنها أيضًا استهدفتنا بمحاولات دفعوا فيها المليارات لفصل الهوية عن الشخصية المصرية.

إصرار الدولة على نشر المتحاف كمحطات حضارية على أعلى مستوى من شرق مصر لغربها.. من شرم الشيخ لكفر الشيخ.. ومن القاهرة للجيزة، ومن الجيزة لأقصى الصعيد.. بمليارات مرصودة، يمكن اعتباره حائط صواريخ ثقافى فى التمهيد لعبور جديد.. عبور أزمة الهوية.. واستعادة الشخصية المصرية لما كانت عليه.. لا كما أرادوا لها أن تكون!! 

(3)

تعتبر علوم الاجتماع أن بدايات أزمات الهوية فى الشارع تبدأ من تعمد عدم الالتفات للتاريخ.. وإهمال الشعوب لأبعادها الحضارية الأصيلة.

ربما لذلك، وفى فترة حساسة من تاريخ مصر، وصلت ذروتها فيما سمى بثورة يناير 2011، كانت المحاولات على أشدها لسرقة الهوية والتاريخ.. لعب الإعلام المضاد العابه.. من أول تشكيك فى ريادتنا الكوكبية.. وانتهاء بعرض آثارنا المسروقة فى غرف ضيقة فى بلاد أضيق.. وكأن مكان تواجد الآثار.. يضفى على بلدان الحرامية.. جلال الماضى!

لا يمكن أن يصنع أحدهم تاريخًا من لا شىء.. ولأنهم فشلوا.. فقد استهدفونا بحروب الهوية.. وبالشعارات الهدامة.. وبقلة الأدب والتجاوزات على مواقع التواصل فى محاولات فصل الهوية عن الشخصية المصرية. 

لما وقع بعضنا فى الفخ (فيما بعد 2011 الميمونة) كان لابد أن تضطرب الشخصية المصرية. انفصال الهوية عن شخصياتنا أشبه بقطع خراطيم الأكسجين عن شعب احتكر الحضارة على هذا الكوكب منذ ألوف السنين.. وقبل أن تعرف شعوبا لها اسمًا.. وقبل أن تتجمع شعوب أخرى وتتفق على إعلان دولة.. وتبدأ النقاش فى اسم دولتهم المقترح!!

يعلم رأس الدولة المصرية جيدًا ملامح المؤامرات وحدودها، وأفعوانية التحولات.. لذلك يكرر كلامه.. ورسائله للمصريين دائمًا بالحذر.. مع العمل.

(4)

كانت النهضة المتحفية حلا ناجزًا.. ومؤثرًا فى تفعيل الحضارة المتقدمة، ومساهمة كبرى فى استعادة الشخصية، وإعادة تشكيل الهوية، لدى مواطن مصرى عليه أن يربط الماضى الحضارى بالمستقبل.. من خلال معادلة انتماء ويقين.

استعادة الهوية بمتاحف عالمية على الأراضى المصرية، كانت عنصرًا أساسيًا فى رأس قائمة أولويات مناهج الانتماء لحضارة سبقت الوجود.

فى متاحفنا إحياء للوعى.. وتذكيرًا لمن لا يتذكر. لا تكذب الصخور. والآثار القديمة لا تداهن. فى متاحفنا دروس لكيف اكتشفت تلك الحضارة الدين.. وكيف ابتكرت فلسفة الفن.. ونظريات الطب.. وتطبيقات الهندسة.

علمت الحضارة المصرية العالم، وفتحت أبوابًا معرفية كانت مغلقة فى إقليم المتوسط، وفى المنطقة، وعلى ظهر الكوكب. بدأت الحضارة فى مصر التاريخ قبل الوفا من السنين التى ظهرت فيها مناطق على الخريطة سموها مجازًا.. ومجاملة (دول)!! 

ليست مبالغة أن متحف شرم الشيخ أوسع مساحة وأكبر من بعض دول الإقليم. ليست مبالغة أيضًا أن المتحف المصرى الكبير.. أكبر مساحة من إمارات مجتمعة لم تعرف النظارات إلا قريبًا.. ودخلها البيبسى كولا قبل أن تدخلها الكهرباء!! 

طوال تاريخها، وقبل أن يعرف بعضهم اسمًا للشمس.. كانت يدًا لبلادنا ممدودة بالسلام.. وفى اليد الأخرى سلاح. طوال تاريخنا كان لبلادنا عين حانية.. وعين حمراء. 

هذا ما سجله الفراعنة  على حوائط المعابد.. قبل أن تفكر الإنسانية..  فى كتابة التاريخ.