الجمعة 30 أكتوبر 2020
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
وليد طوغان
لا تصالـح !

لا تصالـح !

تقام الدول بالوعى.. وتسقط لو غاب. تؤرخ للحضارات بمراحل الوعى الجمعى.. وتنهار الإمبراطوريات بفترات  يغيب فيها الوعى بالواقع والمحيط. 



الوعى فهم حقيقى غير مزيف. والفهم فقه.تقوم الأديان على الفقه. فالفقه  هو تمام الوعى بالأشياء.. والمشاكل.. والأزمات.. والمؤامرات أيضًا. وفى اللغة الفقه هو تمام الوعى بالدين. 

لم تستمر أديان بغير فقه.. تمامًا كما لا تحيا أوطان بغير وعى. 

( 1 ) 

فى الندوة التثقيفية للقوات المسلحة احتفالا بالذكرى السابعة والأربعين لانتصارات أكتوبر المجيدة كرر الرئيس السيسى كلاما يشدد عليه كل مرة عن وعى الشعوب. 

ربما فى المناسبة ترابط.. بين حرب أكتوبر 73 وبين حرب نخوضها فى الحاضر آلاف من روابط وملايين من المتشابهات. 

فى أكتوبر 73 حقق الجندى المصرى عبورًا باهرًا فى حرب غيرت تاريخ المنطقة وجغرافيتها.. ثم غيرت خرائطها أيضًا. كان أكتوبر انتصارا فى معركة من أهم معارك الوعى فى التاريخ المصرى. 

لكن من أكتوبر للآن.. هل انتهت الحروب؟ 

فى العادة لا تنتهى الحروب على مناطق بعينها على خريطة العالم. منذ عصور ما قبل الإمبراطورية الرومانية، ومصر هى مفتاح الشرق الأوسط.. ثم هى مفتاح المنطقة العربية.. ثم هى مفتاح إفريقيا.. وأحد أهم مفاتيح منطقة المتوسط كلها. 

وفى البؤر الاستراتيجية تلك على خرائط كوكب الأرض.. ربما تتبدل أشكال الحروب وأدواتها.. لكن لا تنتهى.  دخلت مصر منذ سنوات مجال حروب الجيل الرابع و الخامس حيث يتخفى العدو.. ويخفض صوته.. ويحاول أن يدخل على أطراف أصابعه من تحت عقب الباب! 

كان نصر أكتوبر العظيم مجدًا فى تاريخ الحروب التقليدية.. حيث العدو ظاهر واضح جلى. لكن كما فى الأزمنة من تغيرات.. وكما فى الأسلحة من تطورات.. ففى الحروب أيضًا أجيال جديدة وتكنولوجيا كثير من عناصر إبهار خادع.. وألعاب نارية سرابية.. مزيفة. 

 ( 2 ) 

الوعى معركة المصريين الأساسية.. معركة الشارع والبيت والأسرة والمدرسة. الوعى هو الفيصل وهو الحكم.. ففى حروب الجيل الخامس تتخفى العداوات كما تتخفى الخيالات فى الظلام. 

العدو فى حروب الجيل الخامس كما فيروس كورونا.. يعمل التخفى على فك شفرة مناعة الخلية.. ليتوغل.. ويتمكن.. ويقتل من الداخل خنقا! 

تستهدف حروب الجيل الخامس هدم الدول من داخلها بالشائعات.. تعمل تلك الحروب على تضليل الرأى العام.. وتشكيكه.. وبلبلته.. وهدم ثوابته ورموزه.. والتقليل من إنجازاته.. معلوم.. فحروب الجيل الخامس تسعى على بطونها كالحيات فى الأساطير الإغريقية.. بغوايات مزيفة! 

تماهت حروب الجيل الخامس بين التغيير وبين بؤر التدمير السرطانية فى أمعاء الشعوب .. لولا الوعى. 

فى الأسطورة اليونانية القديمة أن «ميدوزا العجوز» التى نما بدلا من شعر رأسها ثعابين.. خدعت شبابا بحجاب ارتدته على رأسها.. ثم غيرت صوتها.. وبدلت لون بشرتها.. فأدخلوها الهيكل المقدس. 

لما دخلت «ميدوزا» المعبد سرعان ما أن كشفت عن شعرها.. فنطت الحيات وأغلقت الباب من الداخل.. وابتلعت الشباب!! 

تعمل حروب الجيل الخامس على ضرب الرأى العام بالشائعات على فيس بوك.. وتضرب بالافتراء على تويتر. تغوى حروب الجيل الخامس غواية «ميدوزا» حتى تدخل المعابد.. وتغلق الأبواب.. وتأكل البلد والناس!

( 3 ) 

2011 كانت تجربة ومثالًا.. لا أعاده الله مثالا.. ولا أعادها تجربة. وقتها خدعوا شبابًا بشعارات التغيير.. وحرقوا مبانى لأجل الديمقراطية.. وقتلوا نساء وأطفالا لأجل حقوق الإنسان! 

لم يكن الهدف فى 2011 التغيير. كان الهدف التدمير.. والحرق.. والتقتيل فى الطريق لإسقاط الدولة. 

وقتها شككوا فى المؤسسات.. وحاولوا الدس بين المصريين وجيشهم. 

لنا فى 2011 عبرة وعظة. فقد أوصلت شعارات 2011 المزيفة الإخوان للقصر الرئاسى فى غفلة.. وفى القصر الرئاسى أكل الإخوان «الوز والبط» على سجاجيد الاتحادية بأياديهم.. فى سابقة!

تستهدف حروب الجيل الخامس رأى الدول العام من الداخل.. تعمل على تشكيكه فى قيادته.. وفى دولته. تعمل تلك الحروب على «لخبطة» الانتماء.. وتشويه الحقائق.. كما تعمل على الافتراء على الحاضر بدعوات العودة للماضى.. أو الدعوة إلى الله! 

من قال إن رعاة الإرهاب والهدم والحرق يعرفون الله؟ من قال إن قتلة النساء والشباب وصناع القنابل المفخخة فى ميدان الجيزة وشارع الخلفاوى فى شبرا ممكن أن يعرفهم الله سبحانه.. أو ينظر إليهم؟! 

لم يأمر الله سبحانه بهدم ولا بقتل. لم يأمر دين بحرق ولا دماء. لم يأمر الله جل وعلا بكذب ولا بحيل ولا ضحك على الذقون.. أو الشعوب. 

لا يعرف الله تجار الأوطان والأديان.. ولا يعرف أرباب اللعب على الحبال.. ومرتزقة الإخوان فى الدوحة واسطنبول! 

( 4 ) 

بعد 47 عامًا من انتصار أكتوبر مازالت الحروب مستمرة والرهان على وعى الشارع.. فى كل قرية وفى كل زمام. مطلوب مزيدٌ من الوعى بالدولة.. والوطن.. وبما يحاك لإسقاط الوطن. 

إذا كان العدو قد استهدف أطفال مدرسة بحر البقر بالطائرات قبل 49 عاما.. فإن العدو فى حروب الجيل الخامس يستهدف ألوفًا من «بحر البقر» كل يوم على السوشيال ميديا.. ويستهدف ملايين من مصانع أبو زعبل كل ساعة على تويتر. 

لذلك كثيرًا ما يكرر الرئيس مطالبه للمصريين بالانتباه.. فلا تنمية بغير انتباه.. ولا نتائج حقيقية مهما كانت الإنجازات على الأرض ومهما كانت المجهودات ومهما كانت المليارات المنفقة لصالح المواطن.. إلا بالوعى. 

يكرر الرئيس من آنٍ لآخر تنبيهاته ورسائله: اصحوا يا مصريين.. خليكوا صاحيين يا مصريين. فكلما كانت قدرة العدو على التخفى أكثر.. كلما كانت معركة الوعى أقسى.. وأشد ضراوة. 

والوعى كما هو معرفة حقيقية.. فهو أيضًا إصرار على العمل وعلى مزيد من الإنجاز وعلى أنه لا تصالح مع من قتل ودمر وبعثر أجساد شهدائنا الطاهرة على الاسفلت فى المدن.. ثم على تراب الوطن فى سيناء. 

لا تصالح مع من حاول بيع البلد فأرسل وثائقه فى شنطة ديبلوماسية إلى الدوحة.. وأتى بحماس من غزة إلى ميدان التحرير!

فى الندوة التثقيفية وعد الرئيس السيسى بأنه لا يمكن أن يصالح من أرهب.. ولا يمكن أن يغفر لمن دمر. 

فى كل بيت مصرى شهيد. وفى كل أسرة فى أقصى قرية مصرية عريس زفه رصاص الإرهاب وقنابله إلى السماء. 

فمن ذا الذى يمكن أن يصالح؟!