الأربعاء 12 أغسطس 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
طارق رضوان
طلعت حرب: التكريم والخلود!

طلعت حرب: التكريم والخلود!

ما أكثر المرات التى ظهرت فيها فكرة تكريم - طلعت حرب وتخليد اسمه سواء فى حياته أو بعد رحيله سنة 1941.. وكانت فكرة تخليد طلعت حرب آخر ما يخطر على باله، بل كان يرفضها تماما، وكان يفضل باستمرار تكريم بنك مصر والأمة المصرية بكاملها التى ساندت وأسست هذا البنك ويقول الأمة هى التى أهدت البنك والقائمين به هدية لا تقدر بثمن وهى الثقة، الثقة التى علمتنا الصبر والنبات وإنكار الذات وحققت لحسن الحظ حلما ذهبيا كان عصى المنال.



كانت أول مرة تطرح فيها فكرة تخليد وتكريم اسم طلعت حرب بعد عشر سنوات من إنشاء بنك مصر وشركاته، وفوجئ طلعت حرب «بمقال كتبه الأستاذ «ألبرت فاضل» المحامى أمام محكمة الاستئناف المختلطة يقترح فيه أن تسمى الشوارع المحيطة بالبنك بأسماء مؤسسه ومساعديه «مدحت يكن باشا» و«الدكتور فؤاد سلطان بك» فيسمى شارع «عماد الدين» باسم «شارع بنك مصر، ويسمى شارع «أبى السباع» - جواد حسنى الآن - باسم «طلعت حرب» ويسمى شارعان آخران باسمى الآخرين.

ولم تتحمس الحكومة وقتها ولا الأحزاب ولا أى جهة لهذا الاقتراح!!

وبعد خمس سنوات وكان بنك مصر يحتفل بمرور 15 سنة على إنشائه وكان احتفالا مهيبا امتد لعدة أيام وشاركت فيه المدارس وكافة طوائف الشعب، وتحدث فى الاحتفال الذى أقيم عشرات من كبار رجال الدولة وقامت السيدة «روزاليوسف» بتغطية وقائع تلك الاحتفالات الرائعة على صفحات روزاليوسف الجريدة اليومية، واستمر النشر لعدة أيام. ونشرت الجريدة خطبة طلعت حرب كاملة وكذلك خطبة وزير المالية «أحمد عبدالوهاب باشا» وقصيدة «عباس محمود العقاد» فى صدر الصفحة الأولى، وكلمة السير «إدوارد كوك» محافظ البنك الأهلى فى تحية بنك مصر، والتى جاء فيها قوله:

فى بعض الأحيان ينقسم الرجال إلى فريقين: أحدهما من أصحاب الأحلام والملهمين والأنبياء، والثانى من الرجال العمليين، ويندر جدا أن تتآلف مجموعة من هذين الصنفين معا، لكن لدينا مثل هذه المجموعة هنا فى شخص طلعت حرب باشا».

أما مفاجأة الاحتفال فجاءت من «عبدالمجيد الرمالي» عميد التجار المصريين وقتها واقترح أن تقوم الأمة بواجبها، وما واجبها إلا إقامة تمثال لزعيم النهضة الاقتصادية، يشهد بفضله وينطق بعمله، وينبعث فى نفوس الأمة جيلا بعد جيل، حب العمل لخير الوطن وإسعاده». واقترح أيضا أن يكون فى كل متجر تاجر صورة لهذا الزعيم العظيم الذى جعله الله هدًا للمصريين، ونورا وطنيا ملأ البلاد ثقة ويقينا، ورسولا اتخذ له الوطنية العملية دينا، وداعيا مصلحا تواصى بالحق وتواصى بالصبر فنصره الله نصرا مبينا».

وبطبيعة الحال لم يحدث شيء من ذلك!!

وبعد مرور حوالى 17 سنة على ذلك الاقتراح، وكانت مصر قد تغيرت وقامت ثورة 23 يوليو 1952 وعندما بدأت السيدة روزاليوسف فى كتابة ذكرياتها الصحفية عادت لتذكر الناس بطلعت حرب قائلة:

إنى لأتلفت اليوم فى ميادين القاهرة باحثة عن تمثال لطلعت حرب فلا أجد وأنصت إلى الأصوات التى ترتفع بتخليد هذا وتمجيد ذلك فلا أسمع صوتا يذكر «طلعت حرب»، ولا أجد إلا تماثيل غريبة للاظوغلى وسليمان الفرنساوى ومن إليهم!! ولا أدرى ما الذى يمنعنا من رفع واحد من هذه التماثيل ليقف بدلها طلعت حرب! هذا الإنسان البسيط الكبير القلب، الزكى الفؤاد، لا يجد التكريم الكافى لذكراه من مواطنيه وتلاميذه، ومن الذين ورثوا مجده وتربعوا على عروش المال من بعده! والناس ينظرون اليوم إلى بنك مصر وشركاته المنتشرة فى كل مكان، كما ينظرون إلى أى شيء عادى آخر، ولكن الذين عاصروا الرجل وهو يشيد هذا البناء الضخم يعرفون أنه كان معجزة حقيقية».

وسرعان ما يتحقق حلم السيدة روزاليوسف بعد فترة قصيرة من كتابة اقتراحها، فقد قررت ثورة يوليو إزالة تمثال سليمان باشا الفرنساوى من مكانه، وحل محله تمثال «طلعت حرب» والذى حمل اسمه أيضا، وحتى الآن شاهدا على عظمة وعبقرية الرجل الذى وصفته السيدة روزاليوسف بأنه أعظم رجل فى مصر.

•••

ولم تكن السيدة روزاليوسف وحدها التى طالبت بتكريم «طلعت حرب» وتقديره، بل شاركها ذلك الموقف ابنها الكاتب الكبير «إحسان عبدالقدوس» فى مقال رائع عنوانه «الرجل الذى أنقذني» قال فيه:

إن النقود تمثل مجهودا بشريا.. تمثل طاقة الإنتاج فى الإنسان.. الورقة ذات الجنيه التى تحملها فى يدك لاتمثل قطعة من الذهب مودعة فى البنك الأهلى - كما قد يخيل إليك - ولكنها تمثل مجهودا بذله عامل مصرى لمدة يومين أو تمثل مجهودا بذله مهندس أو محام أو موظف أو بائع.. إلخ.

وكان هذا الجهد المصرى تستولى عليه الدول الأجنبية، ولذلك كنا نقول إن الاستعمار يمتص دماءنا. وأن الرأسماليين الغربيين هم مصاصو دماء.. فهم مصاصو دماء فعلا وبمعنى الكلمة.. والعمليات الاقتصادية التى كانوا يقومون بها هى فعلا عمليات نقل دم.. نقل الدم الذى نبذله ونحرقه فى طاقتنا الإنتاجية من عروقنا إلى عروقهم!! والأداة التى كانت تقوم بعملية نقل دمنا هى البنوك الأجنبية بنوك الدم».. وثار مصرى اسمه «طلعت حرب» ورفض أن يعطى ذراعه للدول الاستعمارية لتمتص منه الدم وقرر أن تبقى دماء المصريين للمصريين فأنشأ بنك مصر، ولم تكن مهمة بنك مصر هى مجرد إجراء عمليات مصرفية كما يبدو فى ظاهرها.. بل كانت مهمته الأساسية هى أن تبقى طاقة الإنتاج المصرية فى مصر، أن يزرع الفلاح المصرى القطن ليصنعه على آلات مصرية يديرها عمال مصريون ويبيعه مصريون، والربح يحول مرة ثانية إلى الزراعة المصرية والصناعة المصرية والفلاحين والعمال المصريين وهكذا تستمر الدورة الدموية فى عروق مصر.

ولم يكن «طلعت حرب» رجلا مصرفيا أو «بنكير» يسعى لجنى الربح، بل طرق الربح، بل كان صاحب فكرة.. صاحب رسالة وكانت رسالته أن يصون لمصر دماءها لتعيش بها وتنهض وتنمو.. وطلعت حرب ساهم فى هذه المجلة فى روزاليوسف لا كصحفى ولكن كمصرى يؤيد رسالة مصرية.. وكانت روزاليوسف قد أتعبتها محاربة الإنجليز والحكومات الموالية للإنجليز.. وكان مكتوبا عليها أن تنهزم فى المعركة التى تخوضها وأن تلقى نفسها - تفلس وتختفى من الميدان.. وتقدم طلعت حرب وأقرض روزاليوسف ألفين من الجنيهات بضمان الآلات القديمة ا لتى كانت تمكلها وبضمانه الشخص.. وكان المبلغ صغيرا ولكنه كان كافيًا ليرد الدماء إلى عروقنا ولتواصل المجلة رسالتها وهذا المبلغ الصغير قضت روزاليوسف عشر سنوات تسدده على أقساط صغيرة،وطلعت حرب صابر لايتعجل.. لأنه مصرى يحس بما تتكلفه دار مصرية تحمل رسالة روزاليوسف.

هل كان هناك بنك آخر يمكن أن ينقذ مجلة روزاليوسف؟! لو كانت هذه المجلة إنجليزية لأنقذها بنك باركليز ولوقف مديره نفسه الموقف الذى وقفه طلعت حرب ولو كانت مجلة فرنسية لأنقذها بنك «الكريدى ليونيه» ولو كانت إيطالية لأنقذها البنك الإيطالى!

ولكنها مجلة مصرية صاحبة رسالة مصرية وهى تتحمل عبئا كبيرا من الاضطهاد ولم يكن يستطيع أن ينقذها إلا بنك مصرى وطلعت حرب.

إن البنوك دائما لها مهمة وطنية وقد كانت مصر ينقصها الأداة التى تصون حركتها الوطنية إلى أن ظهر طلعت حرب ماذا كان يمكن أن يحدث لروزاليوسف لولا «طلعت حرب» وأين كان يمكن أن أكون أنا وبقية زملائى الذين يعملون معي.. ومن كان يحمل هذه الرسالة الثورية التى حملتها روزاليوسف على مدى ثلاثة وثلاثين عاما؟! لا أدري!

ولا أدرى ماذا كان يمكن أن تكون عليه حال مصر كلها الآن لو لم يظهر فيها «طلعت حرب» الرجل الذى جمع دماءنا ليعيدها إلى عروقنا.. الرجل الذى سار أمامنا فى الطريق الصعب.

•••

طلعت حرب حضور دائم يتجدد مع مطلع كل شمس، والفكرة التى لاتموت برحيل أصحابها، هكذا ببساطة أقولها بعد رحلة طالت معه على مدى 54 أسبوعا - 54 مقالا - عشت فيها ساعات من الرقى والمتعة، وتبقى كلمة شكر وتقدير للصديق العزيز «طارق رضوان» رئيس تحرير صباح الخير الذى أفسح لى هذه الصفحات طوال 54 أسبوعا!! تحية لطلعت حرب وشكرا «طارق رضوان»