الأربعاء 12 أغسطس 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
طارق رضوان
سعد الدين وهبة وزيارة لطلعت حرب!

سعد الدين وهبة وزيارة لطلعت حرب!

احترت كثيرًا فى اختيار عنوان هذه الحلقة عن «طلعت حرب»، وسرعان ما اخترت عنوان «طلعت حرب بين النعناعية والعنانية» وهو العنوان الذى اختاره الكاتب الكبير الأستاذ «سعد الدين وهبة» عنوانًا لمقاله المنشور فى جريدة الأهرام بتاريخ الثانى من أكتوبر سنة 1993.



 

 

ورغم مرور 27 سنة على نشر مقال الأستاذ «سعد الدين وهبة» فماأزال أذكر الفرحة الغامرة التى ملأتنى بهذا المقال البديع، لكن مما زاد فى دهشتى أننى لم أكن قد أرسلت بنسخة من كتابى «طلعت حرب ضمير وطن»، الذى كان قد صدر قبل عدة أسابيع إليه، وعرفت فيما بعد أن من عادات الأستاذ «سعد الدين وهبة» القيام بجولة يومية عند باعة الصحف عامة، ومكتبة مدبولى رحمه الله - خاصة لشراء الصحف والمجلات والجديد من الكتب.

 

فى مقال الأستاذ «سعد الدين وهبة» جوانب أخرى مهمة عن «طلعت حرب» لم أذكرها فى كتابى، فماذا كتب الأستاذ «سعد الدين وهبة»؟ كتب يقول:

 

«قرأت كتابًا عن «طلعت حرب» كتبه الأستاذ «رشاد كامل»، وهو من أشمل وأعمق وأبسط ما كتب عن «طلعت حرب»، وأعتقد أنه الكتاب الأول عن الاقتصادى الكبير بعد كتاب «فتحى رضوان» عن «طلعت حرب»، المهم أننى التهمت الكتاب فى ساعات معدودة، ولكنى وقفت طويلاً عندما جاء فى صفحة 126 عن وفاة «طلعت حرب» إذ قال «رشاد كامل»:«ومضت الأسابيع والشهور «24 شهرًا كاملة» وكان «طلعت حرب» يقيم فى بلدة «النعناعية» قريبًا من دمياط ووافته المنية يوم 21 أغسطس 1941» عند هذه الكلمات أغلقت الكتاب وعادت بى الذاكرة نصف قرن من الزمان، فى يوليو عام 1940 كنت أقضى جزءا من الصيف وأنا تلميذ فى مدرسة دمنهور الثانوية فى منزل خال بدمياط.

 

وذات يوم جاء جدى ليصحبنى لقضاء عدة أيام فى بيته بقريتنا «البصارطة» القريبة من دمياط، وكنت أقسم الإجازة بين دمياط والبصارطة، وأذكر أننا كنا نذهب من دمياط إلى البصارطة بالأتوبيس وكان يسمى فى هذه المنطقة فى ذلك الوقت «الطواف الكافورى» نسبة لصاحب الشركة فى دمياط بجوار الكباس، وكان آخر محطة بالمدينة يغادر بعدها إلى الريف تقع عند كوبرى «غيط النصارى»، وبعد مغادرة دمياط يقف الأتوبيس فى قرية صغيرة، ولكنها حسنة المنازل اسمها «العنانية»، وكانوا يسمونها أيضا «القنطرة البيضة»!

 

وفى هذا اليوم من صيف 1940 وقف الأتوبيس أمام منزل كبير من طابقين كان أقرب إلى القصر، وفى المواجهة كانت مصطبة عريضة يجلس إليها رجل يقرأ فى صحيفة، أشار لى جدى على هذا الرجل وقال: هل تعرف من هذا؟! فأجبته بالنفى.. فقال: إنه طلعت حرب باشا.

 

وعدت أنظر للرجل كان يرتدى عباءة سوداء فوق جلباب أبيض ناصع البياض، وكانت بين يديه صحيفة يقرأها، وسألت جدى: هل هذه بلدته؟ فأجاب بالنفى، وقال إنه يمضى أياما عند فلان، ولا أذكر الاسم الذى نطق به جدى، وتأهبنا لكى يواصل الأتوبيس رحلته، وسمعنا صوت المحرك وتكرر صوته وفجأة أعلن السائق أن الأتوبيس عطلان، وقفز أمامنا ليعبث بالموتور، وفجأة لكزنى جدى وهو يقوم وقد لمعت فى عينيه فكرة أشرق لها وجهه: تعال نسلم على طلعت باشا!

 

ونزلت خلف جدى واتجه إلى «طلعت حرب» وقام الرجل يصافحه فى ود وصافحنى وجلس ثم جذبنى إلى جواره يسألنى فى أى المدارس وفى أى سنة ثم يتمنى لى التوفيق، ونادى «طلعت باشا» يأمر بالقهوة، ولكن جدى اعتذر وهو يشير إلى الأتوبيس الذى كان يبدو أنه أصبح صالحا لإكمال الرحلة، فقد رأينا الركاب يعودون إلى مقاعدهم وقمنا نصافح الرجل وعدنا إلى مكاننا بالأتوبيس وبدأ جدى يحكى لى قصة «طلعت حرب» وما فعله فيه الإنجليز وعملاء الإنجليز من حكام مصر الذين أطاحوا به حتى جاء إلى «العنانية» تاركاً مكانه فى بنك مصر ليجلس جلسته هذه يقرأ الصحف.

 

وبعد شهر واحد سمعت بوفاة «طلعت حرب» وعلمت أن المنية قد وافته فى المكان الذى شاهدته فيه قبل شهر واحد وهو «العنانية» كما هو اسمها فى الواقع لا النعناعية كما ورد الاسم فى كتاب الأستاذ «رشاد كامل» و «طلعت حرب» من الشرقية ولا أذكر ماذا قال جدى عن سبب وجوده بالعنانية أو القنطرة البيضاء «اسم كان يطلق على العنانية أيضا» وأين كان يقضى وقته وعند من؟!

 

حبذا لو أكمل الأستاذ «رشاد كامل» فضله وتعب كما فعل فى كتابه وأفادنا للتاريخ: ماذا كان «طلعت حرب» يصنع فى العنانية ولماذا كانت إقامته الدائمة أو شبه الدائمة على الأقل؟!

 

**

 

بعد ذلك يمضى الأستاذ «سعد الدين وهبة» قائلا:

 

«سمعت بـ«طلعت حرب» قبل أن أراه، سمعت به فى الثلاثينيات وأنا تلميذ صغير يلعب فى أجران القرية، كانت شركة بيع المصنوعات المصرية تملك أسطولا من السيارات التى كانت تعتبر «محالا» متنقلة كانت تحمل البضائع وتطوف المدن والقرى فى ريف مصر تعرض بضاعتها وتبيع للناس مصنوعاتها المصرية، وكانت وسيلة  الجذب هى السينما، وربما كانت المرة الأولى التى أراها فى حياتى وأذكر أغنية لعبدالوهاب فى الاحتفال ببنك مصر مطلعها يقول:

 

«يا بنك مصر دا عيدك عيد الوطن والمال».

 

وعلى هذه السينما المتنقلة التى كانت توضع شاشتها على الأرض شاهدت فيلما تسجيليا عن مصانع المحلة علمت عندما كبرت أنه من إخراج رائد السينما المصرية «محمد كريم» وعند قيام الحرب العالمية الثانية وعندما تعرض بنك مصر لأزمة صنعها الاستعمار الإنجليزى وعملاؤه من الباشوات المصريين شرح لى مدرس التاريخ بمدرسة دمنهور الثانوية الأمر وعرفت من يحارب «طلعت حرب» ولماذا يحاربه الإنجليز!

 

وعندما تقدم العمر واتسع أفق المعرفة ودفعتنى الحياة لكى أعمل بالثقافة وقفت طويلا أمام جهاد «طلعت حرب» الثقافى لا الاقتصادى، إنه منشئ استوديو مصر وشركة مصر للتمثيل والسينما ومطبعة مصر وهو الذى بنى مسرح الأزبكية، وبعد عمر طويل عندما أنشأت الدولة وزارة الثقافة وبدأت تدخل ميدان الإنتاج الثقافى كانت مطبعة مصر مولد القطاع العام فى مجال الطباعة والنشر، وكان مسرح الأزبكية مهد القطاع العام فى مجال المسرح، بل مسرح الأزبكية ظل منذ إنشائه مقرا للفرقة المصرية والفرقة، القومية والمسرح الحديث، ثم المسرح القومى وظل منارة المسرح منذ أنشأه «طلعت حرب» إلى اليوم.

 

ويختتم الأستاذ «سعد الدين وهبة» مقاله بهذه السطور بالغة الدلالة والأهمية:

 

«فى تاريخ مصر شخصيات لها بصمات، وسيظل «طلعت حرب» واحدا من الذين صنعوا مصر الحديثة، نذكره ونحن نبيع اقتصاد مصر ونخصخص بنوك مصر، ونعرض استوديو مصر للشارين! ومن سخرية القدر أن يقرر الغرب الاحتفال عام 1995 - أى بعد عامين - بمرور قرن على صناعة السينما العالمية، وتقرر الحكومة الفرنسية وهى مهد صناعة السينما على أيدى الإخوة «لومير» تقرر بين ما قررت الاحتفال بقلاع السينما فى العالم، ومن بين هذه القلاع «استوديو مصر» الذى قررت أن تنفق على تجديده ليكون أحد معالم الاحتفال بمرور مائة عام على اكتشاف فن السينما. هذا فى الوقت نفسه الذى نعرضه فى مصر للبيع، ولعن الله أمة تبيع تاريخها ورحم الله «طلعت حرب».

 

ولم يكتف الأستاذ «سعد الدين وهبة» بهذا المقال، بل عاد بعد أسبوعين ليكتب مقالا آخر عنوانه: «لماذا كان «طلعت حرب» يقيم فى العنانية»؟ جاء فيه:

 

«كتبت فى الأسبوع قبل الماضى «2 أكتوبر» عما أثاره كتاب «رشاد كامل» عن «طلعت حرب» من ذكريات، وفى أسبوع واحد تلقيت أكثر من خمسة خطابات يفسر لى أصحابها ما غمض علىّ من سبب وجود «طلعت حرب» بهذه القرية.

 

وبعد أن يذكر الأستاذ «سعد وهبة» أسماء أصحاب هذه الخطابات الخمسة يقول:

 

«لا أريد أن أتوقف عند المعلومات التى وردت فى هذه الخطابات فجميعها تحمل معلومة واحدة وإن ذكرت بأوجه مختلفة، وهى أن «طلعت حرب باشا» كان يقيم فى «العنانية» عند صديقه «محمد حسن العبد» المقاول المشهور، البعض أضاف أن حرب كان يقيم عنده، وقد ذكر واحد من الأصدقاء أن «طلعت حرب» كان يبنى بيتا فى العنانية، وأن الذى كان يبنى البيت هو «العبد باشا» ولكن لم يكمل بناءه فى حياته، ولم يذكر لى أحد من الأصدقاء هل انتهى بناء هذا البيت وربما كان صاحب القول الفصل هم أبناء «طلعت حرب» وأحفاده».

 

أما باقى المقال فيتعرض لأسباب إقالة «طلعت حرب» من منصبه، وهو ما تناولته بالتفصيل فى مقال الأسبوع قبل الماضى «طلعت حرب إقالة لا استقالة».

 

ولعل أكثر ما أسعدنى أن الأستاذ «سعد الدين وهبة» عندما أصدر بعد ذلك كتابه «من مفكرة سعد الدين وهبة» فقد كانت هاتان المقالتان ضمن محتويات ومقالات كتابه البديع».