الأربعاء 12 أغسطس 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
طارق رضوان
دموع طلعت حرب!

دموع طلعت حرب!

«ليس بنك مصر بقائم والحمد لله على قوة الأشخاص، ليس بنك مصر قائمًا على شخص طلعت حرب أو شخص فؤاد سلطان (أحمد مؤسسى البنك)، إنما بنك مصر يقوم على مبادئ قويمة قوية فى ذاتها على نظام سائر فى ذاته متحرك من تلقاء نفسه من غير حاجة إلى محرك، شأن الأعمال الدائمة الخالدة التى لا تعيش مرتبطة بحياة الأفراد».



هكذا تحدث طلعت حرب فى كلمته أمام موظفى بنك مصر بمناسبة عودته من أوروبا فى أكتوبر سنة 1925 - وقبل 14 سنة من إجباره على الاستقالة!

ويقول الأستاذ «محمد رشدى» زوج ابنته:

«حيما أساء إلى طلعت حرب نفسه بعض الحساد والحاقدين، بقى هو قوى الإيمان بنفسه وبمتانة مركز البنك، كبير الثقة بأن الحقيقة سيكشف عنها الناس، ذلك أنه لم يفكر فى شخصه عند هذه الكارثة، ومع الإلحاح الكبير من مريديه عليه فى أن يتكلم، أبى إلا أن يلزم الصمت وكان يكرر دائمًا:

- إن الفناء مصير كل حى، وما أريد إلا الحياة للبنك وشركاته، وسيعلم الذين ظلموا أى منقلب ينقلبون».

ونقل أحد المقربين من طلعت حرب قوله وقتها:

- الحمد لله.. فليبق بنك مصر وليذهب ألف طلعت حرب!

أما سكرتيره «محمد أمين أحمد» فيقول إن العبارة الوحيدة التى خرجت من فم «طلعت حرب» وهو يغالب دموعه فكانت: لقد مت ولم أدفن!

ويكشف الأستاذ الكاتب الصحفى «محمد على رفاعى» فى كتابه «رجال ومواقف» عن واقعة مهمة لها دلالتها فيقول:

«مازلت أذكر منظر الرجل العظيم «محمد طلعت حرب باشا» وكنت فى زيارته بداره بالعباسية فى أخريات أيامه، وهو متربع فى جلسته على «شلتة» ملتفًا بعباءته، وقد اصفرت عيناه من أثر مرض اليرقان الذى هده ونال منه، وقد أخذ يشرح لى وللآخرين من الزائرين موضوع توقف البنك عن الدفع فى أزمة تلك السنة المشئومة سنة 1939، ثم انحدرت دمعتان على خديه وقال بصوت يفيض ألمًا وأسى وأسفًا وحسرة:

«ما كنت أظن أن إنسانًا فى مصر يتناولنى بكلام غير طيب بعد الذى قدمته لمصر وللشرق العربى كله».

واغرورقت أعيننا بالدموع تأثرًا بالرجل الذى أصبح مهيض الجناح، وقد كان نسرًا جبارًا فى جميع الأجواء، بل كانت تضيق به أجواء الفضاء!

ويتساءل الأستاذ «محمد على رفاعى»: فما هو الكلام «غير الطيب» الذى نوه به ولم يفصح عنه؟! وعن هذا السؤال يجيب قائلاً:

علمت فيما أنه فى بعض الجلسات السرية التى عقدها البرلمان لبحث حالة البنك وإدارته تمهيدا لإصدار قانون الدعم، تناوب المتحدثون على المنبر وكان منهم «إبراهيم عبدالهادى باشا» وكان وزيرا فرئيسا للديوان الملكى فرئيسا للوزراء فقال عنه إنه «ستافسكى مصر». ولو أن أحدا غير «إبراهيم عبدالهادى» قالها لعذرته فإنه ربيب البنك كما أعلم ويعلم جميع عارفيه، فقد عين محاميًا فيه إثر تخرجه فى مدرسة الحقوق وظل فى حضن البنك حتى آثر الاشتغال بالسياسة فتركه بعد أن أشرقت الدنيا فى وجهه! فهل هو العقوق؟!

ما أظن، فما عرفنا عن «إبراهيم عبدالهادى» عقوقا، لكن وفاء ورعاية للذمة، لهذا أعتبرها زلة لسان وهفوة مقال صدرت عنه فى نشوة خطابه الحماسى فى أعضاء البرلمان، وهو يعد من خطباء مصر المعدودين».

وفى هامش الكتاب يذكر «محمد على رفاعى» أن «ستافسكى» هذا كان من رجال الأعمال الكبار المرموقين فى فرنسا، واختلس عدة ملايين من الجنيهات من بنك بلدية مدينة «بايون» فلما انكشف أمره، انتحر فى شهر يناير سنة 1934.

••

كانت المناصب آخر ما يشغل بال طلعت حرب ولم يسع مطلقا إلى أى منصب، وقبل عام واحد من استقالته بادر بتقديم استقالته من عضوية مجلس الشيوخ فى 16 أبريل سنة 1938، وكتب الاستقالة وأرسلها إلى مجلس الشيوخ الذى رد على استقالة طلعت حرب بخطاب جاء فيه ما يلى بالحرف الواحد:

حضرة صاحب السعادة محمد طلعت حرب باشا..

أتشرف بأن أبلغ سعادتكم أنه إزاء إصراركم على الاستقالة من عضوية المجلس لانحراف صحتكم قد عرضت الأمر على المجلس بجلسته المنعقدة فى 13 أبريل سنة 1938 فقرر قبول استقالتكم مع مزيد الأسف وتمنى لكم الشفاء العاجل.

وإنى أوجه إلى سعادتكم باسم المجلس واسمى خالص الشكر على ما أسديتم إلى المجلس من خدمات قيمة أثناء دوراته المختلفة، كما أكرر أسفى الشديد على حرمان المجلس من معونتكم الصادقة وآرائكم الصائبة وأرجو الله سبحانه وتعالى أن يسبغ على سعادتكم نعمة الصحة والعافية وتستأنفوا جهودكم الصادقة لخير الوطن العزيز. وتفضلوا بقبول فائق الاحترام،

رئيس مجلس الشيوخ

«محمود بسيونى»

وقد حاول رئيس مجلس الشيوخ إقناع طلعت حرب بالعدول عن استقالته وزاره فى مكتبه ببنك مصر قائلا له:

- إنه من العار على البلاد ألا تكون فى مجلس شيوخها وقد بنيت اقتصادها!

لكن طلعت حرب أصر على الاستقالة.

ويكمل الحكاية الأستاذ «عبدالعزيز البشرى» فى مقاله عن طلعت حرب قائلا:

-«وأن تعجب لشىء فى شأنه، فالعجب كله إنه عضو فى مجلس الشيوخ تعرض عليه ميزانية الدولة وتعرض عليه كل المرافق المالية والاقتصادية، فيجول فيها «لويس فانوس» ويصول فيها الشيخ «حسن عبدالقادر» ويضرب فيها شيخ العرب «يس أبوجليل»، بجرانه، وطلعت حرب مدير بنك مصر وأبوالمشروعات المالية والاقتصادية فى مصر لا تؤثر عنه فيها طول «الدورة البرلمانية» كلمة واحدة!

ولعل هذا إنه يريد أن يربأ بنفسه، أو بعبارة أخرى، يريد أن يربأ ببنك مصر وملحقاته عن أى نزاع سياسى على العموم أو حزبى على الخصوص طلبًا للسلامة وإيثارًا للعافية».

••

إن قصة تعيين «طلعت حرب» فى مجلس الشيوخ سنة 1924 رواها بنفسه فى كلمته أمام أعضاء نادى التجارة العليا عندما أقاموا له حفلة تكريم بهذه المناسبة، وفى الاحتفال تحدث طلعت حرب قائلا:

أبناء الأعزاء وسادتى الأفاضل..

لا أخفيكم إنكم يوم دعوتمونى إلى هذه الحفلة لمناسبة دخولى فى هيئة مجلس الشيوخ شكرت لكم جميل إحساسكم ولكنى ترددت فى قبول دعوتكم.

ترددت فى قبول دعوتكم وقلت إن أفراد العائلة الواحدة فى غير حاجة لأن يكرم بعضهم بعضا، وقلت إن تفضل جلالة الملك حفظه الله بتعيينى ضمن أعضاء مجلس الشيوخ لم ينصرف إلى شخصى الضعيف، بقدر ما ينصرف إلى بنك مصر أولا، وإلى العائلة الفكرية العملية التى نحن أفرادها، فعلام التكريم إذا كانت واجبات العمل الجديد العام التى فرضتها علىّ عضوية الشيوخ سأؤديها جهد استطاعتى مدفوعا بحب الوطن وما يليق من ثقة جلالة الملك وبشعور المسئولية التى تجعلنى أحس أنى إلى درجة ما أمثّل بنك مصر فى مجلس الشيوخ كما أمثّل فيه عائلتنا الفكرية العملية!

وفى ملحوظة بالغة الخطورة والأهمية حول التمثيل فى مجلس الشيوخ يقول:

والواقع إنه لو كان الانتخاب إلى مجلس الشيوخ غير مبنى فقط على مبدأ تقسيم البلاد تقسيما جغرافيا بل أيضا - كما هو الحال فى بعض البلدان الراقية - على مبدأ آخر يقضى بضرورة تمثيل التجارة والصناعة والزراعة والمهن الحرة والطبقات العاملة المنتجة، لكان لحضراتكم باعتبار إنكم من أعمدة التجارة الوطنية رأى فى اختيار من ينوب عن التجارة فى مجلس الشيوخ!

وبعذ ذلك يتحدث عن تعيينه فى مجلس الشيوخ فقال:

وعم أحادثكم؟ أأحادثكم عن مجلس الشيوخ الذى من أجل تعيينى عضوا فيه اجتمعتم اليوم؟! وماذا عساى أن أقول عن مجلس الشيوخ؟! إنه لم يجتمع حتى الآن إلا جلسات معدودة لا يسع الإنسان أن يعتمد على ما دار فيها ليتخذه أساسًا للحكم على اتجاه هذا المجلس وتقدير روحه، وتعيين النفع الذى يعود من وجوده على البلاد باعتباره أداة توازن دستورية، والتوازن كما هو مفروض فى المال لحسن سير الأعمال، وكما هو مفروض فى الميزانية العمومية وفى حساب الأعمال التجارية والخصوصية، هذا التوازن محتم أيضا فى الحياة الدستورية، حتى يكون من توزيع سيادة الأمة، زيادة فى الحرص على صيانة مصالحها، حتى إذا وقع خطأ لا يعصم منه الإنسان وكان هذا الخطأ ناشئا عن عنصر من عناصر السيادة أصلحه العنصر الآخر بروح من الوفاق يجب أن يسود دائما بينها لصالح البلاد، وفى هذا الإشراف المتبادل وفى هذه الهيمنة المشتركة على شئون الدولة يتحقق التوازن الدستورى كما يتحقق ميزان المراجعة بين صفحتى السلب والإيجاب!

دعونا إذن من مجلس الشيوخ ومجلس النواب، ولنقصر القول فى ذلك على الدعاء بأن يوفق الله البرلمان إلى سبيل الرشاد وأن يهديه إلى سداد الرأى لصالح البلاد»..باختصار شديد لم يكن طلعت حرب من الباحثين عن المناصب، بل كانت المناصب هى التى تسعى إليه!

وللحكاية بقية!