الأحد 30 نوفمبر 2025
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان

الأغنية الوطنية أصبحت نوعا من «الردح»

الأغنية الوطنية أصبحت نوعا من «الردح»
الأغنية الوطنية أصبحت نوعا من «الردح»


اللحن هو كلمة السر ومفتاح الحياة لأى أغنية فهو الذى يحيى الأغنية ويعطيها العمر، وهو الذى قد يكتب النهاية لها مهما كانت مفرداتها بديعة، الفنان القدير «محمد على سليمان» أحد أهم الملحنين على مدار السنوات الماضية، بسببه ظهرت أجيال من المطربين تركوا علامات على الساحة، كان لابد لنا أن نتجه إليه ونسأله عن حال الأغنية وانحدار الذوق العام وأسبابه وعن أهم المطربين على الساحة من وجهة نظره، القدير محمد على سليمان فى حوار مع «صباح الخير».

• سؤال يحيرنى بشكل شخصي: ما سبب اختلاف الذوق العام عن الماضى، فى اللحن والجملة واتجاهها إلى العامية بل أقرب للإباحية؟
- عدم فهم المسئولين فى الدولة لأهمية الموسيقى والغناء هو السبب، فهناك حالة من عدم الاهتمام بالموسيقى والغناء. على ما يبدو أن الظروف التى تمر بها الدولة والحمل الثقيل على المسئولين - مع احترامى الشديد لهم - أدى إلى إغفال دور الأغنية رغم أهميتها، خاصة أنها لا تتنافى ولا تتعارض مع أولويات الدولة ولكن يبدو أنهم يعتبرون أن السياسة والاقتصاد هما فقط المشكلة وهما فقط بر الأمان ولعلى أعترف أن السياسة والاقتصاد هما دعائم بر الأمان، ولكن أحب أن أذكر المسئولين عن الدولة بأهمية الأغنية، إذا كانوا فى حالة سهو عن أهميتها، فعلينا نحن المتخصصين فى مجال الموسيقى والغناء وعلم النفس أن ننبه السادة المسئولين فى الدولة ومع احترامى الشديد لجهودهم فى مجالات كثيرة، ولكن عليهم أن ينتبهوا لأهمية الأغنية بشكل خاص والفن عموما، فالأغنية هى الملاذ الحقيقى للإنسان حين يضطرب ويمرض، ولكنى أقصد الأغنية الحقيقية وليست الأغنية المقصود منها مجرد المكايدة، فنحن نعيش فى زمن الأغنية الكيدية والمعتمدة على الردح. احترم جدا الكثير من المحاولات أثناء الثورة وبعد الثورة، احترمها ولكن لا أقدرها لأنى إذا قدرتها أقدرها بأبخس الأثمان لأنها (هايفة)، فما يقدم كأغان وطنية القصد منه النية السليمة، ولكن النية السليمة عندما نتحسسها نجد أنها خالية من الوعى والدراسة وخالية من المصرية الحقيقية التى كانت دائما تقدم الأغنية الوطنية بضمير حى، فالأغنية تحتاج إلى خلفية ثقافية كبيرة ولا تحتاج إلى ما يسمى بالمكايدة والردح، وإلا تصبح أغنية رخيصة وتصبح النتائح من ورائها أيضا رخيصة، فالفن يجب أن يكون خارجاً عن انتقاء ووعى، فما نسمعه منذ قيام الثورة هى أغانٍ مكايدة وليست أغانى خارجة عن وعى وهنا تكمن المشكلة.
• هذا عن الدولة ودورها، فماذا عن أسباب هذا الانحدار فى الذوق العام وهل للجمهور نفسه دور؟
- هذا الذوق مخاض ثلاثين عاما من حكم غير واعٍ، فعندما يكون الحكم غير واعٍ نجد الأغنية تافهة وعشوائية، وما حدث من أغانٍ وطنية مؤخرا فهو عشوائى وخرج بشكل غير مدروس على يد غير متخصصين أى خارج عن هواة، لابد أن تعود الدولة إلى الفنان الدارس الواعى الذى تخرج منه كلمات واعية ومثقفة ولحن واعٍ ومدروس ومثقف، فما حدث من أغانٍ تخص الثورة بعيد عن الأغانى الوطنية بل يندرج تحت قائمة المكايدة وهذا يندرج تحته أغانى الثورتين سواء يناير أو يونيو، فهى تنم عن فنانين يجهلون أهمية الأغنية الوطنية، الشعب لا ذنب له لأن الشعب فقط متلقٍ قد يتلقى أغنية شعبية ذات مفردات غير مثقفة ولكنه يسعد بها فالشعب مستقبل وليس صانعاً، فالشعب يصنع الثورات لا يصنع الفن لا يصنع فن الثورات، فن الثورة لابد أن يكون أكثر وعيا مما سمعناه من أغانٍ.
• وهل تغيرت الجملة الموسيقية نفسها؟
- الأغانى أصبحت مهترئة فارغة من الموسيقى الحقيقية وهى محاولات مراهقة وأصبح الحال  أنه يوجد أناس (يشتغلوا فنانين وهم ليسوا بفنانين) .
• مارأيك فى الأغانى الوطنية على مدار الثلاثة أعوام الماضية، مقارنة بأعمال أرخت لفترات فى تاريخ مصر؟
- ما سمعناه من أغانٍ (كان أقرب للردح والأغنية أبرأ من أن تكون كيدية ورداحة)، الأغنية هى الكتاب المسموع، وعندما نكتب كتابا يجب أن نكون على قدر من الوعى والعلم بأهمية ما نكتبه، لو عدنا للأغانى التى صنعت بعد 67 والأغانى التى صنعت بعد 73، سنجد أنفسنا أمام أعمال وطنية هادفة تنتقى فيها الألفاظ المعانى وتصنع من فنانين على قدر من المسئولية، وكانت بالفعل الأغانى تؤرخ لكل مرحلة قدمت فيها أو حدث قدمت بمناسبته وعاشت معنا لسنوات، أما الآن فالأغنية تنتهى بمجرد انتهاء الحدث، لا تبقى  فكل الأغانى بعد الثورتين بلا استثناء تحتضر ولن يبقى منها شىء فاستمعى إلى الأغانى الوطنية بداية من 52 و67 و73 لتجدى نفسك أمام أعمال كأنها جديدة وكأنها كتبت للحدث اليوم، وفى المقابل عندما تستمعين لما كتب اليوم نجد عملا متهرئا وقائما على جهل بالأمور الفنية كتابة ولحنا، وأنا لغيرتى على بلدى أشجب هذه الأعمال المهتدئة المريضة الفقيرة التى ليست بالمعانى الواجبة وليست بقوة وأهمية الحدث، ولا ترقى حتى للأغنية الشعبية الصادرة عن المطربين الشعبيين محدودى الثقافة بل هى أضعف وأقل من المستوى المطلوب.
• وهل الدولة متمثلة فى وزارة الثقافة قادرة على النهوض بالذوق العام وإصلاح ما فسد؟
- المؤسسة الثقافية حتى الآن لاتصنع أغنية بل هى تقوم بأقل ما يمكن أن تقوم به ولكن المشكلة تكمن فى غياب الإذاعة والتليفزيون الرسميين عن إنتاج الأغنية المنتقاة المصنوعة من أهل الأغنية، وغياب وزارة الإعلام التى كانت ترعى الأغنية، ما سمعناه الأعوام الماضية ليس فنا بل هو محاولات مراهقة ليست كاملة النضج لم تصل إلى مستوى وسمو الأغنية، لكن وزارة الثقافة لا تنتج الاغنية ولكنها تقوم فقط بعمل دار العرض التى تنتقى الأعمال المعروضة لتقديمها مثلا فى المهرجانات، لذلك أنا أبرئ وزارة الثقافة إلى أن تعطيها الدولة الحق فى إنتاج الأغنية، وأعتقد أن الدولة إذا أعطت السلطة للوزارة لتقديم عمل فنى غنائى لمناسبة ما فإنها ستصيب الهدف، فهذا الإنتاج كان من دور وزارة الإعلام التى أرى ان قرار إلغائها كان قراراً متعجلا، أرجو أن تنتبه الدولة لأهمية الأغنية وأن تعود لإنتاج الأغنية ذات المعانى المنتقاة، نحن بلد الثقافة والفن ونحن من علمنا العالم العربى هذا الفن والأغنية المصرية هى التى أستمع إليها ورددها الشعب العربى كله. على الدولة أن تدعم الأغنية وتضع من القرارات ما يساعد الأغنية وليس عرقلتها.
• كيف يمكن أن تلخص لى مشاكل «سوق الكاسيت» فى مصر الآن؟
- المشكلة أنه لم تعد هناك سوق كاسيت فى مصر بل هناك أشياء فاسدة تضر بالمجتمع وغياب إنتاج الأغنية وكذلك التكنولوجيا أثر على الأغنية بالسلب مع غياب المنتجين، فمعظم شركات إنتاج الأغنية توارت بعد هذه الثورة ثورة التكنولوجيا وعالم الديجيتال فأصبحت علاقة الأغنية بالتطور التكنولوجى مضرةً بالأغنية، وكنت أتمنى أن تبقى الأغنية على حالها بعيدة عما استحدث من أختراعات أثرت عليها بالسلب، وأساء إلى الاغنية وأدى إلى توارى الإنتاج، بالإضافة إلى أنه ضاعف من تكاليف إنتاج الأغنية فجعل الإنتاج قليلا جدا بالمقابل واحتضرت سوق الكاسيت وأعتقد أنها فى طريقها للموت.
• اعتدنا فى سوق الأغنية أن هناك جيلاً يسلم الراية لجيل، من فى رأيك من المطربين الموجودين على الساحة يستحقوا أن يمثلوا هذا الجيل؟
- المطربون الجيدون كثيرون والسيئون أكثر ونحن كان من الممكن أن نكتفى فى مرحلة ما بالمواهب الحقيقية، ولكنها الآن أصبحت لا تجد سوقا ولا منتجا، لأن الأغنية أصبحت مكلفة جدا بسبب المخترعات والبدع الحديثة التى أدت إلى هروب المنتجين وليس السبب ندرة الفنانين، ولكن بسبب الظروف المادية والتكلفة هرب المنتجون واتجهوا إلى أكل العيش والموهوبون موجودون بكثرة، وعلى الساحة أصوات كثيرة مميزة فالفن لا عمر له لأن الفنان يظل يعيش مدى الحياة حتى بعد موته فأغانيه تظل على قيد الحياة، و لدينا من المواهب سواء مطربين ومطربات أو ملحنين أو شعراء وهم كثر فلا تنسى أن لدينا غادة رجب وأنغام ناهيك عن أنها ابنتى ومطربات رائعات عودوا إلى الأوبرا ومن يحيى حفلاتها ستجدون عشرات من المواهب، وإلى فرقة الموسيقى العربية التى تقدم عشرات من المواهب التى تريد أن تقدم فناً، وليس بالضرور أن يكون لدينا المئات من المواهب فوقتها سيكون الفن رخيصاً ولكن عندما يجود الزمن بصوت جيد يجب أن نسعد بهذا ونستغله، نحن نحتاج إلى دولة تعى قيمة الأغنية كما كان أيام عبدالناصر وأنور السادات وانتهى فى عهد مبارك لأنه لا يسمع وتدهورت أيضا فى عهد الإخوان.
• بحكم دورك فى نقابة الموسيقيين فى ظل أزماتها على مدار السنوات الماضية، هل ترى أنها تقوم بدورها على أكمل وجه؟
- صراحة أنا سئمت النقابة وسئمت السلوكيات فى نقابة الموسيقيين وسئمت الشللية، ولابد أن يعى الموسيقيون والفنانون المصريون أهمية النقابة ويبتعدوا عن الشللية فى الانتخابات، فالنقابة تستحق منا أن ننتقى لها مجلس نقابة جديراً بإدارة الأغنية والموسيقى فى مصر، وليس بالشللية وليس بالصوت العالى، والنقابة بحاجة أن يعود الموسيقيون المصريون إلى رشدهم.
• أقرب ألحانك لقلبك؟
- سأقول لك الكلمة المعهودة لأى فنان ولكن كلهم أولادى وخلفتى ولم أستطع أن أحب عملاً أكثر من الآخر وكل أغنية تحمل عندى ذكريات وأنا مؤمن أن الأغنية هى حجر يوضع فى مبنى، ولكن الفرق بين هذا وذاك أن المبنى المعمارى له عمر محدد، ولكن الأغنية ليس لها عمر وتعيش مدى الدهر، تماما كالكتاب فهو لا يموت، لذلك أنا أحترم الأغنية احترامى للكتاب وأجلها إجلالى للأدب والأخلاق ورقيها وسموها.•