الخميس 16 مايو 2024
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان

أوراق.. بيكار

أوراق.. بيكار
أوراق.. بيكار


 
يمثل الفنان والشاعر بيكار أحد علامات الفن الجميل خلال القرن العشرين بما أضافه فى دنيا الفنون والأدب من إنتاج غزير ومتنوع ومؤثر فى الحركة الفنية الممتدة، وكان أحد أبناء الجيل الثانى الرائد فى نهضة الفن التشكيلى والذى امتد عطاؤه فيه لما يزيد على السبعين عاما، كانت بمثابة رحلة طويلة أصل فيها بيكار وأثر بالريشة والقلم والكلمة والروح كثيرا كثيرا، فاستحق لقب «رب» الريشة والقلم، إضافة إلى مواهب أخرى تميز بها «بيكار» مثل الموسيقى والخط والشعر والقصة القصيرة وأدب الرحلات أما البورتريه فحدث ولا حرج.. والنقد الفنى وأستاذ فى الجامعة.. ومحاضر فى كل فرع من فروع الموهبة كان إضافة بروح ولون وطعم يحمل اسم بيكار أحد أبناء وركائز القوة الناعمة التى ساهمت فى بناء وتجذير عصر النهضة الحقة بداية القرن العشرين.
 
إن توارت نتائج هذه النهضة قليلا.. لكن يظل حلم إعادة شموسها فى الخاطر وعلى رأس بنود عودتها استحضار واستلهام جنودها الأوائل حاملى مشاعل الفن والرقى والنمو الإنسانى.. وبيكار نموذج عبقرى وومضة صعبة التكرار، لكنها نموذج يحاكى وليس أكثر من سير هؤلاء العظام، والتعايش معهم كنماذج إنسانية صعبة التكرار ضرورة فى تلك الأيام وكدور بارز لصباح الخير أحد مشاعل النهضة نستعرض بعضا من سير وأمجاد هؤلاء المصريين، وبيكار الهادىء.. الفنان.. المبدع.. الحكيم.. الشاعر.. الموسيقى.. الخلوق أحد أنهار الإبداع الذى مازال نبعه يتدفق عطاء وحيوية وتمر خلال تلك الأيام الذكرى المائة وواحد على ميلاده، رحلة طويلة يسعدنا رصدها فى تلك السطور والبداية: من الميلاد والنشأة.. واللقب.. اللبنات الأولى التى تساهم فى بناء الشخصية المتفردة وتأتى بداية التفرد من اللقب الذى يحمله والذى يكاد يكون الوحيد فى العالم الذى تلقب به ولغرابته وندرته وهو اللقب الذى لم يندرج فى أى من أوراقه الرسمية لكنه نال من الشهرة والحظ الكثير وله قصة كما يقول فى أوراقه:
 
أنا بيكار الوحيد فى هذا العالم.. وهذه صدفة فكلمة بيكار تعنى الأعزب باللغة التركية، فأنا أنتمى إلى جد تركى أصابه حزن عميق على فقد زوجته صغيرة السن وجميلة الطبع والملامح، فقرر عدم الزواج بعدها وعاش ما تبقى من عمره أعزب دون زوجة، فأطلق عليه أهله وأقاربه «بيكار» أى عازب، وجد الطفل حسين أمين إبراهيم فى أوراق العائلة المحفوظة فى دواليب وسندرات التاريخ أن له جدا اشتهر ببيكار فاتخذ منها حسين أمين إبراهيم.. كنية ولقبا وحياة وارتباطا سعد به جدا وظل يردد بيكار.. بيكار وكبر وكبرت معه وظل يكتبها ويتفنن فى كتابتها ويتأنق.. والتصقت به وبدأ اسمه الحقيقى حسين أمين إبراهيم يتلاشى ويلمع اسم بيكار، خاصة بعد تفوق صاحبه وتنوعه وأصبح علما بذاته.. فحين نقول بيكار يتداعى إلى الذاكرة هذا الفنان المبدع المتفرد الذى بدأ تفرده من الصفر ولازمه فى كل مراحل حياته.
 
∎ بيكار
 
∎ مواليد 2يناير 1913
 
∎ ولد بمنطقة الأنفوشى بالإسكندرية
 
∎ لعائلة رقيقة الحال وفقيرة، أب اقترب من الستين.. وأم ذات خمسة عشر عاما كانت بمثابة الموتور الذى لا يكف عن العمل والضخ والإنتاج وفى كل أعمالها كانت تبدع وتتفنن من أجل أسرتها وكان الأب شاعرا وخطاطا وموظفا على المعاش أشد ما تكون البساطة التى تحمل فى طياتها كثيرا من العمق الإنسانى البديع.
 
∎ التحق بروضة راتب باشا فى رأس التين وبدأت تتفتق مواهبه الفنية من خلال العود الفريد الذى ورثه عن جده وكان معلقا على جدران المنزل المتواضع ومنذ الثامنة من عمره بدأ «يدندن» على أوتار هذا العود بتميز بل إنه لشدة.. «الفاقة»، بالمنزل اتخذ من هذا العود موردا لاكتساب قروش ضئيلة تساهم فى مصاريف المنزل من خلال تعليمه لسيدات الحى الأثرياء للعزف، وإلى جوار ذلك بدأ فى الرسم وكتابة الشعر وإتقان الخط وتعلم اللغات والأهم التفوق الدراسى بعد التحاقه بمدرسة إبراهيم باشا الابتدائية التى تفوق فيها على أقرانه واحتفظ بالمركز الأول طيلة سنوات الدراسة، وفى عام 1928 تم افتتاح مدرسة الفنون الجميلة العليا كان بيكار فى طليعة الملتحقين بها وانتقلت أسرته معه وواصل التفوق والإبهار لكل من حوله، وقد جمع إلى حقيبة فنونه السابقة فن الغناء وفى السادسة عشر من عمره قام بتكوين فرقة موسيقية قامت بإحياء العديد من الحفلات والعمل فى المحطات الإذاعية الأهلية دعمها بالتحاقه بمعهد الموسيقى إلى جوار تفوقه التعليمى بالفنون الجميلة العليا، والتى وجد فيها أستاذه وصديقه الحميم أحمد صبرى مبدع البورتريه الأول فى مصر وتعمقت العلاقة وازداد الحب والتواصل إلى أن تخرج بيكار بتفوق وانخرط فى التدريس بجميع مراحله روضة، ابتدائى، إعدادى، ثانوى، جامعى بإبداع متناهى الأستاذية وكان التدريس إحدى المواهب الكامنة فى أعماقه، وطار إلى المغرب أستاذا زائرا وطائرا مبدعا فى رحلة لثلاث سنوات أضاف خلالها الكثير للأشقاء فنا وإبداعا وأستاذية حتى عاد عام 1942.
 
وألحت عليه والدته بشأن الزواج الذى تم سريعا من السيدة قاسمة التى كان قد رأها فى ميناء بورسعيد قبل إبحاره إلى المغرب وأضافت قاسمة حياة جديدة للرجل العظيم الذى أصبح وراءه سيدتان أمه.. وزوجته!!
 
فراح يكمل رحلة إبداعه كأستاذ فى الفنون الجميلة يساهم فى بناء وإعداد أجيال فنية وفنان تشكيلى صاحب لمسات رائعة جاذبة مبتكرة بدأت فى النضوج بقوة فى غلاف كتاب الأيام لعميد الأدب العربى طه حسين الذى اختار بنفسه بيكار وبصمته فى إطار إبداعى مازال مضرب الأمثال.
 
∎ فى بلاط الصحافة
 
منتصف الخمسينيات انضم لكتيبة أخبار اليوم بناء على اختيار على أمين له. لإكمال تميز أخبار اليوم وترك بيكار منصة الجامعة بعد وصوله رئيسا لقسم التصوير بالكلية الحلم.. والعشق، فخاطبا ومعلما للنخبة وهبط للانتشار وبث الأفكار التنويرية والأهم اعتماد أخبار اليوم وآخر ساعة على ريشة وفكر مصرى خالص لأول مرة منذ إنشائها، حيث كانت آخر ساعة تقوم باستيراد صورة الغلاف من إنجلترا بريشة الفنان العالمى «ديفيد رايت» على مدار ربع قرن.
 
وجاء الاعتماد على بيكار بمثابة نقلة فى تاريخ أغلفة المجلة العريقة.. ومفاجأة للقراء والخبراء.. وتألق بيكار فى أخبار اليوم ولمع.. وانتشر فنه، فما كان من الموهوب على أمين إلا القيام بإرساله فى رحلة حول العالم يطوف ويشاهد ويرسم، فكان سندباد إحدى قلاع الصحافة ودورا إمتاعها.
 
وظل يبدع وشهد ملعب الصفحة الأخيرة للأخبار صباح كل جمعة إطلالة نادرة ممتعة بسيطة وعميقة للرجل من رحيق سنوات العمر والخبرة والفن والحياة والحكمة فى «مربعات» شعرية تجسيد للواقع الحى وللمستقبل وضمن هذه الإبداعات تلك «السوناتة» يارب
 
پ يا من زرعت بذور الحب فى أرضنا وتربتنا..
 
وفى حضن السماح والود علمتنا وربيتنا..
 
وجعلت الوحدة دستورنا فى حضورنا وغربتنا..
 
ومليت قلوبنا رضا وسلام نور بهم بيتنا..
 
قادر تبعد سموم الغل اللى بنشوة عروبتنا..
 
وترجع لنا عزنا وكرامتنا ومجدنا وهيبتنا..
 
آلاف من أبيات الشعر والحكمة وقراءة التاريخ والواقع والمستقبل
 
∎ البورتريه
 
هو فن «الاختزال» والبحث عن العمق فى صاحبه وتاريخه وروحه وفلسفته فى الحياة ووصف ذلك فى لوحة سواء كانت لإنسان أو حيوان أو طبيعة ذات روح أو حتى صماء واجب على الفنان إظهار أحلى ما فى هذا الكائن الحى أو غير الحى أو بمعنى إظهار روح الانجذاب والدهشة فى اللوحة، وتألق بيكار فى هذا اللون البديع من الفن وأجاد وكان امتدادا لأستاذه وصديقه أحمد صبرى أستاذ ورائد فن البورتريه، فاختار شخوصه بعناية وألوانه بدقة لأجل إظهار الجمال الروحى المعنوى والصفاء الذهنى والتألق الإنسانى بانسجام هائل فى الألوان مع «غوص» فى أعماق الشخصية وكما يقول عن ذلك:
 
البورتريه هو اللوحة الجامعة لكل الصفات الحسنة للشخص المرسوم والفنان يتمثل عمله فى إضافة شىء من روح الموديل، فهو تجربة معقدة وجميلة: مئات الوجوه قام بيكار برسمها واختزال روح صاحبها فى لوحة ولعل من أبرزها رسم بيكار نفسه ثم والدته.. وزوجته والفنانة نجاة.. ويوسف فرنسيس وفى كل مدينة كان يحط الرحال فيها تغوص ريشته فى عالم العمق والإنسانية «البورتريه»
 
∎ ينابيع الشمس
 
عام 1968 وقع اختيار الفنان المبدع صاحب الاكتشافات والمواهب حسن فؤاد رئيس قطاع السينما التسجيلية «حينذاك» وأحد رؤساء تحرير صباح الخير وقع اختياره على بيكار للقيام برسم وتصوير معبد أبوسمبل الذى كان مهددا بالدمار بعد ارتفاع منسوب المياه حوله أثناء حفر السد العالى وذلك من أجل القيام بنقل هذا الأثر العالمى لمكان أكثر أمانا ومشاركة العالم الغربى فى هذا الإنقاذ بعرض فيلم تسجيلى أمام العالم فى مهرجانات السينماالعالمية، مصور ولوحات فنية لإظهار ما فى المعبد من كنوز معرضة للخطر ومناشدة العالم للإنقاذ وتحت عنوان «ينابيع الشمس»، تم إخراج الفيلم بقيادة «جون فينى» المخرج الكندى الشهير، وأبدعت ريشة بيكار ثمانين لوحة تمثل زمن رمسيس الثانى ومراحل قيامه بإنشاء المعبد وفلسفة من بنائه فى هذا المكان وعبقريته فى اختيار المكان، أما بالنسبة لمسألة دخول الشمس فى يوم ميلاده وتنصيبه للحكم، فتلك معجزة أخرى وغاص بيكار على مدار أسابيع وشهور طويلة ينتقل ويبدع ويصور فى سيناريو من أبدع ما أنتجت قريحة فنان مصرى فى القرن العشرين يؤرخ فنا لهذه الأسطورة التى أطلق عليها العالم العجيبة الثامنة، إن إبداع بيكار فى تلك المرحلة فى هذه اللوحات الثمانين إحدى العلامات البارزة فى تاريخ الفن المصرى المعاصر.
 
∎ الإنسان المصرى
 
رصد بيكار بدقة حياة الإنسان وغاص فى الوجوه والأعماق والرؤى وكان ضمن ما رصده الوجوه المصرية بكل ما فيها من أصالة وتاريخ وإيمان وصفاء فرسم الوزير والأمير والمدير والثرى والفقير الصعيدى والفلاح والمعلم والتلميذ.. السيدة والخادمة والفلاحة والوزيرة ما من وجه بشرى إلا وكانت ريشة بيكار له بالمرصاد فى حب واحترام وإعلاء لقيم مكنونة داخل هذا الكيان الإنسانى وإن كان أبدع فى مرحلة فنية أو رحلة فنية فى أعماق أبناء النوبة إحدى المراحل المهمة جدا فى تاريخه الفنى التى هى بمثابة اكتشاف لهذا الجزء الحضارى الكامن فى قلب مصر الجنوبى بكل ما فيه من أسرار وغموض وكنوز إنسانية.
ونفس الحال فى أبناء وبنات الدلتا بكل ما فى حياتها من عطاء وحماس لأجل البناء والتشييد والتعاون الإنسانى البديع فى حياة الفلاح وأسرته على طول الخط.
 
إن هذا التنوع الإنسانى الفنى البديع لدى بيكار والذى تطرق إلى العديد من صور الحياة لم ينس أن يترك أثرا مكتوبا ومدونا فى دفتى كتاب، فأجادت قريحته موسوعة مصغرة تحت عنوان لكل فنان قصة طاف فيها وبرع فى كتابة السيرة الذاتية لعشرات من الفنانين التشكيليين فى مصر والعالم.
 
كما أصدر كتاب مختارات من كتاباتى فى النقد التشكيلى، وهو لا يقل موسوعية عن سابقه.
أما الإصدار الثالث فجمع فيه بين الريشة والقلم تحت عنوان الرسم بالكلمات «صور ناطقة» فيه عصارة جهد وفكر وحكمة سنوات.
 
فى كلمة كان بيكار نموذجا إنسانيا بديعا فى الجمع بين الأخلاق والفن.
 
فارق عالمنا فى 16 نوفمبر 2005 تاركا خلفه تراثا إنسانيا هائلا وبديعا لاستفادة الأجيال منه.. رحمه الله.