الأحد 30 نوفمبر 2025
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان

هن.. بين بنات بحرى ونساء الواحات

هن.. بين بنات بحرى ونساء الواحات
هن.. بين بنات بحرى ونساء الواحات


كتب: صلاح بيصار
بعد أن امتلك طراوى ناصية فن المظر وتألقت فرشاته بالمنظر العرضى الذى اشتهر به.. فى فضاء تصويرى ممتد.. تألق فى مشاهد بانورامية من الدلتا والواحات تنساب بالأفق والماء والأشجار والبيوت فى اختزال شديد مع عمق لمسة تبرق وتتوهج كالوميض.. انجذب إلى نساء الواحات مشكلًا عالمًا آخر فيه من الزمان والمكان.. وروح الروح من سحر الإنسان.. خاصة حواء التى تبوح وتصمت وتحنو وتملك سر الحياة وقوتها..فى إيقاع تعبيرى جديد وقد أعاد صياغتها وجعل منها أيقونته الأثيرة الخاصة بكثافة تجريدية تخرج على الأطر المحفوظة..
خصوصًا وهو من بين فنانين قلائل فى فن البورتريه «الصورة الشخصية» وقد أراد يحول كل هذا التمرس الطويل وخبرة الأداء إلى مفهوم آخر.. طاقة جديدة لا يبقى منها إلا أطياف هامسة صاخبة رنانة مشرقة بالنور والحنان ومفعمة بالونس.
ومازال طراوى مع تنوع أعماله من فن البورتريه أو الصورة الشخصية إلى فن المنظر.. يبحث فى فى علاقة الإنسان بالطبيعة المصرية متمثلًا فى هذا الإيقاع التجريدى بآفاق وأحوال وإشراقات جديدة.
مصورًا  نساء الواحات.. جمع فيها بين روح المنظر وتجليات الإنسان كجزء من المكان.. لاشك أنه انتقل بها إلى حالة من الثراء التشكيلى والتعبيرى.. بلغة التجريد..أهم ما يميزها هذا الطابع الدرامى الذى يمتد بالأفق الداكن المتمثل فى الأزرق الليلى.. مع توهج التشكيلات الرأسية المتمثلة فى نساء الواحات والتى تموج برصانة اللون بين الهدوء والسطوع.. وهى بتعبيره: «المرأة المصرية فى كامل دلالاتها ودلالها مختزلا جمالها  فى مساحات لونيه يتزاوج فيها اللون والكتلة والفراغ لنساء شامخات سامقات فالمرأة البدوية هى المحور الأول للأعمال التى تنحو للتجريد الرمزى أحيانا». وهى فى  أحدث أعماله تعد امتدادًا لتجاربه فى هذا الإيقاع متجاوزًا ومضيفًا إلى ذلك برمزية بليغة فالمرأة هنا ليست مجرد كائن إنسانى ولكنها روح ومادة.. كيان وجسد وتعبير وإيقاع للسمو والأناقة وقد ارتفع بها وجعل لها مساحة خاصة من التكريم التشكيلى يؤكد شخصيتها وكيانها وسطوعها بلمسات مختزلة من  السطوح الهندسية والانحناءات الدائرية التى تبدو فى شفرات تشكيلية سريعة الوميض، حيث يقتنص اللحظة فى تعبير فورى ينقلنا خلالها إلى حالة روحانية.. مستبدلًا المشهد الأفقى المتسع فى مناظره إلى إيقاع رأسى يحتوى حواء وحيدة غارقة فى المشاعر والأحاسيس مع ما حولها من عناصر مبهمة تعكس لروح المكان.. وأحيانا يشدو بـ«هن» فى ثنائيات وثلاثيات من النساء، وقد تحول كل هذا إلى مجرد إشارات وعلامات ورموز بلغة تعبيرية جديدة أطياف تشخيصية تقترب من التجريد.. أنها: «عوالم فى ذاتى.. فى فضاءات كونية أخرى تدركها المشاعر والروح».. يدعونا خلالها لأن نتأمل.. ونفكر ونتحاور مع مساحات من النبض والصحو والهمس والصفاء.
وألوان طراوى تتنوع من الأزرق البحرى لونه الأثير  لنشأته وتعايشه مع النيل منذ الطفولة وحتى الآن.. إلى الأخضر الطازج مع الحمر النبيتى والرماديات ولمسات من الأصفر الأوكر والبرتقالى.
وبنات بحرى
فى معرضه 2005 «أمكنة الروح» شكلت فرشاته لوحتين أحدهما تحية للفنان تيرنر«1775-1851» فنان المائيات  الشهير والثانية حوار مع أحد أعماله احتراما وتقديراللمسة الأستاذية  المفعمة بقوة الحياة والطبيعة.. وفى معرضه «هن» جاء حواره ومحاكاته للوحة «بنات بحرى» بطريقته وإحساسه التعبيرى  للرائد محمود سعيد «أيقونة التصوير المصرى الحديث فى القرن العشرين».. وهى لوحة تجسد أسطورة الأنوثة بين الواقع والخيال وبين الأنوثة الطاغية وعرائس الجن ومن فرط شهرتهن تحولن إلى بطلات  مرة أخرى فى لوحة سعيد الصرحية الضخمة «المدينة» متحف الفن الحديث.. وجاء انجذاب طراوى للوحة بإغراءات القيم الفنية والتعبيرية للمسة سعيد وفى نفس الوقت إثارة حوار تشكيلى تقديرًا واحترامًا لمعنى الفن فى عالمه.. وفى تاريخ الفن الحديث أعاد سلفادور دالى صياغة تشكيلية للوحة «صانعة المطرزات» لفرمير احتراما لفنه وترويضا لفرشاته..كان هذا فى منتصف الخمسينيات من القرن الماضى كما أعاد بيكاسو لوحات  العديد من الفنانين فى عصور مختلفة لعل أشهرها لوحة «الغذاء على العشب» لمانيه وهى لوحة أحدثت ثورة فى تاريخ الفن وفتحت آفاقا فى الفن الحديث.. إلا أن بيكاسو أحدث ثورة أخرى فى الفضاء التصويرى وحطم كل شىء فى حوار تشكيلى يضيف إلى لوحة مانيه أبعادا أخرى جديدة فى موازاة لوحته.. من خلال تأملنا لها وفهمنا لمعالجات بيكاسو.
وفى الحقيقة  لم يكتف طراوى بإعادة صياغة تعبيرية لبنات بحرى، ولكنه باختزال شديد أعاد روح لوحة المدينة من جديد وترجمها بلغته المختزلة إلى سطوح وعناصر تجريدية خالصة جعل البطل فيها لفنتازيا الأنوثة مع بقايا رموز من خلفية المدينة.. تبقى الإضافة أيضًا فى بحار الأزرق الصافى المشع بالنور والصفاء والحيوية والمسكون بروح بحرى.. روح بحر الإسكندرية والنيل فى نفس الوقت حيث عناق القلعة الرمز مع بنات الأنفوشى.. ونحن نرى أن محمد طراوى بقراءته التشكيلية للوحة المدينة أو بنات بحرى فى لوحة المدينة قد أضاف بعدًا رمزيًا جديدًا للوحة محمود سعيد مثلما أضاف لعالمه بعدًا آخر يتجاوز الاعتياد إلى الدهشة.. وهو ما نراه فى أعماله فى «هن» من بنات بحرى إلى نساء الواحات.. تحية إلى طراوى بعمق سخاء اللمسة فى أعماله.. لمسة تدعو إلى التأمل بعين الحب والفن.