لما أحب أكلم شباب مصر.. أكلم مين ؟
هيام هداية
صوت فتاة مصرية «عادية» ليست لها أى انتماءات سياسية أو حزبية، كما أنها ليست من الصفوة الشبابية ممن يرتدين «الجيب القصير» أو البدلة الـformal فى الندوات والمحافل السياسية.
هى فتاة تعلمت مثلها كمثل 80% من الشعب- بالمدارس الحكومية- قبل أن تتحول إلى «سبة» تعليمية، بعد أن أصبح التعليم الخاص هو التعليم الذى يحمل شهادة الجودة الاجتماعية بعيدا عن أى اعتبارات أخرى قد تكشف عن مساوئ أو محاسن لهذا التعليم.
لكن .. لم يدفعنى يأس شهادتى الحكومية إلى تعطيل مسيرتى نحو النجاح، ولكنها كانت دافعا أكبر للصعود إلى الأمام ونحو من يتم تصنيفهم على أنهم الأفضل والأوفر حظا فى التعليم.
حتى وصلت إلى المرحلة الثانوية وكان ما حصدته منها بعد توفيق ربنا، ودعوات أمى، وتهديدات أبى، مجموعًا مرتفعًا فى الثانوية العامة، مع بعض المشاكل النفسية «الخفيفة» التى لازمتنى لاحقا وهى تعرف بـ«تركة» الثانوية العامة ويرثها كثيرون ممن ينتهون من هذه المرحلة المزعجة، من الضغط والتوتر الذى يعتبر العنوان الأساسى لهذه المرحلة العصيبة فى تاريخ التعليم. وقد أهلنى بالفعل هذا المجموع إلى دخول إحدى كليات القمة.. وهناك فى الجامعة- حيث ذهبت - يتشابه مستقبل الجميع دون أن يكون للماضى مكان، فأنت وخريج المدارس الفرنسية تتجاوران فى سكشن الجامعة. وهنا تتسع ابتسامتك، بعد أن تأكدت أن لكل مجتهد نصيبا.
تكثر الإعلانات بالجامعة عن النشاطات والأسر وانتخابات اتحاد الطلاب، وعادة ما تدفعك طبيعتك- كطالب في حالك - إلى عدم الاهتمام كثيرا بكل هذه الدعايا والنشاطات بل تعتبرها من وجهة نظرك بلا جدوى، وينصب تركيزك على النجاح والتفوق واستمرارك نحو تحقيق ذاتك، فتجتهد ويتجه اهتمامك نحو الدروس والمحاضرات ولا مانع من بعض الأوقات مع الأصدقاء والترفيه من وقت لآخر. لتنتهى سنوات الجامعة بتفوق، ويظل الحظ حليفك لتكون أمامك فرصة الاختيار ما بين العمل بالجامعة كمعيد بعد أن تحصد المراكز الأولى أو تتجه إلى الاختيار الآخر وهو العمل فى مجالك بعيدا عن استكمال دراستك بالجامعة.
وعادة ما يأخذك اختيار الحلم الأول وهو أن تصبح أستاذا بالجامعة، وكذلك تحقيقا لحلم والديك تباهيا بابنهم مدرس الجامعة، وفى هذه الأثناء لا مانع من تجويد لغتك الأجنبية بالكورسات ومراكز اللغات المختلفة حتى تضمن مستوى أفضل من التعليم لسد فجوة عجز التعليم الحكومى الذى يمنحك القليل من العلم، الكثير من البلاهة. إلا أنك تقرر داخل نفسك أن تستغل كل الإمكانيات البسيطة لديك لكى تكون إنسانا أفضل وتصلح ما أفسده ضعف مستواك الاجتماعى والاقتصادى كغالبية أبناء الشعب المصرى.
فترى فى نفسك إنسانا ناجحا متفوقا استطاع تحقيق حلمه بأقل الإمكانيات فتتسع دائرة احترامك لنفسك، وتعد لنفسك لدور أكثر أهمية ومستقبل أكثر نجاحا ينتظرك.
وعندما سمعتهم يتحدثون سياسيا عن تمكين الشباب أعددت لنفسك- مجازًا- بينهم مكانا، فأنت مجتهد وناجح ووجهة مشرفة للشباب المصرى.
ولكنك اصطدمت بالواقع الذى لم يكن ورديا كأحلامك البريئة. فأنت لم ترشح ولو مرة إلى المشاركة بأحد الاجتماعات السياسية التى يشارك بها الشباب كصوت مصر المستقبل، بعد أن بحت أصواتها المعمرة- بعضها - سنا لا فكرا ورؤية.
قالوا إنك المستقبل، ولكنهم تجاوزوك إلى مستقبل آخر، ليس لك فيه مكان، مستقبل يتم دعمه كى يتسلم دفة القيادة لاحقا، فاختياراتهم ليست محددة وليست معروفة الأسباب. فعادة وأنت طالب جامعى لابد أن تكون رئيسا لاتحاد الطلبة سابقا «ومش أى رئيس اتحاد»!.
أو تنتمى إلى أحد الأحزاب، أو شاركت على الأقل فى إحدى الثورات، أو كنت من المحظوظين وأخذت لقب «ناشط سياسى». أو أحد رجال الأعمال الشباب فتتفتح لك أبواب السياسة، أو ساعدك ذكاؤك الفطرى فى «فهم اللعبة» فتشن حروبا كلامية ضروسا ضد ما يسمى بالجماعات الإرهابية لتخرج فى القنوات الاعلامية مزايدا لا صاحب مبدأ عن الاخلاق والوطنية والشرف.
لتفاجأ فى النهاية- وأنت بدون هذه الامتيازات- أنك تقف بعيدا أنت وشهادة تفوقك في آخر الصف، وأنك أيها الشاب المتفوق البسيط لست أكثر من اسم تجارى- باعتبارك شابا - لمن يتحدثون بلسانك، دون أن تعطى أحدا تفويضا بذلك. وتزداد دهشتك أكثر عندما تعلم أنهم ليسوا أكثر كفاءة منك، ولا أكثر علما، كما لا ننكر عليك أنك أحد أطراف هذه المعادلة المهمة باعتبارك أحد عناصر الصورة الشبابية، ولكنك عزيزى خارج البرواز.
فأنا ومعى جيل من الشباب الناجح والمتفوق لن ينقطع لدينا الأمل، ولكننا لا نريد سوى نظرة لمن هم مثلنا من الشباب المصرى ممن خرجوا من «الصورة الحلوة» ولكن مازالوا يقفون منتظرين خلف البرواز .•