رهان برلمانى على المستقبل
إبراهيم جاب الله
تحركات لإصلاح التعليم.. ودعوات لربط القبول الجامعى باحتياجات سوق العمل
لم يعد الحديث عن تطوير التعليم فى مصر مجرد ملف خدمى؛ بل تحول إلى أحد أهم مشروعات الدولة الوطنية التى تتكامل فيها جهود الحكومة والبرلمان ومختلف مؤسسات الدولة انطلاقًا من إيمان راسخ بأن بناء الإنسان هو المدخل الحقيقى لتحقيق التنمية المستدامة، وأن الاستثمار فى العقول يمثل الضمانة الأساسية لبناء الجمهورية الجديدة، كما أن الرهان على إصلاح هذا الملف هو بمثابة «رهان على المستقبل».
وخلال الفترة الأخيرة شهد البرلمان بغرفتيه «النواب والشيوخ» حراكًا ملحوظًا فى طرح المبادرات والرؤى والمقترحات الهادفة إلى تطوير منظومة التعليم سواء فيما يتعلق بالتعليم الجامعى أو البحث العلمى أو آليات القبول بالجامعات وربطها باحتياجات سوق العمل، وظهر ذلك من خلال اجتماعات لجنة التعليم والبحث العلمى فى مجلس النواب وكذلك فى مجلس الشيوخ، بما يعكس توافقًا واضحًا بين السلطتين التنفيذية والتشريعية على أن إصلاح التعليم يمثل أولوية وطنية لا تحتمل التأجيل.
هذا الحراك البرلمانى يؤكد أن الدولة المصرية تسير بخطوات متوازية نحو تحديث المنظومة التعليمية ليس فقط من خلال تطوير البنية التحتية أو التوسع فى إنشاء الجامعات، وإنما أيضا عبر الاستثمار فى العنصر البشرى ودعم أعضاء هيئة التدريس وإعداد خريجين يمتلكون المهارات التى يتطلبها الاقتصاد الحديث.
الأجيال الجديدة
وبعد إعلان نتيجة الثانوية العامة واستعداد الطلاب لتسجيل رغباتهم فى تنسيق القبول بالجامعات عاد ملف تطوير التعليم إلى صدارة الاهتمام العام، باعتباره أحد أكثر الملفات ارتباطًا بمستقبل الأجيال الجديدة وفى هذا التوقيت تتزايد الدعوات البرلمانية إلى مراجعة فلسفة القبول الجامعى وربطها بمتطلبات سوق العمل إلى جانب استمرار الجهود الحكومية لدعم الجامعات وأعضاء هيئة التدريس والبحث العلمى، بما يعكس رؤية متكاملة تستهدف الارتقاء بجودة التعليم وإعداد خريجين يمتلكون المهارات اللازمة للمنافسة.
وأمام ما يفرضه هذا الملف من تحديات قدم عدد من النواب مقترحات بضرورة إصلاح التعليم وزيادة الحوافز الخاصة بأعضاء هيئة التدريس بجانب مطالبات داخل البرلمان بضرورة تطوير فلسفة القبول بالجامعات بما يواكب التحولات العالمية ومتطلبات سوق العمل الحديثة.
فى الوقت ذاته، اتخذت الحكومة إجراءات لإصلاح أحوال هيئات التدريس بالجامعات، وهو ما دعا الدكتور حسام المندوه الحسينى عضو لجنة التعليم والبحث العلمى بمجلس النواب إلى الإشادة بتوجيه الدكتور مصطفى مدبولى، رئيس مجلس الوزراء بسرعة الانتهاء من إعداد مشروع قرار زيادة حوافز أعضاء هيئة التدريس بالجامعات والمراكز البحثية، معتبرا أن هذه الخطوة تمثل استجابة عملية للمطالب التى تبنتها لجنة التعليم خلال الفصلين التشريعيين الثانى والثالث، كما أوضح أن اللجنة كانت تؤكد باستمرار أن تطوير التعليم يبدأ من دعم الأستاذ الجامعى والباحث العلمى باعتبارهما حجر الأساس فى بناء أجيال قادرة على المنافسة والإبداع، وأن تحسين الحوافز ينعكس بصورة مباشرة على الاستقرار الوظيفى ويحفز البحث العلمى والإنتاج الأكاديمى ويسهم فى الحد من هجرة الكفاءات إلى الخارج.
وأشار إلى أن الجامعات المصرية تستقبل سنويا مئات الآلاف من الطلاب الأمر الذى يجعل توفير بيئة عمل مناسبة لأعضاء هيئة التدريس ضرورة وطنية للحفاظ على جودة العملية التعليمية وتحسين تصنيف الجامعات المصرية وتعزيز قدرتها على المنافسة إقليميًا ودوليًا، مؤكدًا أن دعم أعضاء هيئة التدريس لا يقتصر أثره على تحسين أوضاعهم المعيشية بل يمتد إلى رفع جودة التدريس وزيادة معدلات الابتكار والنشر العلمى وإعداد خريجين أكثر تأهيلا لسوق العمل بما يتوافق مع مستهدفات «رؤية مصر 2030» القائمة على اقتصاد المعرفة.

قواعد القبول
وبالتوازى مع الاهتمام بأعضاء هيئة التدريس تتواصل داخل البرلمان الدعوات لتطوير فلسفة القبول بالجامعات بما يواكب التحولات العالمية ومتطلبات سوق العمل الحديثة، ودعا النائب عمرو رشاد عضو مجلس الشيوخ إلى فتح حوار مجتمعى واسع حول قواعد القبول بالجامعات، موضحا أن التطورات التكنولوجية المتسارعة والاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعى والتحول الرقمى فرضت ظهور تخصصات جديدة تحتاجها الأسواق فى مقابل تراجع الطلب على بعض التخصصات التقليدية.
وأكد أن مفهوم «كليات القمة» لم يعد المعيار الحقيقى للنجاح وأن القيمة الحقيقية أصبحت فى امتلاك الخريج للمهارات والخبرات التى تؤهله للمنافسة داخل سوق العمل المحلية والدولية، وهو ما يتطلب إعادة النظر فى السياسات الحالية للقبول الجامعى، مشددا على أهمية تعزيز منظومة الإرشاد المهنى للطلاب قبل مرحلة التنسيق، حتى يتمكن كل طالب من اختيار التخصص الذى يتناسب مع قدراته وميوله ويحقق فى الوقت نفسه احتياجات الاقتصاد الوطنى خلال السنوات المقبلة.
فيما تقدمت النائبة آمال عبدالحميد عضو مجلس النواب بطلب إحاطة طالبت خلاله بإجراء مراجعة شاملة لمنظومة تنسيق القبول بالجامعات بهدف تحقيق توازن بين التفوق الدراسى والقدرات الفعلية للطلاب وربط القبول الجامعى بمتطلبات سوق العمل المستقبلية، موضحة أن التطورات الاقتصادية العالمية تفرض تطوير آليات اختيار الطلاب للتخصصات الجامعية بحيث لا يعتمد القبول على المجموع النهائى فقط، وإنما يراعى أيضا القدرات والميول العلمية لكل طالب.
تضمن مقترح النائبة عددًا من الآليات العملية من بينها منح وزن أكبر للمواد المرتبطة بالتخصص عند احتساب القبول بالكليات المختلفة وتطوير اختبارات القدرات، والتوسع فى تطبيقها بالكليات التى تتطلب مهارات خاصة فضلا عن إنشاء منظومة قومية للإرشاد الأكاديمى والمهنى تساعد الطلاب فى اتخاذ القرار الصحيح بشأن مستقبلهم الجامعى بجانب مراجعة أعداد المقبولين بالكليات بصورة دورية وفق احتياجات خطط التنمية وسوق العمل، إلى جانب إطلاق حوار وطنى يضم الحكومة والمجلس الأعلى للجامعات وخبراء التعليم وممثلى القطاعات الاقتصادية للاستفادة من أفضل التجارب الدولية فى نظم القبول الجامعى.
وأكدت أن الهدف من هذه المقترحات ليس المساس بمبدأ تكافؤ الفرص وإنما تطويره ليشمل قياس الكفاءة والقدرات الحقيقية بما يسهم فى تحقيق الاستخدام الأمثل للطاقات البشرية ورفع جودة مخرجات التعليم العالي.
البرامج الحديثة
وبعد إعلان نتائج الثانوية العامة حرص عدد من النواب على توجيه رسائل توعية للطلاب وأولياء الأمور تؤكد أهمية حسن اختيار التخصص الجامعى باعتباره خطوة مفصلية فى بناء المستقبل المهنى، وأكد النائب نبيل العطار عضو مجلس النواب أن مرحلة التنسيق لا تقل أهمية عن الامتحانات نفسها كما دعا الطلاب إلى دراسة جميع البدائل المتاحة وعدم الانسياق وراء المسميات التقليدية للكليات وإنما اختيار التخصص الذى يتوافق مع قدراتهم وميولهم ويمنحهم فرصا حقيقية فى سوق العمل، لافتا إلى أن التطورات المتلاحقة فى طبيعة الوظائف تستوجب اهتمام الطلاب بالتخصصات المستقبلية والبرامج الحديثة مع اكتساب المهارات الرقمية وإتقان اللغات الأجنبية باعتبارها عناصر أساسية لتحقيق النجاح فى سوق العمل العالمية.
الاستثمار فى التعليم
وتعكس هذه التحركات حالة من التكامل بين السلطتين التنفيذية والتشريعية فى التعامل مع ملف التعليم باعتباره قضية مهمة وملفًا يحقق الاستثمار به تنمية شاملة، حيث تتبنى الحكومة تنفيذ سياسات التطوير بينما يواصل البرلمان دوره الرقابى والتشريعى من خلال تقديم المقترحات ومتابعة التنفيذ وطرح رؤى جديدة تستجيب للمتغيرات العالمية، كما يؤكد هذا التنسيق أن تطوير التعليم لم يعد ينظر إليه باعتباره مشروعا يخص وزارة بعينها وإنما مسئولية تشارك فيها جميع مؤسسات الدولة، إدراكًا بأن بناء الإنسان المصرى هو الاستثمار الأكثر استدامة وقدرة على تحقيق التنمية، كما تعكس المبادرات البرلمانية اهتمامًا متزايدًا بالانتقال من التركيز على الكم إلى الاهتمام بجودة المخرجات التعليمية وربط التعليم باحتياجات الاقتصاد الوطنى ودعم البحث العلمى والابتكار بما يسهم فى إعداد كوادر قادرة على قيادة مسيرة التنمية خلال العقود المقبلة.
وشدد النواب على أن الجمهورية الجديدة تضع الإنسان فى صدارة أولوياتها انطلاقًا من قناعة بأن بناء المدارس والجامعات لا يحقق أهدافه دون الاستثمار فى المعلم والباحث والطالب وتوفير منظومة تعليمية حديثة قادرة على اكتشاف الموهوبين وتنمية المهارات وربط المعرفة بالإنتاج بما يعزز مكانة الجامعات المصرية ويرفع كفاءة الخريجين ويؤسس لجيل جديد يمتلك أدوات المستقبل ويسهم فى تحقيق أهداف الدولة المصرية و«رؤية مصر 2030» لتظل عملية بناء الإنسان هى المشروع الوطنى والأساس الحقيقى لتحقيق التنمية الشاملة.