لماذا يجرى العالم ورانا؟
عمرو محمد الغزالى
الجميع يحلم بـ«بيت».. «عمل» و«استقرار».. لكن العالم لا يسمح بها
دعونا نتفق أولًا، وبدون لفّ أو دوران؛ هذا العالم لم يعد يحب المستقرين. لا الوقت يسمح بذلك، ولا الطقس، ولا الزحام. كل شىء يتحرك، يتبدل، يذوب.
فكرة الاستقرار.. ذلك المفهوم الجميل الذى كانت جدتك تصفه بـ«راحة البال»؟
أو ذلك الشعور الغامض بأنك تعرف من أنت، وتعرف ما يجب أن تفعله غدًا فى أيامنا هذه، وضع كل هذا على الرف، بجانب أشياء أخرى انقرضت مثل: الكاسيت، الووكمان، والتليفزيون الأبيض والأسود.
فى العصور القديمة - أيام أفلاطون وأرسطو - كان الاستقرار مرادفًا للحكمة وغاية الفلاسفة.
العالم المادى، هراء فى رأى أفلاطون، لأن الحقيقى عنده فى السماء، حيث كل شيء ثابت، ينتظر، ولا أحد يركض.
أما أرسطو، فكان مؤمنًا أن كل شيء يتحرك نحو كمال ما.
الحركة ليست فوضى، إنما هى خطة هادئة للغاية - فقط نحن من لا يملك الصبر لملاحقتها.
ثم جاءت العصور الوسطى، وصار الاستقرار مرادفًا للإيمان.
من صلّى وحافظ على صلة الرحم وبقى فى قريته الصغيرة، ضمن الجنة وربما وظيفة حكومية أيضًا. كل شيء مرتب، كل شيء له مكانه.
مع ديكارت ولوك وسبينوزا، صار العقل هو الحاكم بأمره.
الاستقرار أصبح عقلانية؛ خطة مدروسة، تنظيم اجتماعى لا يقبل العشوائية. بشرط؛ أن تقبل أن ما لا يتغير هو «القاعدة»، وكل فوضى مجرّد انحراف سيزول.
ثم جاء القرن العشرون وقال لنا: «ضحيت كثيرًا، خذ هذا القلم على وجهك»، ظهرت مفاهيم مثل «الحداثة السائلة».
وأودّ هنا أن أشكر باومان الذى قتل الأمل فى نفوسنا بلطف.
قال باومان - بصوت خفيض كأنّه يخجل من صدقه - إن العالم فقد قواعده؛ لا أسر، لا دول بمعناها القديم، لا وظائف دائمة، ولا حتى صداقة حقيقية دون واي-فاى.
كل شيء مؤقت، حتى أنت.
والهوية، تلك الكلمة التى يحبها أساتذة علم النفس، تحوّلت إلى كود، ومساحة فى السوشيال ميديا، وفلتر على سناب شات.

لا أحد يعرف من هو، لكنه يعرف كيف يبدو فى «الريلز».
ومع كل هذا، لا يزال الإنسان -أنت وأنا- يتصرف كما لو أن الاستقرار أمر متاح فى قائمة الطلبات.
كلنا نحلم ببيت، وعمل، وعلاقة لا تنهار فى أول تحديث للواتساب.
لكننا لا نعيش فى عالم يسمح بذلك.
حتى الفلاسفة الأكثر تفاؤلًا، مثل يورجن هابرماس، حاولوا أن يقولوا: «توقف، ربما هناك أمل.. من خلال الحوار»، لكن المشكلة أن الحوار نفسه صار يتم عبر الرموز التعبيرية والصراخ النصى فى تعليقات يوتيوب.
المجتمع الذى يقوم على التفاهم.. يا له من خيال جميل.
الأسرة تنهار، والمدارس تخرج أجيالًا لا يعرفون أنفسهم، والدين أصبح ساحة جدال سياسى.
فى هذا الطوفان، تحول الإنسان إلى مخلوق مذعور يبحث عن نقطة ثبات، كما يبحث الضائع فى البحر عن عوامة.
وكلما اقترب من واحدة، اكتشف أنها إعلان لشركة شحن سريع.
وبينما يشتاق الإنسان إلى الثبات، يعاقبه السوق على هذا الحنين.
الشركات تريد موظفًا قابلًا للفصل، العلاقات تفضّل التجدد، التكنولوجيا تغيّر القواعد كل أسبوعين. حتى الحب صار يشبه «العرض المحدود»؛ ينتهى بعد 14 يومًا ما لم يتم التجديد تلقائيًا.
هل انتهى الأمل.
لا أعتقد. فهناك من يقاوم - نعم، هناك فلاسفة وعشاق البطء. أولئك الذين يشربون القهوة على مهل، ويقرءون كتبًا من ورق، ويؤمنون أن السعادة الحقيقية تكمن فى ألّا تفعل شيئًا أحيانًا. فكرة مجنونة.. أعلم.
وهناك مفكرون يرون أن الاستقرار ليس أن تتجمد، لكن أن ترقص وسط الفوضى دون أن تفقد توازنك.
أن تحافظ على نفسك، ولو كتميمة صغيرة، وسط عاصفة التحديثات والتغييرات. أن تبنى داخلك - كما قال بول ريكور - سردك الخاص.
أن تكون قصة، لا حجرًا.
الاستقرار اليوم ؛ ليس مكانًا، ولا وظيفة، ولا علاقة. إنه مهارة. لكن أن تحافظ على صوتك الداخلى وسط الضجيج. أن تبنى لنفسك كوخًا صغيرًا داخل العاصفة، وتجلس فيه.. تقرأ هذا الكلام مثلًا.
الاستقرار الحقيقى، أن تعرف من أنت، ولو للحظة.
أن تتصالح مع التغيّر، وتفهم أن الثبات الكامل كذبة اخترعها القدماء لأنهم لم يجربوا إنترنت بسرعة الجيل الخامس. ابتسم.. العالم يتغير.
وهويتك قد تكون غير واضحة.. لكنها ما زالت أنت.