الإثنين 10 أغسطس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان
هانى شنودة.. غياب باعث الفرح

هانى شنودة.. غياب باعث الفرح

فنان كبير عاش يحلم بقلب طفل، وروح مبدع، وعقل حكيم، رحل أحد الكبار، الذين تركوا بصمات لا تمحى لتظل أعمالهم أثرًا لا يغيب. وهكذا كان هانى شنودة؛ ليس مجرد ملحن أو موزع موسيقى، بل حالة فنية متفردة، استطاعت أن تفتح للموسيقى المصرية أبوابًا جديدة، وأن تصنع لغة موسيقية تجمع بين الحداثة والهوية بألوان جديدة ومذاق صوتى متفرد.



كنت أسمع موسيقاه منذ طفولتى وأحب رشاقة ألحانه، والتفاؤل المنبعث من إيقاعاته البسيطة سهلة التراكيب الغنية المردود، تتناغم هارمونياته فى انسجام ساحر ليشعرنا كمتلقين بالحيوية والتفاؤل، أدخل أصواتًا جديدة إلى موسيقاه، وقدم رؤية مختلفة جعلت أعماله تحتفظ ببريقها حتى اليوم، لديه قدرة على التوازن بين اللحن والإيقاع مع استخدامه لموتيفات إيقاعية قصيرة يسهل ترديدها وتكرارها فتجذب المستمع أيًا كانت مرحلته العمرية، موهبته الفطرية قادرة على صياغة ألحان تتجاوز حدود عصره، تستشرف رؤى مستقبلية، فهو دائمًا يكسر المألوف، لأنه مبدع استثنائى يعكس روحه المرحة وصفاته الشخصية النبيلة. 

من يقترب من هانى شنودة يشعر بالمحبة والتفاؤل والبهجة، يبعث فيمن حوله حالة من الفرح، واقترابى منه كفنان أسعدنى حين دعانى للمشاركة كضيفة شرف فى إحدى حفلاته بساقية الصاوى، وتشاركنا فى عدد من الأعمال، وبأخلاق الكبار شديد التواضع كريم فى تقديم ضيوفه، يتفاخر بكل من يجاوره على المسرح، لاقى الحفل نجاحًا كبيرًا، وكان مبتهجًا فرحًا بتلك المشاركة، لم يكن يقود الفرقة من بعيد، بل كان يعيش كل لحظة على المسرح، يشارك العازفين شغفهم، ويمنحهم الثقة والطاقة، فتتحول الحفلة إلى احتفال حقيقى بالموسيقى. تجربة إضافة لى وأعتز بها كثيرًا.

كذلك دعوته فى واحدة من حفلاتى بدار الأوبرا كنجم متلألئ، وأدهشنى حرصه الشديد على الالتزام بمواعيد البروفات، بمنتهى خفة الظل، التى تطفو بهجة وتفاؤلا على المكان بمن فيه، يتباسط مع الجميع، دمث الخلق، يحترم ويشجع كل العازفين فيخلق سعادة تشبه روحه البريئة النقية، يتعامل مع الحفل كحدث ضخم يقوم بإخراجه بكل تفاصيله ودقائقه البسيطة، لنتفق على رؤية شاملة للحظات المتعة التى نستشعرها على المسرح فى لحظة التلاقى مع الجمهور.

حضور إنسانى طاغٍ، يمتلك قدرة نادرة على التواصل مع الحضور يتواصل معهم ويشاركهم إحساسهم، يكسر الحاجز التقليدى بين الفنان والمستمع بكلمات عفوية، وابتسامات متكررة، وتعليقات تحمل خفة ظل وذكاء، كان يؤمن أن الجمهور ليس مجرد متلقٍ، بل شريك فى صناعة اللحظة الفنية، ولذلك كانت حفلاته دائمًا تنبض بالحياة.

رغم تقدمه فى السن؛ فإنه يحلم كشاب، ويضع الأمل نصب أعينه، ومن ضمن مشروعاته المنتظرة طلب منى تسجيل أعماله ولكن انشغالى الشديد بعمادة معهد النقد الفنى ثم سفرى إلى روما حال دون إتمام تلك المشاريع الفنية.

حقيقة برحيله، تفقد الموسيقى المصرية أحد أهم روادها، لكن ما تركه من ألحان وتجارب وذكريات ستظل حاضرة فى وجدان كل من أحب فنه، وكل من وقف إلى جواره على المسرح. وداعًا أستاذ هانى شنودة.. شكرًا لكل لحظة موسيقية صنعتها، ولكل ابتسامة زرعتها فى وجوه جمهورك، ولكل درس تعلمناه منك، ليس فقط فى الموسيقى، بل فى الحياة، تعلمنا منك الإيثار والشفافية والنبل وكيف يكون الفنان محبًا لجمهوره، صادقًا معهم، ومخلصًا لفنه حتى آخر نغمة.