الإثنين 10 أغسطس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان

«السوشيال ميديا» تهزم شباب بريطانيا

تحركات حكومية.. ودراسات: «الحمية الرقمية ضرورة»



 

لم تعد «السوشيال ميديا» مجرد أداة للتواصل فى بريطانيا؛ بل تحوّلت إلى عادة يومية تستهلك ساعات طويلة من حياة الملايين.

ووفقًا لتقرير صادر عن هيئة الاتصالات «أوفكوم» فى ديسمبر الماضى، أصبح البالغون فى المملكة المتحدة يقضون فى المتوسط نحو خمس ساعات يوميًا على الإنترنت، بينما يقضى من هم بين 18-24 سنة أكثر من ست ساعات، أى ما يقارب ربع اليوم.

وتشير بيانات «أوفكوم» إلى أن 67% من المستهلكين البالغين  لوسائل التواصل يدركون أنهم يقضون وقتًا طويلًا أمام الشاشات، وهذا الاستهلاك المتصاعد بدأ يترجم، وفق دراسات وهيئات طبية بريطانية، إلى مجموعة من الأعراض النفسية والجسدية التى تحاول الدولة والخبراء التصدى لها.

 

وأجرت جامعة «لندن كوليدج» دراسات طويلة المدى عدة على عينات تمثيلية، وفى دراسة نُشرت عام 2023 على مراهقين بريطانيين تابعتهم من سن 12 إلى 15، وجد الباحثون أن زيادة استخدام وسائل التواصل قد ترتبط بتراجع الصحة النفسية بعد عامين، مع أدلة على أن تراجع تقدير الذات يفسر جزءًا من هذه العلاقة.

دراسة أحدث للجامعة، شملت أكثر من 15 ألفًا، فرَّق الباحثون بين «المتابعة السلبية» للمحتوى و«النشر الفعلى»، لتخرج الدراسة بنتيجة أن نوع الاستخدام لا مدته فقط، هو ما يحدد الأثر فى الصحة النفسية.

وبحسب الدراسات الحديثة، فإن نسبة كبيرة من المستخدمين النشطين يقيّمون صحتهم النفسية بأنها سيئة، مقارنة بنسبة أقل بكثير بين المستخدمين الأقل تفاعلًا.

وتربط دراسات أخرى بين الاستخدام المفرط والشعور بالوحدة، وضغوط الصورة الجسدية، خصوصًا بين النساء.

جوانب خطرة

أخطر الجوانب التى يوثقها الخبراء البريطانيون تعرّض القاصرين لمحتوى يتعلق بالانتحار وإيذاء النفس واضطرابات الأكل. تأسست مؤسسة «مولى روز» تخليدًا لذكرى مولى راسل، الفتاة التى توفيت منتحرة عام 2017 بعدما تبين تعرّضها لمحتوى مؤذٍ على «إنستجرام» أثّر فيها سلبًا.

وبحسب تقرير للمؤسسة تلا بدء نفاذ قانون «سلامة الإنترنت»، فإن نحو نصف الفتيات بين 13-17 سنة، شاهدن محتوى عن الانتحار وإيذاء النفس والاكتئاب واضطرابات الأكل خلال أسبوع واحد على منصات مثل «تيك توك» و«إنستجرام»، وشاهدت واحدة من كل 5 فتيات محتوى يصوّر إيذاء النفس.

وترى «مولى روز» أن السبب الجذرى ليس المستخدمين  بل خوارزميات التوصية القائمة على تعظيم مدة التفاعل، التى ترصد إشارات الضعف النفسى عند المستخدم الصغير لتوجه له مزيدًا من محتوى مماثل.

وحذّرت الكلية الملكية للطب النفسى من أن الاستخدام غير المنظم للتكنولوجيا لدى الأطفال واليافعين يرتبط بأخطار نفسية، لافتة إلى غياب أدوات فعالة للتحقق من العمر فى كثير من المنصات، مع دعوتها إلى تدخل متخصص وأسرى لمناقشة عادات الشاشة مع العائلات.

ولا تقف الأضرار عند حدود النفس، فالجانب الجسدى بات موضع رصد متزايد من الأطباء والباحثين، حيث يؤدى التعرض للضوء الأزرق المنبعث من الشاشات، خصوصًا قبل النوم، إلى تثبيط إنتاج هرمون الميلاتونين، ما يصعّب الاستغراق فى النوم ويقلل جودته.

وتشير دراسات إلى أن قلة النوم المرتبطة بالاستخدام الليلى لوسائل التواصل ترتبط بدورها بأخطار صحية أوسع تشمل ارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب.

ويتراوح المعدل الوسطى لـ«إجهاد العين الرقمى» بين مستخدمى الأجهزة الذكية نحو 66%، تشمل أعراض هذا الإجهاد الجفاف وتشوش الرؤية والصداع.

ويستهلك الاستخدام الطويل للشاشات وقتًا كان يمكن تخصيصه للنشاط البدنى، وفق ما تسميه الأبحاث «فرضية الإزاحة»، وهو نمط يرتبط بدوره بزيادة أخطار السمنة.

وتلفت الدراسات إلى أن الانحناء المستمر لأسفل لمتابعة الهاتف يجهد عضلات الرقبة والعمود الفقرى، ولفتت لجنة العلوم والتكنولوجيا فى مجلس العموم البريطانى إلى تأثير الكتابة المستمرة على الشاشات بإصبع أو إصبعين فى مفاصل اليد عند الأطفال، وتربط دراسات بين الاستخدام المطوّل والشعور بالخدر والتنميل فى الرسغ.

بحسب «أوفكوم»، فإن 89% من البالغين المستخدمين للإنترنت فى بريطانيا يستخدمون منصة تواصل اجتماعى واحدة فى الأقل.

وترتفع النسبة إلى 97% بين من هم فى سن 16-34 سنة.

وعلى الرغم من أن الاستخدام «النشط» (النشر والتعليق) تراجع من 61 إلى 49% خلال عام؛ فإن «الاستهلاك السلبى» للمحتوى (حتى لو كانت مشاهدة دون تفاعل) يتزايد، وهو نمط تشير بعض الدراسات إلى ارتباطه بمشاعر سلبية أقوى مقارنة بالاستخدام التفاعلى.

ووجدت «أوفكوم» أن جزءًا كبيرًا من استخدام الشباب لمنصات وسائل التواصل مثل «يوتيوب» و«سناب شات» و«تيك توك» و«واتساب» يحدث بين التاسعة مساء والخامسة فجرًا، أى فى ساعات كان يفترض أن تخصص للنوم أصلًا.

 

 

 

سلامة الإنترنت

يمثل «قانون سلامة الإنترنت»، الذى دخل حيز التنفيذ منذ 2024، الأداة الرئيسة التى تفرض على منصات التواصل واجبات تجاه المستخدمين القاصرين، عبر تقييم الأخطار، وتطبيق أدوات «تحقق فعال من العمر»، وتصفية المحتوى الضار من نتائج تصفح الأطفال، وتقوم «أوفكوم» بدور المنظم والمنفّذ، وأصدرت فى 2026 طلبات معلومات رسمية لعشرات مقدمى الخدمة لمراجعة تقييمات الأخطار الخاصة بهم.

من الأسلحة التى أشهرتها الدولة فى مواجهة التأثيرات السلبية لاستخدام «السوشيال ميديا» أيضًا، إصدار مشروع قانون لحظر استخدام من هم دون 16 سنة لمنصات مثل «إنستجرام» و«تيك توك» و«سناب شات» و«يوتيوب» و«فيسبوك» و«إكس» فى يونيو الماضى، على أن يُعرض التشريع الجديد على البرلمان قبل عيد الميلاد، ويدخل حيز التنفيذ فى ربيع 2027، وأظهر استطلاع أن 9 من كل 10 آباء يدعمون هذا الحظر.

هذا التوجه لم يخل من انتقادات، حيث حذرت منظمات حقوقية مثل «بيج براذر ووتش» و«أوبن رايتس جروب»، من أن أدوات التحقق من العمر المقترحة، مثل مطابقة الهوية الحكومية أو تقدير العمر بالتعرف إلى الوجه، قد تنشئ نظام مراقبة رقمية واسعة يربط هوية كل بالغ بنشاطه على الإنترنت.

وتشير «مولى روز» نفسها إلى أن حظرًا شاملًا قد يمنح الأهل شعورًا زائفًا بالأمان دون معالجة جذرية للمشكلة فى تصميم الخوارزميات، وحوافز المنصات التجارية، وتدعو بدلًا من ذلك إلى تشديد قانون «سلامة الإنترنت» وتحميل المنصات مسئولية أكبر عن أنظمة التوصية.

 نصائح وانتقادات

مع تصاعد النقاش التشريعى، يقدّم أطباء نفسيون ومعالجون نصائح عملية للأفراد للحد من الأضرار، أولها «الاستخدام الواعى» بدل الآلى للأجهزة الذكية؛ إذ يوصى مختصون فى علم النفس بتحديد أوقات ثابتة وقصيرة (نحو 10 دقائق)، لتصفح الإشعارات أو الرسائل، بدل الدخول العشوائى المتكرر إلى المنصات على مدار اليوم.

وتشمل النصائح أيضًا فرض المستخدمين حظرًا تكنولوجيًا على أنفسهم أو أولادهم، قبل النوم وبعد الاستيقاظ، حيث ينصح المعالجون بتجنب استخدام الهاتف فى الساعة التى تسبق النوم مباشرة وفى الدقائق الأولى بعد الاستيقاظ، للحد من تأثير الضوء الأزرق فى النوم من جهة وتجنب بدء اليوم بمقارنات اجتماعية سلبية من جهة ثانية.

وأظهرت دراسة  شارك فيها متخصصون من الجمعية الأمريكية لعلم النفس أن أسبوعًا واحدًا من تقليص استخدام خمس منصات رئيسة من نحو ساعتين يوميًا إلى نصف ساعة، أدى إلى تراجع ملحوظ فى أعراض القلق والاكتئاب واضطرابات النوم، وهى نتائج وصفها الباحثون بأنها تعادل ما تحققه أسابيع من العلاج النفسى المكثف.

ويلفت مختصون فى أنماط السلوك إلى أن تقليص وقت الشاشة بمفرده ربما لا يكفى إن كان الاستخدام المفرط ناتجًا من التوتر أو الوحدة أو تدنى المزاج، فبناء دعم اجتماعى حقيقى فى الحياة اليومية غالبًا ما يقلل الحاجة إلى «الهرب» الرقمى بصورة طبيعية.

فى المقابل، تحذّر أبحاث جامعة «دورهام» من الإفراط فى تبنى خطاب «الإدمان» الرقمى دون تمييز، ووجدت دراسة للجامعة أن مجموعة من المشاركين طُلب منهم الانقطاع عن وسائل التواصل لأسبوع لم يشعروا بتحسن فى رفاهيتهم النفسية، بل سجلوا تراجعًا فى المشاعر الإيجابية، لأن وسائل التواصل توفر أيضًا مكاسب اجتماعية حقيقية مثل الشعور بالانتماء والتقدير.

ويرى الباحثون أن المقاربة الأنسب تشبه «تعديل النظام الغذائى» أكثر من «الانقطاع الكامل»، أى معرفة الحدود الصحية، وإلغاء متابعة الحسابات التى تسبب شعورًا سيئًا، بدل قطع العلاقة بالمنصات جملة وتفصيلًا.

فى المحصلة، يبدو أن بريطانيا تواجه معضلة مزدوجة: مجتمع أصبحت فيه وسائل التواصل جزءًا بنيويًا من الحياة اليومية لـ9 من كل 10 بالغين متصلين بالإنترنت، فى وقت تتكشف فيه أدلة متراكمة على صلتها بمشكلات نفسية مثل: القلق والاكتئاب وتدنى تقدير الذات والتعرض لمحتوى شديد الخطورة لدى الفئات الأصغر سنًا، وجسدية مثل: اضطراب النوم وإجهاد العين وآلام الرقبة والظهر.

وبين تشريع يحاول ضبط المنصات، وخبراء يوصون بتغيير طريقة الاستخدام الفردى بدل قطعه كليًا، يبقى التحدى الأكبر هو إيجاد توازن بين فوائد التواصل الرقمى من دعم وتعلم وترفيه، وحماية الصحة النفسية والجسدية من أضراره التراكمية.