عادل حافظ
من الألم إلى الأمل!
فى صمت أجنحة المستشفيات، يعتمد الملايين اليوم على جهاز غسيل الكلى لإنقاذ حياتهم عندما يصابون بالفشل الكلوي. ورغم اعتياد الناس عليه، قليلون فقط يعرفون عن مبتكره الطبيب الهولندى «ويليم يوهان كولف»، الذى يُعد الأب الشرعى لهذا الإنجاز الطبى بفضل إصراره لتخفيف معاناة المرضى.
وُلد ويليم كولف عام 1911 بمدينة «لايدن» الهولندية، فى زمنٍ كان الطب فيه أقرب إلى الفلسفة منه إلى التكنولوجيا، ونشأ فى بيت يعرف الألم الإنسانى عن قرب؛ فوالده «جاكوب كولف»، كان طبيبًا ومدير مصحة لعلاج مرض السل، وبالتالى كان الحديث عن المرض جزءًا من الحياة اليومية، حيث تعلم كولف أن الجسد ليس آلة صامتة، وأن المريض ليس رقمًا أو حالة، بل روح خائفة تتشبث بالحياة.
وخلال دراسته للطب، لاحظ كولف أن مرضى الفشل الكلوى كانوا يواجهون وضعًا صعبًا دون علاج فعّال، إذ كان الطب يكتفى بالتشخيص ويعتبر الصمت موقفًا حكيمًا. رفض كولف الاستسلام، مؤمنًا بأن دور الطبيب هو البحث عن حلول عملية حتى فى أصعب الحالات.
ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية واحتلال هولندا، واجه كولف صعوبات شديدة بسبب نقص الموارد والمعدات فى مستشفى صغير بمدينة «كامبن» بمقاطعة «أوفرآيسل» الهولندية. ورغم ذلك، قادته الظروف القاسية للتساؤل: هل ما زال بإمكاننا فعل شىء، أم علينا تجاهل الأمر؟
فبدأ تجاربه لإيجاد حل لمرض الفشل الكلوى فى ظروف تكاد تكون عبثية. لم تكن لديه أجهزة حديثة، فصنع آلته الأولى للغسيل الكلوى من أشياء مهملة.. شرائح خشبية وأسطوانة غسالة ملابس قديمة وسلسلة دراجة هوائية وأغلفة سيلوفان تستخدم فى صناعة النقانق وأنابيب مطاطية ومحرك ماكينة خياطة ونظام تبريد سيارة فورد تى، وألومنيوم وخزان مياه. فلم يكن هذا مجرد اختراع بدائى، بل كان إعلانًا صامتًا بأن الإبداع لا ينتظر الكمال.
كانت المحاولات الأولى مؤلمة، فلم ينجُ 16 مريضًا من الموت. ومع كل وفاة، كان السؤال يزداد ثقلًا، لكن التراجع لم يكن خيارًا.
وبالفعل فى عام 1945، وبعد فترة طويلة من المثابرة والتجارب المضنية، شهد العالم لحظة فارقة ستخلد فى التاريخ.
ففى تلك السنة، حقق نجاحه السريرى الأول عندما تمكن من إنقاذ حياة امرأة تبلغ من العمر 67 عامًا، كانت قد دخلت فى غيبوبة بسبب الفشل الكلوى الحاد. وبفضل الجهاز الذى ابتكره، استعادت المريضة وعيها ونجت من مصير كان يبدو حتميًا، ليسجل ذلك أول حالة إنقاذ موثقة باستخدام تقنية كولف فى العالم.
فى تلك اللحظة، لم يكن الأمر مجرد إنقاذ لمريض واحد فقط، بل كان تحطيمًا لحاجز نفسى راسخ، كان يهمس فى أذهان الأطباء والمرضى على حد سواء أن بعض الأمراض أقوى من إرادة الإنسان.
لم يحتكر كولف براءة اختراعه لنفسه، بل أرسل تصميمات الجهاز إلى مراكز الأبحاث والمستشفيات فى أنحاء العالم، ليتم العمل على تطويره.
وبعد الحرب فى عام 1950، أدرك كولف نقص الموارد لإجراء بحوث متقدمة فى أوروبا، فقرر الهجرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية، مع زوجته «جانكى» وأبنائه الخمسة. ليبدأ العمل فى مؤسسة «كليفلاند كلينك» بولاية «أوهايو»، حيث واصل تحسين تصميماته لجهاز الغسيل الكلوى، وأسهم فى تطوير جهاز القلب والرئة الاصطناعية.
استمر كولف فى الابتكار، حيث ساهم مع «روبرت جارفيك» - مطور جهاز «جارفيك- 7» - فى تطوير القلب الصناعى القابل للزرع، وتم زرع أول قلب اصطناعى فى إنسان عام 1982، وهو المريض «بارنى كلارك» الذى عاش 112 يومًا بعد العملية، ليكون علامة فارقة أخرى فى التكنولوجيا التى تحافظ على الحياة.
حصل كولف على أكثر من 120 جائزة دولية و13 دكتوراه فخرية، ومن بين الجوائز المرموقة التى نالها جائزة «ألبرت لاسكر» للأبحاث الطبية السريرية، واعتراف به كواحد من 100 أهم شخص فى القرن العشرين.
تابع كولف البحث العلمى بلا كلل، حتى فى سنوات التسعينات من عمره، محاضرًا ومطورًا لتقنيات استبدال الأعضاء، ولم يتقاعد بشكل كامل إلا عام 2006.
رحل كولف.. تاركًا إرثًا لا يقاس بالأجهزة وحدها، بل بالأرواح التى استمرت بفضل عزيمته، وأن التقدم الحقيقى يقاس بالشجاعة الأخلاقية فى مواجهة الألم والسعى لإنقاذ حياة الآخرين.