لماذا يموّلون أفكار «الأفروسنتريك»؟
زينب كمال
محاولات لتزييف التاريخ بـ «السوشيال ميديا» وأكاذيب «الفراعنة السود»!
خلال القرن العشرين برز عدد من المفكرين الذين مهدوا الطريق لأفكار المركزية الأفريقية «الأفروسنتريك» من بينهم المؤرخ السنغالى الشيخ أنتا ديوب، الذى زعم أن الحضارة الفرعونية كانت حضارة زنجية، ودعا إلى التخلى عن الأديان السماوية الإبراهيمية والعودة إلى المعتقدات الأفريقية القديمة، ثم جاء بعده الأكاديمى الأمريكى موليفى أسانتى، الذى صاغ مصطلح الأفروسنتريزم رسميًا ووضع أسس النظرية التى تزعم أن الاسم التاريخى لمصر كيميت يعنى حرفيًا أرض السود فى إشارة إلى لون بشرة السكان، متجاهلين تفسير علماء المصريات الذين يؤكدون أن المقصود هو الأرض السوداء الخصبة التى تكونت بفعل طمى النيل وفيضانه.

وتطرح كتابات مفكرى الحركة أفكارًا تدعى أن الآثار المصرية تعرضت للتخريب والتشويه المتعمد من جانب المستشرقين وعلماء المصريات الغربيين، بهدف طمس الأنوف والملامح الزنجية لملوك الفراعنة وإخفاء أصولهم الأفريقية الحقيقية، لكن الاكتشافات الأثرية الميدانية تكشف عدم صحة هذه المزاعم، إذ كان تحطيم أجزاء محددة من التماثيل طقسًا دينيًا مرتبطًا بالدفن، عُرف باسم قتل التمثال، أحيانًا وفى فترات زمنية محددة وكان الهدف منه منع الروح من العودة للحياة أو إلحاق الأذى بالخصوم السياسيين والدينيين فى فترات الصراع المختلفة.
استغلت الحركة ضعف الوعى التاريخى لدى بعض الفئات لتوسيع نفوذها عبر وسائل الإعلام الغربية وعالم الأزياء وموسيقى الراب، مستهدفة التأثير على وعى الجاليات الأفريقية فى الخارج، ويصنف المؤرخون هذه الطروحات باعتبارها تفتقر إلى الأساس العلمى وتعتمد على محاولة ربط نفسها بأعظم حضارات العالم لتعويض غياب إنجازات حضارية مماثلة فى السردية التى تطرحها.
المغالطة النوبية!
يمثل الخلط بين النوبة المصرية ومملكة كوش القديمة أحد أهم المداخل التى يستخدمها دعاة الأفروسنتريك فى طرح رواياتهم التاريخية، فالنوبة المصرية كانت جزءًا أصيلًا من الدولة المصرية عبر التاريخ، وعاش النوبيون شركاء أساسيين فى حماية الحدود والمشاركة فى بناء الحضارة المصرية على امتداد وادى النيل، دون انفصال عن الهوية الوطنية المصرية التى تأسست على التنوع الحضارى والثقافى المستمر منذ آلاف السنين.

أما مملكة كوش فقد نشأت ككيان سياسى وثقافى مستقل فى مناطق السودان الحالية جنوب الشلال الثانى، وتأثرت بشكل كبير بالحضارة المصرية نتيجة امتداد النفوذ المصرى جنوبًا لتأمين طرق التجارة ومناطق استخراج الذهب، وقد تبنى ملوك كوش الكتابة الهيروغليفية وبناء الأهرامات وعبادة الآلهة المصرية مثل آمون وإيزيس، فى صورة واضحة من التأثر بالثقافة المصرية التى انعكست على النخبة الحاكمة هناك.
وتستغل بعض الفيديوهات المنتشرة على مواقع التواصل الاجتماعى فترة الأسرة الخامسة والعشرين للترويج لفكرة الفراعنة السود، وتصوير الملوك الكوشيين على أنهم مؤسسو الحضارة المصرية، لكن الوثائق التاريخية تشير إلى أن تحرك ملوك كوش نحو الشمال والسيطرة على مصر جاء فى إطار ظروف سياسية ودينية معقدة، وكان هدفهم المعلن حماية التقاليد والعقائد الفرعونية التى رأوا أنها تتعرض للضعف والتراجع ولم يستمر حكمهم طويلًا، وعادت السلطة إلى أسرة مصرية حكمت البلاد بعد ذلك.
وحرص المصريون القدماء على تسجيل الفوارق التى رأوها بينهم وبين الشعوب المجاورة، بما فيها الشعوب التى عاشت جنوب مصر، وتظهر العديد من الجداريات والمناظر التاريخية تصوير «الكوشيين» فى سياقات الحروب والصراعات العسكرية، كما سجلت بعض الوثائق الحدودية القديمة قيودًا على حركة العبور بين المناطق الجنوبية والشمالية إلا لأغراض محددة مثل التجارة، وهو ما يعتبره باحثون دلالة على وجود تمييز واضح بين الكيانين السياسيين.

الوعى الرقمي
أصبحت منصات التواصل الاجتماعى، وفى مقدمتها تطبيق تيك توك، بيئة خصبة لانتشار الفيديوهات القصيرة التى تقدم معلومات تاريخية غير دقيقة أو خارج سياقها الصحيح، وتعتمد بعض الجهات المؤيدة للأفروسنتريك على إنتاج مقاطع مصممة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعى لإعادة تشكيل ملامح بعض الشخصيات التاريخية المصرية وإظهارها بصفات مختلفة، ثم يتم تداول هذه المواد على نطاق واسع باعتبارها حقائق تاريخية.
وتعانى أعداد كبيرة من الشباب والطلاب من ضعف المعرفة بالتفاصيل الدقيقة لتاريخهم وحضارتهم، وهو ما يسهل انتشار المعلومات الخاطئة، وتستفيد هذه المواد من طبيعة المحتوى السريع الذى يكتفى بعرض صور ومقاطع جذابة دون تقديم أدلة أثرية أو وثائق علمية تدعم ما يطرحه، ما يجعل الكثيرين يتقبلون هذه الأفكار دون تمحيص أو تدقيق علمى كاف يحميهم من هذا الغزو الفكرى الرقمى المتسارع.
وتستغل بعض المجموعات زياراتها للمواقع الأثرية والمتاحف المصرية لالتقاط صور ومقاطع فيديو تظهر أفرادها وهم يشرحون للزوار تاريخًا يصفونه بأنه تاريخ أجدادهم، وفى بعض الأحيان يتم تصوير مشاهد مع بائعين أو عاملين بالمواقع الأثرية يبدون موافقة مجاملة على ما يقال أمام الكاميرا، ثم تُستخدم هذه المقاطع لاحقًا باعتبارها دليلًا على اعتراف المصريين أنفسهم بهذه الروايات التاريخية.
وينشط فى الفضاء الرقمى عدد من صناع المحتوى الذين يمتلكون إمكانات مالية كبيرة تسمح لهم بإنتاج أفلام قصيرة وأغانٍ وأعمال ترفيهية تسهم فى نشر هذه الأفكار وترسيخها لدى الأجيال الجديدة، وفى المقابل، تعانى المبادرات العلمية والثقافية التى تقدم محتوى موثقًا من ضعف الانتشار، ما يبرز الحاجة إلى إنتاج مواد بصرية حديثة ومبسطة بلغات مختلفة تشرح الحقائق التاريخية وترد على المعلومات المضللة بطريقة جذابة وسهلة الفهم.
وتحذر الأوساط السياسية والأكاديمية من أن هذه الحملات تؤدى إلى تشويه التاريخ وإثارة خلافات تتعلق بالهوية والانتماء، حيث إن إعادة تفسير التاريخ بصورة انتقائية قد تستخدم فى خدمة أهداف سياسية أو أيديولوجية تسعى إلى إعادة تشكيل التصورات العامة حول شعوب ومناطق معينة وتجريدها من حقوقها التاريخية والوطنية المستقرة.

وفى المقابل شهدت وسائل التواصل الاجتماعى ظهور حملات شبابية واسعة للدفاع عن الهوية التاريخية المصرية والرد على ما يعتبرونه معلومات غير دقيقة، ونجحت بعض هذه الحملات فى لفت الانتباه إلى القضية وإثارة نقاشات واسعة حولها، إلا أن هذا الصراع الفكرى أدى أحيانًا إلى ظهور مجموعات تتبنى أفكارًا متشددة مضادة، ما يحول النقاش من الدفاع عن التاريخ إلى خطاب يقوم على الكراهية أو التمييز ضد الآخرين.