الإثنين 10 أغسطس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان

أيام مع فاتن حمامة

كيف اكتشفت «سيدة الشاشة» موهبة «إمبراطور الموسيقى»؟



 

شكّل الموسيقار الراحل هانى شنودة منعطفًا تاريخيًا فى موسيقى السبعينيات، مستلهمًا من أدب الروائى العالمى «صاحب نوبل» نجيب محفوظ، فكرة تأسيس فرقة «المصريين» التى اعتبرت أول تجربة منظمة لتحديث البنية الصوتية للأغنية المصرية، قام بتفكيك قواعد «التخت الشرقي» التقليدى، واستبدله بتشكيل جديد يضم آلات غربية حديثة، مثل: الكيبورد والدرامز والجيتار، لم يكن الهدف المحاكاة، بل المزج، فنجح فى دمج هذه الآلات مع الإيقاعات الشرقية السريعة والجمل اللحنية الرشيقة، بما يتناسب مع إيقاع العصر وتطلعات الشباب آنذاك، أنتجت الفرقة أعمالًا أصبحت علامات، مثل: «ماشية السنيورة» و«بنادى عليك» و«إزاى».

 

لم يقتصر تأثير شنودة على التلحين والتوزيع فقط، بل امتد إلى صناعة الجيل الجديد من المطربين، مثل: عمرو دياب، فهو المكتشف الأول له، وصاحب فضل تقديمه للجمهور عبر فرقة المصريين، أما محمد منير، فكان شنودة الداعم والأب الروحى له فى بداياته الفنية، وساهم فى تشكيل هويته الموسيقية الممزوجة بين النوبى والغربى، كما أن شنودة أحدث نقلة نوعية فى الغناء الشعبى، عبر لحن «زحمة يا دنيا زحمة» للفنان أحمد عدوية، فنقل الأغنية الشعبية من القالب التقليدى إلى معالجة عصرية، فضلًا عما أضافه للطرب الأصيل، حيث قدم للفنانة نجاة الصغيرة كلاسيكية «أنا بعشق البحر»، محققًا معادلة نادرة بين النص الراقى والتوزيع المعاصر الصاخب.

فى السينما نقل هانى شنودة مفهوم الموسيقى التصويرية من خانة «المصاحبة» إلى خانة «البناء الدرامي»، فتجاوز فكرة محاكاة المشهد، وقدم بُعدًا نفسيًا وفلسفيًا للموسيقى، وتأكد ذلك فى تعاونه الممتد مع النجم عادل إمام فى أفلام شكلت ذاكرة السينما مثل: «شمس الزناتي»، «المشبوه»، «الحريف»، و«الغول»، حتى أصبحت موسيقاه عنصرًا أساسيًا فى بناء الشخصيات، وليست مجرد خلفية صوتية.

 

 

 

وكانت سيدة الشاشة العربية فاتن حمامة هى أول من اكتشفت موهبة شنودة فى الموسيقى التصويرية، وبدعم منها وضع الموسيقى التصويرية لفيلمها «ولا عزاء للسيدات» عام 1979 فكان أول عمل سينمائى يضع موسيقاه التصويرية لتبدأ رحلته الطويلة مع السينما والدراما المصرية.

نال شنودة خلال مسيرته أرفع التكريمات الرسمية والفنية، وكان من بينها جائزة الدولة التقديرية، تقديرًا لدوره فى تجديد الوجدان الموسيقى المصرى، وهو الأب الروحى لجيل الوسط فى الموسيقى، وصاحب مدرسة فكرية تقوم على ثلاثة محاور: احترام الكلمة، جرأة التوزيع، والارتباط بنبض الشارع، ورغم شهرته الكبيرة، كان يرفض المجاملات الفنية، مؤكدًا أن اختياره للمطربين يعتمد على الموهبة والانضباط أكثر من الشهرة والعلاقات الشخصية، وبرحيل هانى شنودة نطوى صفحة من صفحات التجديد الجريء فى الموسيقى العربية، لكن الإرث الذى تركه حى، فهو لم يقدم ألحانًا فقط، بل قدم منهجًا: كيف يمكن للموسيقى أن تكون معاصرة دون أن تفقد جذورها، وكيف يمكن للفنان أن يكون مكتشفًا وصانعًا للذوق العام، سيبقى صوت «المصريين» وألحانه السينمائية مرجعًا أساسيًا للأجيال الفنية المتعاقبة.