الإثنين 10 أغسطس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان

أمينة أشهر صحفية فى مصر

أكتب هذه الحكايات والذكريات من الذاكرة واعتمادا على بعض ما أمكن جمعه من مواد وصور، وأترك لنفسى حرية التجوّل فى دوائر الذكرى دون تخطيط مسبق حتى أشعر براحة ومتعة لا تحققها عملية التوثيق الأرشيفية ولا يتحقق معها للقارئ ذلك الشعور بالمتعة والمؤانسة.



ومع أن الحكايات والومضات تتزاحم فى رأسى، ومع أن بعض الأسماء تختفى من شريط الذاكرة بفعل التقادم، وتشابك الأحداث والوقائع والشخصيات والمشاعر، فإن ما يهمنى أكثر هو جوهر كل حكاية أو ومضة أو واقعة.

 

لا يكتمل الحديث عن رواد الصحافة فى مصر فى الـ 60 سنة الأخيرة دون ذكر أمينة السعيد.. 

 ليس فقط لأنها أول مصرية تعمل بالصحافة وأول صحفية تتولى رئاسة مجلس إدارة مؤسسة عريقة، ولا فقط لكونها واحدة من أربع فتيات كن أول من التحقن بالجامعة فى أوائل ثلاثينيات القرن العشرين.

 

 

 

 

ولا أيضًا لأنها كانت تكتب فى الصحافة وهى طالبة جامعية فى وقت لم تكن المرأة قد دخلت فيه عالم الصحافة، وليس كذلك لكونها ارتبطت فى سن مبكرة برائدة تحرير المرأة، هدى شعراوى وانضمت للتنظيم النسائى الذى أنشأته، بينما كانت هى فى الرابعة عشرة.

وكذلك لا لكونها داعية شجاعة للدفاع عن حقوق المرأة طوال حياتها التى امتدت أكثر من 80 عامًا.. 

لكل هذه الأسباب وكثير غيرها، تحوّلت أمينة السعيد إلى أيقونة فى حياتنا العامة وفى صحافتنا.

فهى رئيسة تحرير ومؤسسة أول وأشهر مجلة تعنى بشئون المرأة ليس كربة بيت فقط ولكن كشريكة فى الحياة العامة.

مجلة «حواء» التى صدرت سنة 1954 وكانت ثورة فى الحياة الاجتماعية للمرأة والأسرة، حاملة دعوة التحرير والنهوض والمساواة فلم تنشغل بمسائل الطبخ والماكياج والموضة وتربية الأطفال والعناية بالبيت فقط، بل انشغلت أولًا بتنمية شعور المرأة بأنها شريك فاعل فى حياة المجتمع ولا بد لها من تطوير قدراتها وثقافتها ووعيها ليتسنى لها القيام بدورها والارتقاء بمكانتها. 

وكان هذا سر الإقبال على المجلة التى سجلت أرقام توزيع هائلة لم تحققها غيرها بلغت 170 ألف نسخة كل أسبوع. وقد يدهش من يقرأ أن «حواء» كانت مجلة يقرؤها الرجال أيضًا لما تحمله من أفكار ومفاهيم تسهم فى نهضة مصر.

كانت الريادة

مع أننى لم أتشرف بلقائها والتعرّف عليها شخصيًا، إلا أن ذلك لم يحل دون إعجابى بمكانتها ودورها الريادى فى الصحافة وفى حياتنا الاجتماعية وفى مواجهة التخلف والسلفية ودعوات أدعياء الدين لعودة المرأة لعصر الحريم. 

كان من الطبيعى أن أتتبع تاريخ حياة هذه الكاتبة التى كانت والدتى فى منتصف الخمسينيات من القرن الماضى تحرص على قراءة مقالها الأسبوعى الشهير فى مجلة «المصور» ومجلتها الأسبوعية واسعة الانتشار «حواء».

كنت فى العاشرة من عمرى أطالع الصحف والمجلات والكتب.. وكان اسم أمينة السعيد من الأسماء البارزة وربما كانت الصحفية الوحيدة التى عرفت اسمها بعد اسم سيدة الصحافة فاطمة اليوسف..

وعرفت أنها صعيدية من أسيوط وأن والدها كان طبيبًا مشهورًا هناك وحرص على تعليم كل أولاده وبناته وأنه شجع أمينة على الالتحاق بالجامعة حتى أنه ترك شهرته فى أسيوط وانتقل بعمله إلى القاهرة ليكون بجانبها كما أنه هيأها لأن تكون صاحبة رأى وموقف وأن تملك الشجاعة لإعلان موقفها.

كان دخولها الجامعة مع أول ثلاث بنات أخريات واقعة مثيرة فى بداية ثلاثينيات القرن الماضى.

فجامعة فؤاد الأول (القاهرة.. الآن) لم تكن تقبل دخول البنات، لكن «مؤامرة» اشترك فيها وزير المعارف (التعليم) وقتها أحمد لطفى السيد والدكتور طه حسين عميد كلية الآداب، تم خلالها إلحاق البنات بالجامعة بشكل سرّى.

 

 

 

وعندما علم الملك فؤاد بذلك استنكره وطلب طرد البنات من الجامعة.. لكن الوزير وهو من كبار دعاة النهضة، أعلن أن الوقت قد فات وأن ذلك لم يعد ممكنًا.

التحقت أمينة بقسم اللغة الإنجليزية فى كلية الآداب وفى الوقت نفسه كانت تكتب فى مجلات وصحف مختلفة هى «مجلة الأمل» و«آخر ساعة» وجريدة «كوكب الشرق». 

وبعد تخرجها سنة 1935 أصبحت أول مصرية تمارس مهنة الصحافة.

وكان ذلك فى مجلة «المصور».

وهكذا كانت البداية التى دامت طويلًا وأصبح لها باب شهير تناقش فيه شكاوى وتعالج مشاكل وتثير قضايا مهمة فى حياة المجتمع المصرى هو «اسألونى» الذى داومت على كتابته نحو 40 عامًا، وحقق إقبالًا وشهرة امتدت إلى العالم العربى كله.

وبجانب استمرارها فى كتابة هذا الباب الذى حقق نجاحًا لافتًا، تم اختيارها لتؤسس وترأس تحرير مجلة «حواء» طوال 35 سنة.

وعند وفاة فكرى أباظة رئيس تحرير «المصور» اختيرت لتولى المنصب بعده.

وبعدها أصبحت أول امرأة فى مصر والوطن العربى تتولى منصب رئيسة مجلس إدارة دار صحفية.. هى «دار الهلال».  شجاعة 

لم تكن أمينة السعيد مجرد كاتبة صحفية بل كانت داعية شجاعة لتحرير المرأة والنهوض بالوطن والتخلّص من أسباب التخلّف والأفكار الرجعية.

 

 

 

 

وتميزت بالشجاعة فى التصدى لكل أصحاب الفكر السلفى المتخلف بقلمها وأفكارها.

ومن هنا يبرز دورها فى التغيير الاجتماعى والتقدم الذى شهدته البلاد بمساهماتها الرائدة وبالأجيال من الصحفيات والصحفيين وغيرهم الذين كانت ترعاهم وترشدهم وتحتفى بقدراتهم ومواهبهم. 

وطوال تاريخها الصحفى خاضت معارك ونضالات وشاركت فى قيادة الجماعة الصحفية بانتخابها كأول امرأة لعضوية مجلس نقابة الصحفيين وأيضًا وكيلة للنقابة.

وأيضًا الاتحاد النسائي.. وبين القضايا التى أثارتها بهدف النهوض بالمرأة والمجتمع، كانت هناك قضايا تتعلق بالأغلبية من المواطنين حيث طالبت بخفض الضرائب على المواطن وطالبت وقادت ثورة نسائية تدعو للمساواة مع الرجل و«لا برلمان بدون نساء».

وطالبت بعدم التمييز بين النساء والرجال فى العمل.

ومع أنها نالت تقدير الرئيس جمال عبد الناصر بمنحها وسام الاستحقاق من الدرجة الأولى عام 1963، وحصلت على وسام الجمهورية من الرئيس السادات سنة 1981 إلا أنها فى 5 سبتمبر من العام نفسه وجدت نفسها معتقلة بأمر السادات ضمن قراره بالقبض على كل الشخصيات المعبرة عن ألوان الطيف الفكرى والسياسى فى مصر (1800 رجل وامرأة) وهو إجراء مخالف لكل منطق ومعادى لكل الناس.. تم بعده بشهر واحد اغتيال السادات.

وحتى آخر أيامها كانت الرائدة الكبيرة تصارع وتعانى من تدهور أحوال المرأة والمجتمع، بعد اتساع ظاهرة التطرف الدينى واتهام أدعياء الدين وخلطه بالسياسة لها بالانحراف عن الدين والمطالبة بمنعها من الكتابة.. وتصدت بشجاعة لهذه الادعاءات. 

رحلة الأدب

بسبب شهرتها كرائدة فى الصحافة وتحرير المرأة والتنوير الاجتماعى، ينسى كثيرون دورها الريادى فى عالم الأدب والرواية بصفة خاصة فهى رائدة تعتبر أول كاتبة فى مصر والدول العربية لروايات وقصص تتناول معاناة المرأة فى مجتمع يعاديها ويقلل من شأنها ويحرمها من أن تكون إنسانة كاملة الحقوق والحضور فى المجتمع.

وكانت هذه الرواية علامة فارقة فى تاريخ الأدب العربى وتحولت إلى منار لكل كاتبات مصريات وعربيات ظهرن بعدها. وبدأت الأديبة أمينة السعيد كتابة ونشر أعمالها وإبداعاتها فى عام 1943 بعد نحو عشر سنوات من بدء عملها الصحفى وأول كتاباتها الأدبية كانت مجموعة قصصية بعنوان «أوراق الخريف».

 

 

 

 

تلتها روايتها الأولى «الجامحة» ونشرت ضمن سلسلة دار المعارف الشهيرة «اقرأ» عام 1950.. ولها رواية أخرى «وجوه فى الظلام» صدرت عام 1963 ثم مجموعة قصصية ثانية «الهدف الكبير» 1985.

وقد كتبت وترجمت أعمالًا مهمة.. فأصبحت رائدة متعددة مجالات الريادة.