اسألونى.. ليه الوقت بيجرى بسرعة؟
رانيا رءوف
على ميل «اسألونى» وصلت رسالة من «أحمد» جاء فيها:
«بكتب لحضرتك النهاردة وأنا مشغول بفكرة يمكن تكون شغلت ناس كتير قبلى، لكن لأول مرة أحس إنها بتوجعنى بالشكل ده.
فكرة الوقت.
الوقت بقى يعدى بسرعة البرق.. بياخد كل حاجة منى، زمان كنت فاكر إن الوقت ساعات بتعدى، ويوم يخلص وييجى يوم جديد، وشهر يروح وييجى بعده شهر.
كنت بشوفه أرقام على الساعة وخلاص، لكن كل ما كبرت شوية اكتشفت إن الموضوع أكبر من كده بكتير. واكتشفت إن الوقت مش مجرد وقت، لكنه عمرى نفسه».
أحمد أنهى رسالته قائلًا: إحساسي بالوقت ومروره السريع بقى أزمة ومشكلة مابقتش عارف أتعامل معها ازاى؟!
انتهت رسالته المؤثرة، وبصراحة تركت ذهني معلقًا بفكرة الوقت.. اللى أنا مؤمنة إنه «حرامى» ذكى وماهر..
كل دقيقة تقريبًا بتعدى من غير ما نحس، هى فى الحقيقة جزء من حياتنا بيروح ومش بيرجع تانى.
والمشكلة إن الوقت بيسرق عمرنا فى هدوء شديد، من غير صوت ومن غير استئذان، لحد ما نلتفت ورانا فجأة ونلاقى سنين كاملة راحت، ونقول باستغراب: إمتى ده كله حصل؟
والسؤال اللى بيسأله ناس كتير: ليه الوقت بقى بيجرى بالشكل ده؟
ليه العمر بيعدى بسرعة وإحنا لسه واقفين مكاننا؟
أظن إن السبب الحقيقى إن أغلبنا يحيا كثيرًا على كلمة واحدة: «بعد شوية».
بعد شوية هبدأ. أو بعد شوية هغير حياتى.. أو بعد شوية هتعلم حاجة جديدة أو بعد شوية ههتم بصحتى بعد شوية هقرب من ربنا أكتر، بعد شوية هشتغل على حلمى.
وكأن العمر مضمون، فإن الفرصة هتفضل موجودة، وإن بكرة أكيد جايب معاه وقت زيادة.
لكن الحقيقة غير كده.
الحقيقة إن «بعد شوية» أخطر كلمة ممكن الإنسان يقولها لنفسه.
لأن الشوية بتبقى شهر، والشهر يبقى سنة، والسنة تبقى سنين - وفجأة نكتشف إن العمر بيتسحب من بين إيدينا وإحنا فى انتظار اللحظة المناسبة.
وأحيانًا نشعر إن الوقت أقسى شيء فى الدنيا.
الوقت أحيانًا أقسى من الموت نفسه.
لا ينتظر أحدًا.
ممكن أنا وأنت نوقف شغلنا.. ممكن نأجل أحلامنا.. ممكن نهرب من مسئولياتنا.
لكن الوقت عمره ما هيقف، هيمشى سواء كنا جاهزين أو لأ.
سيمر مرور الكرام.
سواء كنا سعداء أو حزانى. سواء كنا بننجح أو بنضيع فرصنا.
ده اللى بيخلّى ناس كتير فى آخر الطريق يكتشفوا إنهم كانوا عايشين على وهم إن لسه قدامهم وقت، مع إن الحقيقة إن كل ما كان لديهم هو اللحظة اللى بين إيديهم وقتها.
نظرة على يوم فى حياة أى إنسان، اكتشفت إن العمر مش بيضيع مرة واحدة، لكنه يضيع فى «حاجات صغيرة جدًا». ساعة على الموبايل أو ساعة فى كلام ملوش فايدة.
ساعة فى مقارنة نفسى بالناس.
وساعة فى القلق من حاجات لم تحدث بعد.
كل ساعة تبدو بسيطة، لكن لما تتجمع تبقى مصيبة.
تخيل إنك تضيع ساعتين كل يوم.
بعد سنة كاملة ستجد إنك ضيعت أكتر من شهر من عمرك فى لا شيء. شهر كامل كان ممكن تتعلم مهارة جديدة. أو تخلص كورس. أو تبدأ مشروع صغير. أو تقرأ كتب تغير طريقة تفكيرك، أو حتى تكتشف نسخة أفضل من نفسك.
ومع الوقت فهمت شيء مهم. إن الوقت لا يمر فقط لكنه يكشف أيضًا.
يكشف الناس على حقيقتها. بيكشف الصادق والمتظاهر. يكشف من أحب فعلًا ومن كان مجرد مستفيد.
ومش بس كده.. ده بيكشفنا إحنا كمان. بيكشف إذا كنا بنتقدم ولا واقفين مكاننا. وما إذا كنا بنتعلم من أخطائنا أم بنكررها كل مرة.
ويكتشف أيضًا إذا كانت السنين بتكبرنا فعلًا ولا مجرد أرقام بتزيد فى البطاقة.
لذلك كل دقيقة ليها ثمن. مفيش وقت مجانى ولا وقت إضافى، كل لحظة بتعدى يا إما بتبنى بيها حاجة، يا إما بتخسرها للأبد.
اللى بيتعب النهارده عشان حلمه، غالبًا هيرتاح بكرة.
واللى بيهتم بصحته النهاردة، هيوفر على نفسه تعب كتير بعدين.
واللى يستثمر وقته فى التعلم والعمل، أكيد هيحصد نتيجة يومًا ما.
فالوقت لا يجامل أحدًا، لكنه يعطى كل إنسان نتيجة اختياراته.
وأصعب وجع ممكن يشعر به الإنسان هو وجع الندم.
والتعب مهما كان ألمه، بيعدى. لكن الندم يقتل، لأننا بسهولة لا نستطيع إرجاع عقارب الساعة للوراء.
بعد مرور الوقت يدخل الإنسان دائرة الندم يا ترى لو كنت بدأت وقتها؟
لو كنت أخدت الخطوة دي؟ لو كنت بطلت تأجيل؟
والمشكلة كثيرون يقولون: «مفيش وقت». مع إن الحقيقة إن كلنا عندنا نفس الأربع وعشرين ساعة.
الفرق بس إن فيه هناك من يستغل الوقت صح.. وهناك من يضيعونه «وهما مش واخدين بالهم».
هناك من يصحو وهو يعرف: عايز يعمل إيه.
وفيه ناس بتسيب يومها للصدفة.
تعلمت درس مهم، إن الحياة لن تكون مثالية. وإن المشاكل عمرها ما هتختفى.
ستظل المسئوليات موجودة. فلو انتظرنا الظروف المناسبة لن نبدأ أبدًا.
والأفضل أن نبدأ الآن ولو بخطوة صغيرة.
نص ساعة قراءة.. ربع ساعة رياضة.. ساعة شغل على هدف بنحلم أو عادة سيئة نقرر نتخلص منها.
الحياة الكبيرة بتتغير بخطوات صغيرة.
وفى النهاية أحب أقول «مش حاجة موجودة برا الإنسان».. الوقت داخلنا وهو فرصنا الوحيدة. وهو الحكاية اللى سوف تروى عنا يومًا ما.
أنت مش محتاج وقت أكتر. أنت محتاج قرار.
قرار ألا تؤجل.. قرار ألا تترك أيامك تضيع بلا معنى، وقرار أن تعيش بوعى قبل ما تفاجأ إن العمر عدى.
الحقيقة التى لا بد من إدراكها أن الوقت لا يجرى.. بل يهرب.
فلا تكن ممن يتركونه يهرب من بين يديه دون أن يشعر.