الإثنين 10 أغسطس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان

«ديانة الإخوان»! الولاء للمرشد يسبق الوطن

مرسى يقبل رأس المرشد
مرسى يقبل رأس المرشد

د. شريف يونس: الجماعة تعاملت مع المجتمع بمنطق «الغزو الداخلى» بتمكين أهل الثقة لا الخبرة



يحظى الحوار مع المؤرخ والمفكر الدكتور شريف يونس أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بجامعة العاصمة «حلوان سابقًا» بأهمية خاصة باعتباره من أبرز الأساتذة الأكاديميين الذين قدموا رؤى نقدية وتحليلية عميقة للصراع والتفاعل بين الدولة الحديثة وحركات الإسلام السياسى، ومشروعًا فكريًا متكاملًا، وتحديدًا فى كتابيه «البحث عن خلاص: أزمة الدولة والإسلام السياسى فى مصر»، و«سيد قطب والظاهرة القطبية» حيث لم يكتف فى «البحث عن خلاص» بالسرد التاريخى بل قدم «بنية فكرية» لفهم الصراع بين الدولة والحركات الإسلامية الراديكالية التى قدمت نفسها كـ«مشروع خلاص» فى مواجهة الدولة الحديثة، واعتبر أن صراعها مع الدولة ليس صراعًا بين «دين وعلمانية» بقدر ما هو صراع على «شرعية» من يملك الحق فى قيادة المجتمع نحو «اليوتوبيا». 

 

أما فى كتابه «سيد قطب والظاهرة القطبية» فيقدم دراسة مجهرية لأخطر وأعمق مرحلة «انقلاب شامل» على المجتمع والدولة من قبل القيادى الإخوانى «الإرهابى» سيد قطب الذى أعاد صياغة المفاهيم ليجعل من المجتمع المعاصر «مجتمعًا جاهليًا»، شرعن من خلاله «العزلة الشعورية» كمقدمة للصدام المسلح، وكيف تحول فكره الإخوانى إلى «مانيفستو» و«بيان ثوري» و«ظاهرة» عابرة للحدود، ألهمت التنظيمات الإرهابية كـ«الجهاد» و«القاعدة» و«داعش» لاحقًا، وحولت العالم إلى ثنائية الفسطاطين (فسطاط الإيمان المطلق ضد فسطاط الكفر المطلق).

وأكد يونس فى حواره لـ«صباح الخير» أن جماعة الإخوان حينما وصلوا للسلطة، تعاملوا مع المجتمع بمنطق «الغزو الداخلى»، من خلال تمكين أهل الثقة لا أهل الخبرة، ما أكسب المجتمع شعورًا بأن هناك جسمًا غريبًا يريد السيطرة عليه، مشيرًا إلى أن الإخوان «طائفة سياسية ودينية مغلقة»؛ لديهم ما يشبه «ديانة الإخوان»، حيث الولاء للمرشد يسبق الولاء للوطن، وأنها تنظر للمجتمع كـ«عبيد» لا يستحقون سوى الانتقام أو التحرير القسرى، كما أنهم لم يستوعبوا حتى الآن أن شرعيتهم سقطت شعبيًا قبل أن تسقط قانونيًا وهو ما شكل حالة انفصام داخلى أنتجت أذرعهم المسلحة كـ«حسم ولواء الثورة».. وإلى نص الحوار..

■ فى كتابك «البحث عن خلاص»، طرحت أن هناك نزاعًا بين الهوية الوطنية والهوية الإسلامية، وهو ما سمح للتيارات الإسلامية بالتغلغل. هل ترى أن فكرة «الخلاص الدينى» أثرت على الوجدان المصرى؟

- أعتقد أن الموضوع مرتبط بتحولات الدولة نفسها، فصعود التيار الإسلامى مرهون بلحظات ضعف الدولة أو تعرضها لهزائم، كما حدث فى 67. تاريخيًا، وأيضًا كما تراجعت الثقة فى حزب الوفد بعد معاهدة 1936، بحثت قطاعات من المتعلمين عن بدائل، وكان التيار الإسلامى أحدها، فالثقافة الإسلامية صبغت البلد لقرون، لكن التناقض يكمن فى السؤال: هل الوطنية المصرية هى هوية بسيطة (كالهوية الفرنسية مثلًا)، أم هى هوية ذات طابع دينى «رسالي»؟

فالتيار الإسلامى يظهر كـ «تيار احتجاجي» كلما أصبحت الدولة هشة، وقد رأينا ذلك بوضوح فى عهد الرئيس الراحل حسنى مبارك حين أصبح الإخوان البديل الأساسى المرشح للنظام.

■ أفهم من ذلك أن الصراع ليس مجرد منافسة سياسية، بل هو «صراع شرعية» حول من يقود المجتمع وشكله؟

- تاريخيًا، ثبت أن التيار الإسلامى لا يملك رؤية قابلة للتطبيق فحين صعدوا للسلطة فى 2012، فشلوا فى تكييف الدولة على مقاس مشروعهم «الإمبراطوري» الفقير واقعيًا، فشعبيتهم لم تكن ناتجة عن عمق مشروعهم بقدر ما كانت ناتجة عن «تراجع دور الدولة»، والناس أحبتهم لأنهم قدموا خدمات (بطاطين، رعاية أيتام) فى ظل فقر وغياب لمؤسسات الدولة، وبالتالى كان مشروعهم «سلبيًا» ينمو فى المساحات التى تتركها الدولة، لكنه غير قادر على تقديم مشروع إيجابى لبناء دولة حديثة.

■ هل يمكننا اعتبار ما حدث «اختراقًا هوياتيًا» للهوية المصرية؟

- الهوية المصرية بتركيبتها تحتمل هذا التنازع، لكن التيار الإسلامى يظل «غريبًا» عن بنية مؤسسات الدولة التى قامت على أساس وطني. فهم تيار يجذب المحتجين، لكنه يظل فى صراع مع البنية الأصلية للبلد.

 

 

 

■ إذن، لماذا فشل الإخوان سريعًا فى 2012؟ ولماذا لم يقبل المجتمع المصرى بـ«السطو» على هويته رغم تدينه المعروف؟

- لأنهم حاولوا الحكم بـ «الحماسة» لا بـ«المؤسسات» وأتذكر حين نزل الإخوان لجمع القمامة فى بداية عهد محمد مرسي؛ ظنوا أن التطوع سيحل محل جهاز الدولة، وهذا مستحيل، كما أن نجاح مرسى لم يكن تعبيرًا عن كتلة إخوانية صلبة، بل كان «تصويتًا سلبيًا» من قطاعات واسعة رفضت عودة النظام القديم، والأهم من ذلك، أن الإخوان «طائفة سياسية ودينية مغلقة»؛ لديهم ما يشبه «ديانة الإخوان»، حيث الولاء للمرشد يسبق الولاء للوطن، حينما وصلوا للسلطة، تعاملوا بمنطق «الغزو الداخلي»، أرادوا تمكين أهل الثقة (أعضاء الطائفة) لا أهل الخبرة، فشعر المجتمع أن هناك جسمًا غريبًا يريد السيطرة عليه.

■ وصفتهم بـ«الغزو الداخلي» و«المجتمع داخل المجتمع».. هل هذا ما جعل الصدام حتميًا؟

- بالضبط هذه فكرة منظر الجماعة سيد قطب عن «العصبة المؤمنة» التى تعيش داخل المجتمع لكنها تنفصل عنه شعوريًا وعقائديًا فهم يرون أنفسهم «الأعلون» والآخرين فى ضلال حتى فى تعاملهم مع الناس، يتعاملون بمنطق «اليد العليا» التى تمنح الصدقات، لا بمنطق الشريك فى الوطن لقد خاضوا انتخابات الرئاسة ليس حبًا فى المنصب فقط، بل خوفًا من تفكك التنظيم إذا فاز شخص من خارجهم كعبد المنعم أبو الفتوح وهو إخوانى انشق عن التنظيم، فالحفاظ على «بنية التنظيم» أهم عندهم من الدولة، لأن «التنظيم» فى عقيدتهم ليس تيارًا سياسيًا بل هو مجتمع بديل، لذلك حين نزل المصريون لخلعهم، لم يكن ذلك موقفًا ضد الدين، بل كان دفاعًا عن الدولة ضد «طائفة مغلقة» حاولت السطو على المجتمع.

■ فى كتابك عن سيد قطب، أشرت لنقطة مثيرة وهى «الانقطاع الفكري» فى مسيرته؛ من كاتب متحرر إلى منظر إسلامى متشدد. كيف تشرح لنا هذا التحول؟

- الحقيقة هو لم يكن انقطاعًا مفاجئًا، بل كان تحولًا استغرق سنوات، فسيد قطب أُحبط سياسيًا من علاقته بالسعديين بعد الوفد، وأُحبط أدبيًا لأنه لم ينل المكانة التى يراها لنفسه، كما أُحبط من أستاذه الكاتب الكبير عباس العقاد، فى البداية بدأ بميول صوفية، ثم رأى فى الإسلام قوة تحررية قادرة على تحقيق «الإصلاح الجذري» الذى كان ينشده، وفى السجن، تحول إلى «أصولي» يرى أن المجتمع يعيش فى «جاهلية» كاملة، وأن الإسلام يحتاج إلى البدء من جديد عبر «عصابة مؤمنة» تنفصل شعوريًا عن هذا المجتمع، وهى فكرة كانت موجودة ضمنيًا عند البنا مؤسس الجماعة حسن لكن قطب بلورها وطوَّرها.

■ فكرة «الحاكمية» عند سيد قطب هى الركيزة الأساسية، لكنك أشرت إلى أنه لم يستقها من القرآن مباشرة بقدر ما استلهمها من مصدر آخر؟

- نعم، هو استمدها من المنظر «أبو الأعلى المودودي»، صحيح أن القرآن «حمال أوجه»، لكن قطب أخذ تصور المودودى بأن شرعية الحكم محصورة فى اتباع أحكام الشريعة الموروثة منذ القرن الرابع الهجرى، فالمودودى أنتج هذه الفكرة فى سياق انفصال المسلمين عن الهند لإنشاء دولة باكستان (حركة مفاصلة)، فاستعارها قطب ليطبقها على الجماعة المهزومة فى مصر بعد 1954 لتستعيد ثقتها بنفسها باعتبارها «الحق» فى مواجهة «الجاهلية».

■ أفكار سيد قطب العابرة للحدود؛ كيف اخترقت أفكاره التنظيمات السنية الإرهابية كداعش والقاعدة؟

- الموضوع ليس «اختراقًا» بقدر ما هو «احتياج»، فالفكرة القطبية توفر هيكلًا نظريًا جاهزًا لأى جماعة إسلامية مهزومة أو تعيش فى ظل أنظمة ضعيفة المرشد الإيرانى الراحل على خامنئى نفسه ترجم أحد كتب سيد قطب للفارسية لأن «النظرية المجردة» يمكن تكييفها مع أى مذهب، فهى بذرة موجودة، تتوسع كلما ضعفت الدولة الوطنية وتراجعت عن وظائفها، ففى العراق زمن صدام حسين لجأ لـ«الحملة الإيمانية» حين ضعف نظامه، وفى سوريا تحولت المعارضة للشكل القطبى الجذرى بسبب انسداد الأفق السياسى، فالفكرة تزرع نفسها حيثما وُجد الصدام مع الدولة.

■ لماذا ترتبط «القطبية» دائمًا بالعنف والعمل المسلح؟ هل لأن قطب قسم العالم لفسطاطين؟

- بالضبط، فكرة «المفاصلة» هى تمهيد للاستيلاء على السلطة، عندما تقرر أنك «مجتمع مستقل» داخل المجتمع، ولديك قيمك وأميرك الخاص، فأنت تسقط شرعية الدولة وتعلن الحرب عليها ضمنيًا، هذا الفكر يتحول لعنف فور توفر الفرصة، سيد قطب أحدث نقلة نوعية؛ فحسن البنا لم يكن لديه «نظرية»، بل إرشادات وخلط بين العمل السياسى والتربوى والعنف، أما قطب فقد وضع «الهيكل النظري» الصارم الذى سارت عليه كل الجماعات الجهادية الإرهابية لاحقًا.

 

 

 

■ هل يعنى ذلك أن جماعة الإخوان المسلمين الإرهابية عدّلت فكر قطب ليناسب دخولهم فى مفاصل الدولة؟

- الإخوان فسروا قطب بطريقتهم، كما فسرته داعش والقاعدة بطرق أخرى، فنظرية قطب (بالنسبة لهذه الجماعات) فكرة مجردة؛ يمكن أن تأخذها وتضعها فى سياق «إخواني» يسعى للتغلغل، أو سياق «داعشي» يسعى للتدمير، أو سياق «شيعي» يسعى للثورة، لكن فى النهاية، تظل «الحاكمية» هى الهدف، و«الجاهلية» هى العدو، و«العصبة المؤمنة» هى الأداة.

■ إذن الأفكار القطبية هى جذور عامة «كالقوانين العلمية»، يمكن اقتباسها وتكييفها فى بيئات وسياقات مختلفة؟

- تمامًا، لكنى أتحفظ على كلمة «زراعة» لأنها توحى بوجود «فلاح» يزرعها، الحقيقة أنها «تُقتبس» وتُكيّف، فهى فكرة مجردة يمكن أن تُنتج لك «موبايل» أو «قمرًا صناعيًا» فى العلم، وفى السياسة الإسلامية أنتجت نماذج مختلفة، فالتيارات الجهادية مثلًا لم تأخذ نظرية سيد قطب المجردة فحسب، بل حشتها بأقوال السلف وفقه القرن الرابع الهجرى، فنتج ما يسمى «التيار السروري» أو «السلفية الجهادية»، وهى توليفة بين قطبية سيد قطب وسلفية التراث.

■ هل يعنى هذا أن الدولة والهوية الوطنية عاجزة عن تفكيك هذه الأفكار «المدمرة»؟

- الموضوع مرتبط بـ«قوة الدولة» بمعناها الشامل، لا الأمنى فقط، فالقوة الشاملة تعنى تعزيز الثقافة المدنية، رعاية الفقراء، تحقيق التنمية، والحفاظ على مسار الحداثة وكلما كانت الدولة أقوى وأكثر قيامًا بوظائفها، انكمشت هذه الجماعات وتحولت إلى «أطراف هامشية» ولكنها لن تختفى تمامًا، فكل مجتمع فيه أفكار متطرفة (كالفاشية فى فرنسا مثلًا)، لكنها تصبح مجرد «ظاهرة للمشاهدة» لا خطرًا يهدد كيان الدولة.

■ بحكم معاصرتك للحالة الإخوانية ووصولها للسلطة، كيف رأيت تحولاتهم من «الدعوة» إلى «الصدام»؟

- الإخوان ليسوا حزبًا سياسيًا محضًا بل «مجتمع داخل المجتمع»، كانوا دائمًا يضعون قدمًا فى المعارضة وقدمًا مع النظام وفى يناير2011، قفزوا على الموجة حين رأوا فرصة لإسقاط النظام، ومشكلتهم أن برنامجهم يصطدم مع بنية الدولة وطبيعة المجتمع، هم لا يرون أنفسهم كلاعب سياسى بل كـ «فئة مصطفاة»، أو كـ«شعب مختار». لذا حين وصلوا للسلطة بالانتخابات، حاولوا فرض رؤيتهم الجذرية، وعندما رفضهم المجتمع، تحولوا للعنف وانقلبوا على «الديمقراطية» التى تباكوا عليها.

 

 

 

■ هذا يفسر خطابهم بعد 30 يونيو: «سنحرركم غصبًا عنكم».. هل تحول المجتمع فى نظرهم من «هدف للدعوة» إلى «هدف للانتقام»؟

- صحيح، فعندما كنت أسكن فى «المقطم» وقتها، وسمعتهم يهتفون تحت نافذتي: «مش هنعيش عبيد علشانكم.. هنحرركم غصبًا عنكم»، هم اعتبروا أنهم جلبوا الحرية بالصندوق، وأن المجتمع الذى انقلب عليهم «عبيد» لا يستحقون إلا الانتقام أو التحرير القسرى، هذا الانفصام ولّد حركات مسلحة مثل (حسم ولواء الثورة) وانقسامات داخلية، لأنهم ببساطة لم يستوعبوا أن شرعيتهم سقطت شعبيًا قبل أن تسقط قانونيًا.