د. رانيا يحيي
معركة الأُمّة الأخيرة
عنوان كتاب للمفكر والكاتب الإماراتى على محمد الشرفاء الحمادى، أهدانى إياه الكاتب الصحفى المحنك الأستاذ مجدى طنطاوى، ولفت نظرى عند قراءته الروح الوطنية التى يتناول بها الكاتب أفكاره، محبة كبيرة لمصر أم الدنيا، تلوح فيما بين دفتى الكتاب الذى وضع له عنوانًا ثانويًا «من حلم الوحدة إلى مشروع الإنقاذ العربى» والذى يجعلنا نغوص فى فلسفة الفكرة التى ينطوى عليها هذا الجهد العروبى، وما وراءه من حماس ووعى غالب على صفحاته التى تجاوزت الثلاثمائة، مستعرضًا أحداثًا سياسية تعرضت لها أمتنا العربية منذ ثورة 23 يوليو 1952، وحتى الوقت الراهن.
محطات مهمة من عمر الوطن العربى، شكلت وعى أمتنا، مستنهضًا الإرادة العربية، لوضع مشروع إنقاذ عروبى يقوم على التكامل السياسى والاقتصادى والعسكرى وإحياء مهام المؤسسات ذات العمل المشترك لخلق إرادة واعية داعمة لبناء مستقبل يليق بالمكانة الحضارية والتاريخية والثروات التى يكتنزها وطننا العربى لتكون مصر بما تملكه من تاريخ وريادة نقطة الانطلاق نحو نهضة عربية شاملة.
يصف الكاتب الأحداث الكبرى التى حاولت أن تودى بهذه الأمة المستعصية على الانكسار، حتى وصلنا لانتصار تاريخى أعاد العزة والكرامة لأمتنا الصامدة، كما تطرق للتحولات الكبرى التى شهدتها المنطقة، مع توضيح مخطط الإطاحة بمصر فى 2011، ولم ينس الجماعة التى استهدفت تفجير مصر والعرب، محللًا أسباب الانقسام العربى وآثاره على الأمن القومى والتنمية والاستقرار، موجهًا القارئ «اعرف كيف تواجه أعداء بلدك».
محبة الكاتب لمصر تنجلى فيما يفنده، ولامس بدهاء وقائع شهدناها جميعًا فى نزول المصريين لإنقاذ وطنهم، ملبين نداءه فى مشاركتهم الانتخابات الرئاسية، والتعديلات الدستورية، ودعوات الرئيس السيسى لتصويب الخطاب الدينى، وغيرها، حتى وصلنا لإنجازات تخرس الأعداء كما جاء بوصفه بشكل دقيق. ولم تسقط من اهتمامات المفكر التفاوض فى حق الحياة، شارحًا الدور المصرى فى الحفاظ على مياه النيل شريان الحياة، فمصر تواجه حرب بقاء، كما واجهت القوى الظلامية الغاشمة فى حربها ضد الإرهاب الذى لا يعرف دينًا ولا ضميرًا، مشيرًا «أن مصر هى العقبة الوحيدة أمام قوى الشر».
وبهذا الحس العروبى العاشق لمصر وضع الكاتب عنوانًا مايزًا «الشيخ زايد.. قائد اعتبر مصر المظلة الوحيدة للعالم العربى» هكذا مصر فى عيون القادة والحكام العرب، فهى دومًا البوصلة وركيزة الأمن والأمان، لقد ترك الكاتب شهادته للتاريخ بحكم اقترابه الشخصى من الشيخ زايد مؤكدًا أنه لم ينظر لمصر كدولة عربية كبرى فقط، وإنما يراها قلب الأمة النابض، والمظلة الوحيدة للعالم العربى، وقائدته الطبيعية نحو التقدم والاستقرار والنهضة. فقد تجاوز الشيخ زايد الحسابات السياسية الضيقة والخلافات العابرة، وكان يدرك بحكمته الفطرية ورؤيته العميقة أن قوة العرب الحقيقية تبدأ من قوة مصر، وإضعافها يعنى دخول عالمنا العربى فى مراحل خطيرة من التراجع والتفكك والصراعات. تفاصيل ودهاليز أخرى يقصها الكاتب بأسلوب حكائى مشوق.
واستوقفنى عنوان آخر بالكتاب «أمة ضيعت البوصلة فتكالبت عليها الذئاب» وأعتقد أنها تختصر وتختزل المشهد العبثى الدائر فى المنطقة، فعلينا الاستفاقة نحن العرب، لأننا أمة واحدة أصحاب تاريخ مشترك وعلاقات ممتدة فى عمق التاريخ، فلنحافظ على قوتنا لتتعافى أمتنا دون تهاوى أو تهاون، إنها أمة تستحق أن تكون أمة مجد وغلبة وانتصار فى معركة الوعى الدائرة لكشف المؤامرات وإفشالها لصناعة مستقبل يليق بوطن عربى متجانس، مجتمع على وحدة أمله، وصناعة مستقبل أجياله.
استمتعت بقراءة الكتاب الذى يفيض عشقًا لبلدنا وعندما بحثت عن أصول الكاتب اكتشفت أنه خريج الكلية الحربية بمصر، فهكذا تصنع عقيدة القوات المسلحة المصرية فى أبناء أمتنا العربية، ولتبقى شاهدة دومًا على عظمة الإيمان بوطن يستحق وأمة نعيش فداءً لها.