الإثنين 10 أغسطس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان
حين تكلمت الرياح!

حين تكلمت الرياح!

يشهد العالم فى الوقت الراهن تصاعدًا ملحوظًا فى الطلب على الطاقة النظيفة، الأمر الذى يجعل التحول إلى مصادر متجددة خيارًا لا غنى عنه. من تلك المصادر تبرز طاقة الرياح، التى تمثل اليوم نحو 12% من إجمالى إمدادات الكهرباء عالميًا.



ووفقًا لتقرير صادر مؤخرًا عن الرابطة العالمية لطاقة الرياح فى ألمانيا، بلغ إجمالى القدرة المركبة لطاقة الرياح حتى يونيو 2025 قرابة 1245 جيجاوات، وهو رقم لا يعكس فقط حجم الاستثمارات، بل يعكس أيضًا تحولًا عميقًا فى وعى البشرية تجاه علاقتها بالطبيعة والطاقة.

وفى قلب هذا التحول، يبرز اسم عالم إسكتلندى سبق عصره بقرن كامل، هو «جيمس بليث»، الرجل الذى أشعل أول مصباح كهربائى فى التاريخ بطاقة الرياح.

وُلد بليث عام 1839، فى قرية «ماريكيرك» الريفية شمال شرق «إسكتلندا» وسط أسرة بسيطة، ما جعله قريبًا من الطبيعة والرياح منذ صغره. ساهمت نشأته الزراعية فى تطوير انتباهه للطبيعة وإدراك إمكاناتها، ليشعر بأن الرياح طاقة مهمه فى الحياة اليومية.

تلقى تعليمه فى المدرسة المحلية ثم أكاديمية «مونتروز»، قبل انتقاله إلى «إدنبرة» العاصمة الإسكتلندية، مركز التنوير العلمى حينها، حيث التحق بجامعة «إدنبرة» لدراسة الرياضيات والفيزياء والفلسفة الطبيعية ونال شهادتى البكالوريوس والماجستير.

فى ذلك الوقت، لم تكن الهندسة الكهربائية علمًا مستقلًا؛ بل كانت الكهرباء موضوعًا غامضًا ضمن الفيزياء يستكشفه العلماء بروح البحث وليس القواعد الجامدة.

بعد تخرجه، عمل بليث مدرسًا للرياضيات، ثم انتقل لاحقًا إلى العمل الأكاديمى فى كلية «أندرسون» بمدينة «جلاسكو»، التى أصبحت فيما بعد جامعة «ستراثكلايد».

وقد كانت مدينة «جلاسكو» الصناعية الصاخبة تختلف تمامًا عن قريته الهادئة، لكنها منحته بيئة علمية عملية تجمع بين الفكر والتطبيق. وهناك بدأ اهتمامه الفعلى بالكهرباء، إذ لم يعد يتعامل معها كظاهرة نظرية فحسب، بل بدأ يبحث عن حلول واقعية لمشكلات الحياة اليومية باستخدامها.

وفى عام 1887، عاد بليث إلى قريته «ماريكيرك»، وهناك، فى حديقة منزله الريفى، نصب توربينًا هوائيًا بارتفاع يقارب عشرة أمتار، مصنوعًا من أشرعة قماشية تدور مع الرياح. لم يكن هدفه إثبات فكرة علمية فحسب، بل كان يسعى إلى إضاءة منزله دون الاعتماد على الفحم أو المصابيح الزيتية.

وبالفعل، نجح فى تخزين الكهرباء الناتجة من الرياح فى بطاريات، واستخدمها لإضاءة 10 مصابيح، ليصبح بذلك أول منزل فى العالم يُضاء بطاقة الرياح. وعندما عرض على سكان القرية إنارة الشارع الرئيسى مجانًا، قوبلت فكرته بالخوف والرفض، إذ رأى بعضهم أن الكهرباء «قوة غامضة من عمل الشيطان».

ورغم أن العالم فى ذلك الوقت كان منجذبًا إلى الفحم والنفط، فإن بليث كان يرى أبعد من زمنه، مؤمنًا بأن المستقبل سيحتاج إلى مصادر طاقة لا تدمر البيئة ولا تستنزف الأرض.

وبحلول عام 1891، قام بتسجل براءة اختراعه لـ«توربينه الهوائي»، ومن ثم صمم نظامًا أكثر تطورًا استخدم فى مستشفى «مونتروز» للأمراض العقلية، والمستوصف، والعيادة، حيث وفر طاقة احتياطية استمرت فى العمل لأكثر من ثلاثة عقود.

لم يكن إرثه فى اختراع أول توربين رياح كهربائى فقط، بل فى إظهار أن الابتكار يتحقق حين يجتمع العلم بالضمير واحترام الطبيعة. علّمنا بليث أن الأفكار العظيمة قد تنشأ من أبسط الأماكن، وأن الرؤية هى الأهم وليس الموارد. فالشخص الذى يسبق عصره يساهم فى تمهيد الطريق للجيل القادم، حتى وإن لم يتم استيعاب أفكاره بشكل فوري.

فهل نحن اليوم، وسط أزمات الطاقة والمناخ، مستعدون أن نصغى إلى الرياح كما أنصت إليها جيمس بليث منذ أكثر من قرن؟