حوار لم ينشر للموسيقار هانى شنودة:
هربت من عبدالحليم.. ونجيب محفوظ سبب ظهور «المصريين»!
مصطفى عرام
قبل فترة التقينا الموسيقار الكبير هانى شنودة «فى شقة ابنته بالمعادى، لظروف صحية»، وكنا قد اتفقنا معه على لقاء لإجراء حوار حول تاريخ الأغنية المصرية وتحولاتها من الفترة الملكية إلى زمننا الحالي.. ففتح لنا قلبه وتحدث باستفاضة عن مراحل تحول الأغنية المصرية، وصرح لنا بآرائه ومواقف منها من دون تردد.. فكان الحوار الأخير للموسيقار الراحل.
على ارتفاع 30 دورًا، التقينا الملحن هانى شنودة على كورنيش النيل بمنطقة المعادى، رغم ملامحه الهادئة، لكن شقاوة التلحين لا تزال تداعب عقله وأنامله وكلماته، «صباح الخير» كانت فى ضيافته لمدة ساعتين، فاجأنا فيها بهروبه من محاولات عبد الحليم حافظ لمقابلته، وسر فرقة المصريين الذى أوحى له به الأديب نجيب محفوظ.. ومفاجآت أخرى فى هذا الحوار هنا نصه:

■ فى ذكرى يوليو ماذا فعلت الثورة فى الأغنية المصرية؟
ـ فى البداية.. ظل الحال على ما هو مثلما كان أيام الملك، فأم كلثوم هى أم كلثوم وعبد الوهاب لسه عبد الوهاب وكذلك عبد الغنى السيد، وقائمة طويلة من المطربين الذين يقدمون نوعًا من الأغنية المصرية، وهذه الحالة كانت تعجب العرب جدًا، ولذلك أرى أن الوحدة العربية كانت يجب أن تقوم أولًا على أمور أخرى غير السياسة، لأن السياسة تفرق، لكن الأغنية تجمّع، فلما نكون كلنا نحب الأغنية الفلانية ونحب أن نسمعها، فنصبح أصحاب، ونتفرق ونحن متفقون على شيء واحد.
الرقابة أيضًا كانت موجودة، وللعلم.. كل شيء كان مسموحًا إلا الإساءة للدين وللذات الملكية، فإذا سألتنى عن السياسة، ألم تكن ممنوعة، أقول لك لا، لأن حتى الإنجليز لما منعوا وحذروا من الغناء لسعد زغلول ترحيبًا به عند عودته من الخارج، فكانت أغنية «يا بلح زغلول» بما تحمله من إيماءات التفافًا على قرار الإنجليز وترحيبًا بسعد زغلول، (يعنى من تحت لتحت.. أهلًا بيك يا سعد)، فكانت الأغنية السياسية منتشرة بكثافة.
عندما نصل إلى ثورة 23 يوليو بعد أن استتب الحكم واستتب أمر معيشة الناس، فكان من الأمور المهمة جدًا فى العصر الناصرى، الاهتمام بالفنون وأكل العيش، وهذه حالة تنعش الفن، فظهرت غرفة صناعة السينما، والإذاعة كانت تنتج، ومصر أول بلد عربى أدخل التليفزيون، فأصبح اسمه التليفزيون العربى، الذى أصبح منفذًا لكل من لديه موهبة، فهذا العصر أفرز الكثير جدًا من الفنون المسرحية والسينمائية والغنائية تحديدًا وكذلك الشعر وما إلى ذلك.
لكن فجأة.. استيقظ المصريون على نكسة 67، التى كان لها أثر كبير جدًا، فى فن المسرح كانت توجد فردية شديدة، بمعنى أنت ذاهب لتشاهد مسرحية «فؤاد المهندس»، هكذا اسمها، أو ذاهب لتشاهد مسرحية «محمد عوض»، وفجأة.. انتهى عصر الممثل الواحد، فرأينا «مدرسة المشاغبين» بخمسة أو ستة أبطال غير مشهورين، لكن ضحّكوا مصر كلها.. وقلبوا الصفحة.
■ هل يمكننا القول إنه مع الأزمات الكبرى تتفكك الفردية وتتولد انتماءات متشعبة؟
ـ ممكن.. لكن ما أقصده أن الناس فوجئت.. وظهر ما يسمى «تبديل البوصلة»، فالبوصلة قبل 67 بمن فيهم أنا كان لا يمكن لشخص أن يتخيل أننا لن ندخل إسرائيل فى 6 ساعات، فالثقة التى كنا عليها كانت كبيرة جدًا، لكن 67 شهدت رأيًا شعبيًا واحدًا جبارًا وهو رفض التنحى والمطالبة بالإصلاح.
■ الأغنية فى هذه الفترة.. كيف كانت؟
ـ ستجد الأغانى مثل أغنية عبد الرحمن الأبنودى وعبد الحليم «بلدنا راحت تغسل شعرها ع الترعة»، وهو كلام كله تورية، ولم يكن مسموحًا بالأغنية السياسية، فدائمًا كانت الإيماءات عنصرًا أساسيًا فى صناعة الأغنية، تجنبًا للرقابة، مع أن الأغنية قد تكون من غناء وردة وألحان بليغ حمدى وكلمات الأبنودى.. وهم من أهم الموجودين فى تلك الفترة، لكن الأغنية السياسية تراجعت تراجعًا شديدًا جدًا وقتها.

■ ألم تكن أغنية عبد الحليم «ابنك يقولك يا بطل هاتلى نهار..» سياسية تحرض على الحرب والثأر؟
ـ كانت.. طبعًا.
■ لكنك تقول إن الأغنية السياسية شبه ممنوعة؟
ـ لا لا.. خلّى بالك.. وهذه أيضًا معتمدة على التورية.. «هاتلى نهار» ليه؟ لأننا فى الليل، «هاتلى انتصار» ليه؟ لأننا فى الهزيمة.
■ إذن هل التورية سر بزوع نجم عبد الرحمن الأبنودى؟
ـ طبعًا.. الأبنودى أحبه الناس حبًا مفرطًا.. فى القصيدة التى تحدث فيها عن الديناميت، قائلًا «الديلاميت»، لأنهم أعجبتهم هذه التخريجة، والكثيرون حتى اليوم لا يزالون ينطقونها «ديلاميت» بدلًا من «ديناميت»، فالأبنودى وهو ناصرى جدًا، كان مثل باقى شعب مصر، اتحط تحت المية السخنة جدًَا، وتحت المية الباردة جدًا، فمش مصدق. هل تتصور أنى لغاية النهاردة مش مصدق 67، أنا مش مصدقها لغاية النهاردة فى حاجة جوايا رافضاها.. رافضاها لإننا طول النهار فى المدرسة العدو الصهيونى دا هنرميه فى البحر فى ست ساعات، سنين واحنا بناخد دا، ثم نصدم جميعًا فيما حدث.
■ تلك النقلة بين النكسة وحرب الاستنزاف.. هل كانت دافعًا لظهور الفرق الموسيقية؟
ـ الفرق لم تتكون إلا بعد العبور، لأن الرئيس أنور السادات أعاد اسم مصر، وأصبحت جمهورية مصر العربية، فأصبحت توجد فرقة المصريين.. هل كنا ممكن نعملها لما كانت الجمهورية العربية المتحدة الإقليم الجنوبى، فالأثر واضح، وتوجد فرقة سارى دويدار كان اسمها «الفراعنة»، فالناس بدأت تبحث عن القديم فى تاريخنا بسبب الاسم، فرقة المصريين تكونت يوم 8 ديسمبر من عام 77، وهذه الفرقة وجدت فى وقت كان لا يزال عبد الحليم موجودًا وأم كلثوم وعبد الوهاب، ووسط كل هؤلاء استطاعت هذه الفرقة أن تنجح بمجموعة من الشباب. ليسوا من الإذاعة أو التليفزيون.
■ نعود إلى حرب الاستنزاف..
ـ مع حرب الاستنزاف.. «بدأت الناس تبلع ريقها»، وبدأوا يشعرون أننا قادرون، بعد أن شعرنا أننا غير قادرين.. مع تدمير إيلات والإمساك بأسرى إسرائيليين.. فـ وانت مرمى على الأرض وتمسك فى رجل عدوك إن شا الله حتى تعضها.. أكرملك من أنك تستموت.. فأى كفاح على دماغنا من فوق لأنه جهاد فى سبيل الحق.
■ كيف كان المشهد الغنائى الموازى لهذه الحالة؟
ـ لست مؤرخًا لأرصد لك الأمثلة.. لكن أقدر أقول إن التورية كان لها دور البطولة فى الأعمال الغنائية.. وأيضًا فكرة رفض الهزيمة وبث روح الحماس كانت سائدة حينها حتى فى الأعمال الفنية الأخرى كالمسرح والأفلام.. بخلاف الأغانى وكان لها أثر كبير جدًا فى إعادة ترتيب الجيش وإعادة تسليحه.. حتى وضع الرئيس السادات خطة العبور ونجح فى العبور والدنيا كلها شهدت له.. والدنيا كلها حطتنا فوق راسها، لأن الناس ما بتحبش إلا القوى المجاهد الذى لا يسكت عن حقه، سينا دى بتاعتى.. أسيبها ازاى.. والعبور دا فى حد ذاته علم الدنيا دى كلها إن المصريين دول مرعبين وإن طال الزمن.. ما تجيش على كرامته.. ما تجيش على أرضه.. غير كدا هو يستقبلك بمنتهى الأريحية.. لكن تيجى على أرضه أو كرامته.. انسى.. انت تبقى بتضيع نفسك.. ودا اللى حصل.
■ قبل أن نغادر هذه المرحلة.. فكرة الأوبريتات التى قُدمت مثل «وطنى الأكبر» بمشاركة المطربين العرب.. هل ارتبطت بفكرة الدولة العربية الواحدة والشعور القومى أم ماذا؟
ـ طبعًا.. لكنها كانت متأخرة جدًا، لماذا.. لأن هذا جاء بعد أن انفكت الوحدة العربية مع سوريا، فنحن ظللنا نغنى للوحدة العربية مثل «من الموسكى لسوق الحميدية»، فلما انفكت الوحدة ظهرت فكرة الأوبريتات هذه، والعرب أصبحوا يغنونها لأنهم يتمنون الوحدة وكان نفسهم فيها زى ما إحنا نفسنا فيها، فبيعبروا بحالة من النوستالجيا عن الحنين للوحدة العربية التى ضاعت، ونحن دائمًا هكذا.. وهى عادة عربية، مصابون بداء النوستالجيا.. ونظل نترحم على أيام لما كانت فلسطين تحت أيدينا، ونترحم على لما كانت القدس معنا، لكن لا يوجد شىء نسبق به العدو، لا أعرف لماذا.

■ هل يمكننا القول إن التاريخ الغنائى المصرى كان ترجمة وقتية للحالة السياسية فى حينها.. أم كان متأخرًا؟
ـ متأخرًا.. لأنه لم يكن أحد يصدق الحاصل أو الأمر الحادث فى حينه.
■ لكن أغانى العبور اتسمت باللحظية.. مثل أغنية شريفة فاضل أنا أم البطل.. ووردة على الربابة؟
ـ دعنى هنا أوضح لك الفارق الكبير قوى.. أم البطل ابنها مات فى المعركة.. ولما كانت بتغنيها.. الدموع كانت بتنزل من عنيها، ودا حالة مصرية قُح.. يعنى الدموع نازلة مع فرحة الانتصار، ودى ما بتحصلش كتير، والشعوب كلها ما عندهاش دا.. وهو إنك تعيط وتبكى على الشهيد فرحًا بالانتصار.
أما «على الربابة بغنى».. فمن مطلعها واضح إنى خلاص حغنى والدنيا حتبقى حلوة، ولا تنس أيضًا الأغنية التى لحنتها لمحمد الحلو «يا بوى يا مصر أما الواحد بيحبك حب.. منين ما راح البال واخد حبك القلب.. يستجرى مين اللى يعاند.. حب الوطن فى دم الواحد.. أرض النفر ستره الجامد فين مهمن هب..»، فابتدا الموضوع يكون فى حب مصر والأرض اللى رجعت.. وهذه أيضًا فيها إشارة إلى أننا أخدنا أرضنا.. فهذه الأجواء كانت معاكسة لجميع الأجواء القديمة.
فقبل 67، عبد الحليم كان يغنى «البنك الدولى» وحكاية السد، فكلها رسايل من الحكومة للوجدان المصرى.
■ فى الفترة نفسها.. بعد الانتصار والعبور.. ظهرت تيارات غنائية أو تفريعات.. منها تيار الفرق وأغانى الشباب الحديثة.. ومنها الغناء الشعبى مثل عدوية؟
ـ الشعبى موجود منذ خلق الله مصر.. لما تسمع فى الصعيد «خدنى معااك خدنى معااك.. خدنى معاك إذا كنت مسافر خدنى معااك»، أو تسمع الريس متقال.. كل الناس حفظت كلمات «البت بيضا بيضا بيضا.. وانا اعمل إيه»، زى ما عجب الناس فى فرنسا وعملوا له ألبومين، ولذلك الشعبى موجود من قبل 52، لكن عنده عيب، أنه ساعات ينتقى كلمات عارية، أو كلمات تحتمل معنيين، لذلك لم يكن كل الناس يقتنون هذه الأغانى، لأن مثلًا ما يصحش إن عدوية يقول إيه، «حبة فوق وحبة تحت»، فيه ناس لا تريد أن يدخل هذا الكلام بيتها، أو «ما تاخدوناش بالشوكة خدونا بالمعلقة».. هى كلمات تجيزها الرقابة، لكن الشعب المصرى ما بيعديهاش.
لكن لما ييجى واحد زى حالاتى ويعمل له «زحمة يا دنيا زحمة» كلام نضيف يعالج مشكلة «جامدة»، ويلقى الضوء على أن هذه المشكلة أثرت على المسرح ولم يعد هناك جمهور بسبب الزحام وعدم وجود ركنة للسيارة، وأثرت على السينما وعلى الندوات العلمية والأدبية ولقاءات الشعر وكل شىء.. هذه الأغنية بعد 15 يومًا، جعلت الحكومة تعمل حاجة اسمها «الانضباط فى الشارع المصرى»، فاللى يقولك إن الأغنية مش مؤثرة قوله «زحمة».

■ هناك تيار آخر ظهر مثل عمر فتحى الذى كان يمثل خروجًا عن المألوف؟
ـ ما دمت لمست عمر فتحى.. دعنى أقل لك إن عمر فتحى وعدوية وكل هؤلاء، يجعلنا نرجع لأصل الموضوع، فالأغنية المصرية كانت «لحن وإيقاع»، إلى أن ظهرت فرقة اسمها «المصريين»، أو إلى أن قدمت الألبوم الأول لمحمد لمنير، وكان اسمه «أمانة يا بحر»، وهذا الألبوم استخدمت فيه الـ«بيزجيتار» والـ«إليكتريك جيتار» واستعملنا الـ«هارمونى»
و«كاونتربوينت» وأشياء كثيرة لم تكن موجودة فى الأغنية المصرية، هذا الشريط لم يلق النجاح المرجو منه، لأنه لم يكن يوجد «بورتابول كاسيت» فى مصر أو الكاسيت المحمول، فكانت الناس بتسمع على «بيك أب صوت القاهرة»، فلما عملت فرقة المصريين ونجحت نجاحًا غير مسبوق، الشريط الأول كان اسمه «بحبك لأ»، اللى فيه «ما تحسبوش يا بنات إن الجواز راحة وماما ستو»، المهم شركة منير قالو لى حان الوقت إننا نعمل الألبوم التانى لمنير، فعملنا «بنتولد»، ونجح جدًا لأن خلاص كان الناس بقى عندها كاسيت، ولما نجح، الشركة فنّطت الشريط الأول ونزلوه باسم «علمونى عنيكى أسامح» فكثيرون يظنون أن «علمونى عنيكى» هو الشريط الثانى، لكنه هو الشريط الأول بعد إعادة تسميته وتغيير الكوفر الخاص به، ليصبح «علمونى عنيكى أسافر» بدلًا من «أمانة يا بحر».
هذان الأمران.. أو هذان الشريطان، غيّرا الموسيقى فى مصر، لأنك لما تسمع «ما تحسبوش يا بنات إن الجواز راحة»، ستجد أن إيمان تغنى لحنين فوق بعض، وليس لحنًا وإيقاعًا، والـ«بيزجيتار» بيعمل حاجة غير اللى هى بتغنيه، لكن الـ«كونترباس» مع مثلًا أم كلثوم بيترجم اللى هى بتقوله، بيقول نفس الميلودى موسيقى، إنما الـ«بيزجيتار» له مسار آخر مختلف، أيضًا عملنا مزاوجة بين الدرامز والطبلة، ولم يكن يوجد شيء مثل هذا، ثم بإمكانك أن تسمع وتضيف إحساسك إلى ما تسمعه، ومن هذه اللحظة.. عرف الجميع أنه لا يوجد عمل غنائى سينجح من دون الـ«بيزلاين، هارمونى، كاونتر بوينت، هارمونى فى الأصوات»، وهذا كان مفرقًا مهمًا جعل الجميع يتبعون الأسلوب نفسه، سواء الفرق أو الأفراد، وفرقة المصريين هى الفرقة الأولى التى ألفت كلماتها ولحنت ألحانها وعزفته وغنته، هذا ما يسمى فرقة، الفرق التى ظهرت بعد ذلك مثل الأصدقاء أو الـ«فور إم» أو الجيتس (وبالمناسبة الجيتس سبقونا بشريط لكن كان كله حاجات لبنانى.. لا تأليف ولا توزيع ولا هارمونى ولا أى قصة من اللى بنحكى عنها)، ومنذ ذلك الوقت.. لم يكن بإمكان أحد أن يخالف ما وضعته فرقة المصريين حتى اللحظة هذه. حتى مطربى الشعبى مثل الليثى وآخرين، معهم بيزجيتار، وبطلت موضة الـ«كونترباس» كبير الحجم. وانتشرت الموضة الخاصة بنا باستخدام الآلات الحديثة وهى أن أصدمك موسيقيًا.
■ هل الصدمة الموسيقية الجديدة.. نتيجة لرفضك الأغنية التقليدية الشرقية؟
ـ صراحة.. أنا لى تحفظات عليها، وسأخبرك لماذا، الأديب العالمى نجيب محفوظ جاء ذات يوم ليجرى معنا حديثًا، وطبعًا أنا الوحيد اللى قعدت معاه، لأن باقى الناس ما «قروهوش»، لأن معظمهم خريجو مدارس فرنساوى وإنجليزى، لكن أنا كنت قرأت المرحلة الفرعونية والمرحلة التلغرافية و... وصولًا لما نحن فيه حينها، فقال لى: يا هانى.. أنا شايفكم مهيصين الشباب.. ودى ظاهرة صحية.. وكأنهم بيمارسوا رياضة.. وأهلهم موجودين بيتفرجوا من بعيد.. ليه ما بتلعبوش أغانى عربى؟
فقلت له: لأن المقدمة طويلة بـ3 أغانى من بتوعنا، ثانيا الأغنية تبتدى تانجو.. وتقلب فى النص مقسوم والناس يقعدوا يرقصوا بلدى، وكان فى الوقت دا.. الشاب اللى يرقص بلدى.. ينطرد من الشلة وما حدش يسلم عليه ودى تبقى آخر حياته الاجتماعية، يعنى انتحار اجتماعى لأنه بيهز وسطه.. ودى عيبة.

■ نعود لحكاية نجيب محفوظ…
ـ فقال لى: طب بقولك إيه.. ما تعمل الأغنية الصح ما فهمتش يعنى إيه أعمل الأغنية الصح إحنا بنلعب غربى، فقال لى: اسمع يا هانى.. لا تستبدل شهوة العمل بشهوة الكلام. فظهر من تعبيراتى إنها تقيلة علىّ، فقال لى: اللى انت شايفه اعمله.. اعمل أغانى عربى مقدمتها قصيرة.. إيقاعها واضح.. ما فيهاش نقلات.. ما فيهاش... إلخ.
■ هل نجيب محفوظ الدافع لتكوين فرقتك.. أم أنها كانت قد تكونت؟
ـ لا.. هو أوحى لى بالموضوع.. لكن فضل الموضوع زى بذرة موجودة داخل التربة.. ومغطيها.. من غير ميه، ففرقتنا المصريين كانت موجودة ومنظمة ومرتبة لكنها كانت تعزف غربى.. لكن العزف العربى لم يكن قد بدأ.. ونجيب محفوظ هو صاحب الإيحاء فى ذلك.
فى الفترة التالية.. عبد الحليم بجلالة قدره.. كان ييجى ويقف جنبى وأنا بلعب أورج فى الفرقة الغربى.. ويحاول يعزمنى على الغدا أو العشا وأنا كنت أزوغ، المهم إن هو كلف الكتاب مفيد فوزى، ومحمد حمزة والإذاعى وجدى الحكيم.. وقال لهم: قولولى هانى دا بيحب إيه، فقالوا له ما بيحبش حاجة.. إلا مفيد فوزى قال لى أنا قولت له أنا كنت باصلح كاسيت عند حد وقلت له تعرف هانى.. قال آه أعرفه.. بيحب إيه؟ قال له: دا لو شاف أورج جديد أو سماعة كويسة.. يبيع الدنيا بقى ويقعد يلعب عليه.. وكأنه نسى الدنيا وما فيها.. فعبد الحليم جاب لى ماكينة اسمها «سوبرسترينز» يعنى وتريات فائقة، ودى مكان الكمنجات والفيولات والتشيللو وكل حاجة.
فكلمنى فى التليفون وقال لى: يا هانى أنا جبت جهاز وعاوزك تشوفه، قولت له: جهاز إيه؟ قال لى: سوبر سترينز، قلت له: اوصف لى البيت، ولما ذهبت له، خرج عبد الحليم بهيئة لا أنساها حتى اليوم، يرتدى جلابية بيضا حرير بشياكة غير عادية، وطاقية بيضا حرير شفافة، وقال لى: يا هانى ما تعرفش حاجة من حاجاتى؟ فقلت له: أعرف أهواك، قال طب تلعبها؟
فقعدت ألعبها بتنويعات، وهو أخد باله، فقال: اسمع بقى يا هانى.. أنا عاوز أكلمك بصراحة.. قلت: اتفضل، قال: أنا عاوزك تعمل لى فرقة صغيرة، زى الـ«بتى شاه»، قلت له: حاضر، هنجيب معانا عمر خورشيد.. لأنه كان بيلعب فى البتى شاه وبيلعب فى «الماسية» فى نفس الوقت.. وحافظ الحاجات اللى بنلعبها، ودرامر اسمه رياض، وكل يوم من الساعة واحدة للساعة خمسة.. هو يفطر قدامنا.. واحنا نتمرن، وبعدين نتغدا مع بعض ونروح.
وبعدين قال لى: الموسيقار أحمد فؤاد حسن بيقول الناس هتفتكر إن انت هتسيبنا وتشتغل مع الفرقة الصغيرة دى، فهنضم 3 من جهابذة الماسية عليكم.. عندك مانع.. قولت له: لا ما عنديش مانع.. فضمينا هانى مهنا، وحسن أنور «رق»، ومختار السيد «أوكورديون»، وعملنا حفلة «النص التانى من حفلة نادى الجزيرة» وموجودة على يوتيوب، وبعد ما خلصنا ونزلنا قال لى: هانى احنا لقينا بعض.. حجز الطيران هيكون قليل، حجز الأوتيلات هيكون قليل.. هنلف الدول العربية والعالم كله ونوريهم قد إيه موسيقانا جميلة.. دا الرافد الثانى.
فيه رافد ثالث، إن كل الشباب كانوا بيقولولنا اشمعنى احنا ما لناش فرقة زى كل دول العالم، إنجلترا عندهم البيتلز، أمريكا عندهم البيتش بويز والإيجلز، فرنسا كذلك، فأنا بعد الحفلة دى عبد الحليم توفى وقلت حان الوقت إنى أعمل الحاجة اللى قال لى عليها نجيب محفوظ واللى ابتديتها مع عبد الحليم.. اللى هى الأغنية الشرقية بطريقتنا وتوزيعاتنا الجديدة.
فأنا عملت «يلا نقضى أجازة سعيدة» لصفاء أبو السعود، «اللعبة» لنيللى، «حبيبة بابا رشا» محمد ثروت، لأنى مهتم جدًا بالأطفال، لأن الأطفال هم المستقبل، وهتلاقى فى الموسيقى التصويرية لى باع طويل، فستجد «لاعزاء للسيدات، المشبوه، عصابة حمادة وتوتو، الغول، المولد، الأفوكاتو، احترس من الخط، شمس الزناتى»، وعلى فكرة.. الموتيفة الخاصة بشمس الزناتى هى أشهر موتيفة فى مصر على اليوتيوب، ولما تكتب شمس الزناتى مهرجانات، حتلاقى 81 واحد عاملين لها توزيع ومغنيها وكاتب كلمات.
وغير هذا ستجد لى ألحان.. الرومانسى عملت لنجاة «بحلم معاك، وأنا بعشق البحر»، و«يوم الهنا»، ولمنير واصلنا العمل فى باقى الشرايط، وهتلاقى شعبى مثل كتكوت الأمير عملت له شريط حلو جدًا اسمه غاوى، فهتلاقى تنوع فى العمل، وعملت لعلى الحجار أغنيتين جميلتين جدًا، لكن مشكلة سوق الكاسيت هو المضاربة بين الشركات وبعضها ومحاولة الربح وتكوين تربيطات، فأنا كنت أقدم العمل ولا علاقة لى بما بعد ذلك، مثل شجرة البرتقال.. وظيفتها أن تطرح البرتقال.. ومن يقطف ويأكل.. أو يقطف ويبيع.. لى علاقة لى بذلك.
■ تحدثنا عن الفِرق الغنائية والشعبى.. ننتقل فى الفترة نفسها للشباب الفترة.. عمر فتحى، محمد منير، عمرو دياب، مدحت صالح، عماد عبد الحليم، هل كل هؤلاء يمثلون لونًا واحدًا من الغناء؟
ـ كانوا كلهم عايزين يرجعوا.. بس عارفين إن النجاح فى خطوات قدام مش فى خطوات ورا..

■ يعنى إيه كلهم عايزين يرجعوا؟
ـ يعنى كلهم كانوا يتمنوا لو الناس ما عجبهاش الإيقاعات الجديدة الـ«بيزجيتار، وإليكتريك جيتار» ومثل هذه الآلات، وكانوا عايزين يفضلوا يغنوا براحتهم كدا غير محكومين، ما هو لما نعلّى الإيقاع ما تقدرش تفلت منه، وهذا بحاجة إلى جهد ونفس يلاحق هذا الإيقاع، هذا أولًا، ثانيًا هم اتربوا على القديم، ولذلك هؤلاء من دفعوا ثمنًا باهظًا وغاليًا، لأنهم قبل وجود الدرامز.. مع أم كلثوم مثلًا.. كان الرقاق يتمهل وينتظر.. فإذا قالت «يااا ظالمنى.. دوم دوم دوم»، ثم تقول «ياااا ظالمنى.. دوم دوم دوم»، فهى هنا غير محكومة.
وأنا هنا أستثنى من كل هؤلاء عمر فتحى، لأنه سبق عصره.. فهو أولًا بدأ فى فرقة المصريين، فهو من غنى الأغنية الأولى «بحبك لأ» التى سببت نجاح الفرقة، التى نسميها «الهيت» وليس «الهيد»، أى الأغنية التى تنجح و«تكسر الدنيا» وتنجح الشريط، وقد غناها بالطريقة التى قلنا له عليها، وهو سبق عصره لأنه عرف إن اللى حيغنى وهو واقف ما بيتحركش مش حيعجب الناس، لأن كان دايمًا فى ميكروفون ثابت والفرقة وراه.. واللى حيغنى لابس بدلة، ويغنى ويروح، لكن هو أول واحد يمزج الرقص مع الغناء، فاليوم لا تجد مطربًا يغنى بلا حركة، لأن العين تتمتع مثل الأذن.
■ من منتصف السبعينيات إلى الثمانينيات.. المنظومة الغنائية نفسها كانت مستمرة.. فماذا طرأ على الأغنية فى فترة التسعينيات؟
ـ ظهرت فرق كثيرة جدًا، تبحث عن شيء جديد، فهم أولًا أخطأوا فى شيء ولم يخطئوا فى شيء آخر، أخطأوا فى أنهم يؤلفون كلمات الأغانى بشكل جماعى أثناء جلستهم معًا، لكننى اعتمدت على الأساتذة صلاح جاهين، صلاح فايز، عمر بطيشة، عنتر هلال، مرسى السيد.. فرسان الكلمة والأغنية، لكن لما مثلًا انت اسمك مصطفى.. فأقول «بحبك يا مصطفى».. والتانى يقول «لما النور انطفى» ويقولوا «آه والله حلوة.. هييه» فمثل هذا كان من أخطائهم، وكنت أسمع أشياء لا معنى لها، ورأيى هنا بكل وضوح «الفن الذى لا يضيف إليك.. يأخذ منك»، على الأقل يهدر وقتك، الفن الذى لا يضيف لوجدانك فهو فن يسرق وقتك ويفقدك الكثير.
دعنى أكمل لك.. من الناحية الموسيقية.. أخذوا يبحثون عن الجديد.. فيجدوا شيئًا اسمه «ريجى»، فى شىء اسمه «الجيركن» وكل واحد يبحث عن شيء على الإنترنت ليقلده، فلما تقلد.. ثم تؤلف كلمات مع أصحابك تودى الدنيا فى داهية، فلما تبحث عن سر نجاح أم كلثوم حتى اليوم، فالسر الشعراء، وهنا دعنى أخبرك بقاعدة «خلود الأغنية من كلماتها.. ونجاحها من لحنها».
■ معنى ذلك أن الكلمات قد تكون جميلة لكنها لا تنجح بسبب اللحن؟
ـ طبعًا.
■ إذًا المطرب هو الجواد الذى يحلق باللحن والكلمات؟
ـ بالضبط.. تمامًا.. ونحن لم نصبح فى عصر المطرب، لأنه يوجد كثيرون يعيدون ألحان زمان مثل محمد الموجى خصوصًا أغانى عبد الحليم، وآخرون يعيدون أغانى أخرى، فكون الأغنية مرتبطة بعبد الحليم انتهى.. مثل أغنية «أول مرة» التى سمعتها كثيرًا، فهذا انتهى لأن كثيرين أعادوها بعد ذلك..
■ هل تقصد انتهاء نجاح الأغنية؟
ـ بل العكس.. الأغنية ناجحة لكن ارتباطها بعبد الحليم انتهى، وستستمر ناجحة لأنها ستعاد بأكثر من شكل، ثانيًا.. الملحن هو الصينية الفضة التى تقدم الوجبة التى هى الكلمات، فاللحن هو الصينية الفضة.. وبالتكرار تحفظ الكلمات.. حتى تستشهد بمقطع من الأغنية فى مقالة، ويتوالى النجاح.. لكن يبقى خلود الأغنية فى كلماتها.
■ إذًا كانت التسعينيات فترة اضطراب وخلل؟
ـ هذا من ناحية الفرق.. لكن يوجد آخرون اتجهوا إلى المهرجانات.
■ قبل المهرجانات.. هناك على الحجار ومحمد منير وعمرو دياب ظهروا كنجوم ناجحين واستمراو فى حين أن الباقى يتساقط على جانبى الطريق...
ـ وما تفسيرك أنت.. لاستمرارهم ونجاحهم.. ولا يستطيع أن يقترب منهم أحد؟
■ بسبب الكلمة واللحن؟!
ـ والتدريب.. بوريس بيكر أحسن لاعب تنس فى ألمانيا.. لديه كوتش «مدرب»، محمد صلاح يطيع مدربه.. فهل محمد صلاح قليل.. وهل بوريس بيكر قليل؟ طبعًا لا، فإذا لم يكن يوجد مدرب ينظم له عقله منذ البداية.. ماذا يفعل ولا يفعل.. ماذا يقدم وكيف يتحدث، وخلى بالك أنا خصصت منير للأغنية السياسية، عكس فرقة المصريين للأغنية الاجتماعية، وعمرو دياب للأغنية الترفيهية، وحتى اليوم هؤلاء الثلاثة هم ملوك الأغنية.
■ ومن يحل محل المصريين الآن أو يمثل امتدادًا لها؟!
ـ ما حدش بيحل محل حد.. لكن هييجى ناس.. وإحنا كاتبين دا فى أغنيتنا «هتمر بينا سنين / تتغير الأحلام / وتتبدل الأوهام / يمكن نكون عايشين / هييجوا ناس تانيين / فى نفس المكان واقفين / وف ليلة تحت الضوء / هيغنوا للعالم / ويغنوا على طريقتهم / وتبقى غنوتهم / عالم من الألحان» فنحن نبشر بالقادم، فليس لدى أنانية «إحنا» وبعدنا خلاص.
■ النقلة التى حدثت فى الأغنية وظهور ما يسمى «أغنية الميكروباص»؟
ـ وليه الميكروباص؟
■ لأنها تنتشر بين فئة السائقين.
ـ ليه ما نقولش الميكروباص والتوكتوك..
■ والتوكتوك...
ـ أغانى الميكروباص والتوكتوك.. هى الأغانى التى أطلقوا عليها المهرجانات، وهم بهذا الاسم أساءوا للمهرجانات، لأن مصر مليئة بالمهرجانات.. مهرجان السينما، مهرجان أغنية الطفل، مهرجان البحر الأبيض المتوسط، مهرجان الشعر.. فأنتم مالكم ومال المهرجانات؟ لكن الفكرة أنهم عملوا توليفة ومش لاقيين لها اسم.
■ تقصد أن التسمية خطأ؟
ـ طبعًا.. لكن اسمها «أغانى الأوتو تيون»، وهو «الجهاز» اللى لما تغنى فيها تخرج صوتك مغرغر وحاد، هذا الجهاز لما جربوه عجبهم، فأصبحوا يغنوا أى كلام و«اديله»، مع شوية إيقاعات حلوة.
■ وتقريبًا إيقاعات ثابتة!
ـ هى إيقاع واحد.. ودعنى أخبرك بشيء جميل، إذا كان الجمهور معجبًا بها.. فلا اعتراض لى.. لكن أنا لى اعتراض واحد، نحن فى مصر لدينا طريقتان لصنع الأغنية، الأولى أن تأخذ الكلمات وتذهب بها إلى الرقابة على المصنفات الفنية، فإما أن يجيزوها أو يرفضوها، أو يطلبون تعديل بعض الكلمات، وبالتالى إذا قدمتها فأنت فى أمان من غضب الرقابة، الطريقة الأخرى لصنع الأغنية.. ألا تذهب للرقابة أصلًا، وتصنع الأغنية وترفعها على اليوتيوب، وجميعهم يفعلون هذا.
■ بعد 25 يناير ظهرت على السطح فرق جديدة وبعض المطربين.. ربما كانوا موجودين من قبل لكنهم راجوا واشتهروا بعدها مثل كايروكى واسكندريلا وبلاك تيما؟
ـ لا يمكنك أن تضعهم جميعًا فى سلة واحدة، فرقة «اسكندريلا» يواصلون تقديم ما كان يقدمه أحمد فؤاد نجم والشيخ إمام، فهم يغنون بطريقة اللحن والإيقاع زى زمان، لكن «كايروكى» فرقة منظمة ويلعبون الجيتار وهكذا، «بلاك تيما».. أكثر براعة منهم ويعجبوننى جدًا وحضرت لهم أغنية «بحلم معاك» لنجاة بتوزيع جديد ولديهم ابتكار فى عقولهم وهذا أهم شىء فى الدنيا، واعرف «وسط البلد» وهم جيدون جدًا وأعرف «مسار إجبارى» وأعجبونى أيضًا، فجميعهم جيدون لكن المهم الاستمرارية، فمشكلتنا مثلًا فى فرقة «المصريين» كانت أن مطربة الفرقة إيمان يونس هتتجوز وتتوقف عن الغناء، وبهذه الطريقة 3 مطربات، فيبدو أن أغنية «ما تحسبوش يا بنات إن الجواز راحة» لها تأثير عكسى، اللى تغنيها تتجوز علطول، وأنصح بها فتيات الشعب المصرى.. فيبدو أن سرها باتع.