من فكرى أباظة إلى هيكل
ماذا جرى للصحافة فى مصر؟!
منير مطاوع
أكتب هذه الحكايات والذكريات من الذاكرة واعتمادا على بعض ما أمكن جمعه من مواد وصور، وأترك لنفسى حرية التجوّل فى دوائر الذكرى دون تخطيط مسبق حتى أشعر براحة ومتعة لا تحققها عملية التوثيق الأرشيفية ولا يتحقق معها للقارئ ذلك الشعور بالمتعة والمؤانسة.
ومع أن الحكايات والومضات تتزاحم فى رأسى، ومع أن بعض الأسماء تختفى من شريط الذاكرة بفعل التقادم، وتشابك الأحداث والوقائع والشخصيات والمشاعر، فإن ما يهمنى أكثر هو جوهر كل حكاية أو ومضة أو واقعة.
رواد الصحافة الحديثة، من غير مدرسة «صباح الخير» ممن عاصرتهم، خمسة، هم: فكرى أباظة ومحمد زكى عبدالقادر وهيكل وعلى ومصطفى أمين، وهو الوحيد الذى التقيته منهم.
ولكل منهم نصيب فى مجال الريادة على الرغم من أن بعضهم تنسب إليه مسائل تتعارض مع الريادة وتصل أحيانًا إلى حد الإساءة للصحافة.
يمكن لنا دون مبالغة، وصف فكرى أباظة فى عبارة واحدة بأنه «فارس».
ليس فقط فى الصحافة التى يعتبر أحد روادها، بل فى مجالات أخرى كالمحاماة والبرلمان والعمل السياسى الوطنى.
وكذلك فى الإذاعة وأيضًا الموسيقى وحتى فى كرة القدم.
وفروسيته فى عالم الصحافة امتدت لعقود وتمثّلت فى مواجهة الفساد والظلم والحكومات المتواطئة مع الاحتلال البريطانى.
وأيضًا فى مقالاته وحملاته ضد مظاهر التخلّف فى المجتمع ودعوته الدائمة للنهوض به.. ودفاعه عن حقوق المرأة والعمال والفلاحين.
وهى مواقف التزم بها طوال حياته وسببت له الفصل من الجامعة، والسجن والاعتقال فى ظل كل الأنظمة السياسية قبل الثورة وبعدها..
وفى شبابه طرد من كلية الحقوق بدعوى العيب فى السلطة الخديوية.
وطوال 59 سنة من العمل الصحفى (1919- 1977) كان الصحفيون – ومعهم طبعًا القراء - يعتبرونه نصيرهم ونصير الحق.
وانتخبوه أول نقيب لهم من المحررين بعد أن كان المنصب حكرًا على أصحاب الصحف وبقى نقيبًا لأربع دورات متوالية يدافع بفروسية عن الحريات والحقوق والدستور.. وعن كرامة الصحفى.
وكانت فروسيته موضع إعجاب الجميع وحياها بفخر الكاتب القدير عبدالعزيز البشرى كما خصص أمير الشعراء أحمد شوقى قصيدة فى تحية فروسية فكرى أباظة.
وبهذه الروح التى تمتع بها، تميز هذا الرائد الكبير.. ونشرها بين من حوله، فاحتفظ لنفسه باسم جليل فى عالم الصحافة والوطنية.
محمد زكى عبدالقادر
وهذا رائد لا ينسى.
تميّز طوال تاريخه الصحفى بالصدق والأمانة وحسن التعبير عن المصالح الوطنية وابتكار لغة كتابة تنسج البساطة بالعمق والابتكار.
وهو من رواد فن العمود الصحفى، وكان عموده «نحو النور» موضع احترام وتقدير وتلهّف القراء بعشرات الآلاف على قراءته كل يوم، لموقفه النبيل من قضايا الوطن ومساندته الدائمة، بقوة وإيمان، لحق المواطن فى الحرية وحق الوطن فى الاستقلال ومسئولية الجميع فى النهضة والتقدم.
وتعتبر مقالاته اليومية الموجزة هذه درسًا فى الدور الذى على الكاتب الصحفى أن يقوم به فى الدفاع عن المبادئ والارتقاء بلغة النقد، والشجاعة فى الحق، والبعد عن الأهواء والتحيزات الشخصية واعتماد لغة رفيعة بعيدة عن السقوط فى مستنقع البذاءة والعدوانية والصراخ والوقاحة أو التفاهة.
وقد قام بقيادة «الأهرام» ثم «الأخبار» ونجح فى نقلهما من جرائد لا تولى القضايا الحقيقية اهتمامًا يذكر إلى منابر للرأى الحر المعنى برفعة الوطن وحريته وحرية المواطن وسعادته، وهو واحد من صحفيين قلائل ضمهم مجمع اللغة العربية تقديرًا لدورهم فى ابتكار مفردات لغوية حديثة والحفاظ على مكانة وتألق اللغة العربية.
ولا ننسى أن محمد زكى عبدالقادر هو مكتشف ومدرّب رائد صحفى آخر تولاه فى عشرينياته هو أحمد بهاء الدين، فانطلق ليؤسس نهجًا صحفيًا جديرًا بالاحترام كنهج أستاذه.
وتميزت ريادة عبدالقادر بالمشاركة فى تأسيس أول معهد علمى لدراسة الصحافة فى الجامعة، كما أسس مجلة فكرية ثقافية عالية القيمة هى «فصول» التى قدمت صورة حديثة للشهريات الأدبية فى ارتباطها بواقع الحياة وإشباع الحاجة إلى المعرفة والتحصّن بالعلم فى زمن شاع فيه الجهل وانتشرت فى الصحافة وقتها الحزعبلات والتفاهات التى روّجها أعداء الوطن.
يبقى من ذكرى محمد زكى عبدالقادر أنه كان من قلائل الكتاب الصحفيين الذين تحوّلت مجالسهم الأسبوعية إلى صالون ثقافى فكرى وطنى.. يؤمه كل متطلع إلى غد أفضل.
محمد حسنين هيكل
يعتبر محمد حسنين هيكل بجدارة، الصحفى المصرى والعربى «العالمى» الوحيد.
ولا أحد ينكر أستاذيته وكفاءته الصحفية ودوره فى تحديث الصحافة وجعل واحدة من كبريات صحف العالم فى وقت ما، وتميز بريادته فى أسلوب الكتابة والتحليل.
وقد بدأ حياته الصحفية فى مجلة «روزاليوسف» ثم كان ضمن من تركوا المجلة وقتها ليعملوا مع أستاذهم محمد التابعى فى إصدار مجلته «آخر ساعة». وعمل هيكل محررًا لأخبار الحوادث والجريمة.
ويروى فتحى غانم أنه التقاه لأول مرة عندما كان هيكل محررًا صغيرًا يأتى إلى إدارة التحقيقات القانونية فى مقر وزارة المعارف ليسأل فتحى غانم وزملاءه أحمد بهاء الدين وعبدالرحمن الشرقاوى عن أخبار تحقيقاتهم..
لكن بروز هيكل لم يعتمد فقط على كفاءته ونشاطه، بقدر ما أفاد من علاقته الشخصية مع زعيم ثورة يوليو جمال عبدالناصر، وكان قد تعرّف عليه خلال تغطيته لوقائع حرب فلسطين وقابله بوصفه الضابط المصرى قائد الكتيبة المحاصرة فى الفالوجا.
ونجح هيكل فى الفوز بثقة الزعيم مِن مَن ينافسونه على الفوز بها.. مصطفى وعلى أمين، فأصبح «الكاتب الشبح» لكتاب «فلسفة الثورة» الذى صدر بتوقيع عبدالناصر..
واشترت حكومة الثورة جريدة «الأهرام» من ورثة أصحابها اللبنانيين المتمصّرين وسلّمتها لهيكل وخصّته، دون بقية الصحف اليومية، بأهم أخبار الدولة. وكانت النتيجة نهضة «الأهرام» وتدهور الصحف الأخرى.. بما فيها «الجمهورية» صحيفة الثورة.
ولم يكن هيكل فى كتاباته يحمل فكرًا ثوريًا أو وطنيًا كما أرى، فلم يكتب أبدًا دفاعًا عن الحريات العامة والنهوض بالمجتمع ومراجعة أخطاء الضباط الأحرار، كان فقط يكتب ويشرح رؤية عبدالناصر.
كان «صوت الزعيم» وكان عبدالناصر يقول «إن هيكل هو أفضل من أوضح أفكارى» ولذلك كانت صحافة بيروت تسميه «هيكل عبدالناصر».
وبسبب قيادة عبدالناصر لمصر والأمة العربية وعدائه لأمريكا ودول الاستعمار والصهيونية، كان لابد لأجهزة المخابرات فى هذه الدول من متابعة أفكاره التى ترد فى مقالات هيكل فى «الأهرام» ومن هنا جاءت شهرة هيكل العالمية.
فاستثمرها هو لصالحه شخصيًا على أفضل وجه حتى أن ضيق السادات به وعزله من «أهرامه» التى حوّلها دولة داخل الدولة، استفاد منه هيكل فى تحقيق مزيد من «العالمية».

وأتذكر أزمة سببها مقال له ينادى فيه بتحييد أمريكا.
وكأنما يطالبنا بتقبل الهزيمة التى أطلق عليها وصفًا مخففًا هو «النكسة».. فانبرى عدد من الكتاب الوطنيين بمهاجمته ودحض هذه الفكرة.
على ومصطفى أمين
هذان الشقيقان غيرا وجه الصحافة بلا شك.
فمن قبلهما فى منتصف أربعينيات القرن الماضى كانت الصحافة فى حالة يرثى لها، كلها مقالات وخطب وشعارات ومطولات وبيانات حزبية وعبارات ضخمة وأغلبها مكتوب بلغة فيها تعال على القارئ وشبه أوامر له.
لكن الأخوين التوءم اللذين درسا فى الخارج.. «على» درس الهندسة فى بريطانيا بينما تخصص «مصطفى» فى العلوم السياسية فى أمريكا - عادا ليشقا طريقهما فى مجال آخر بعيد عن دراستهما هو الصحافة.
فبعد فترة من العمل فى مجلة «روزاليوسف» انتقل مصطفى أمين إلى دار الهلال ثم استطاع مع توءمه على، بمعاونة مالية كبيرة، جمع ما يكفى من مال سنة 1944 لإطلاق جريدة «أخبار اليوم» الأسبوعية التى مثّلت ثورة فى الصحافة، حيث اعتمدت الخبر بدلًا من المقال فى صفحاتها.
لكن المشكلة هى أن هذه الصحافة الجديدة كانت موالية للملك ونظام الحكم المعادى لمصالح الوطن والشعب.
وأيضًا اعتمدت نشر الأخبار المثيرة مثل قضايا طلاق المشاهير، وأخبار الجرائم.. والفبركة والتضخيم، لزيادة التوزيع وكسب الأموال أحيانًا.
ويذكر لهذه المدرسة أنها كانت أول من يبعث بمحرريها وكتابها للخارج لتغطية أحداث عالمية وأول من عيّن مراسلين مقيمين فى عواصم عربية وعالمية.
كما كانت - أيضًا - أول من يخطف الصحفيين والرسامين من «روز اليوسف»!
وأول من يصنع من محرريها وكتابها نجومًا، بهدف مزيد من الرواج ومزيد من النجاح لمصطفى وعلى!
ومن اللافت للنظر أن حكومة ثورة يوليو فى أول أيامها قررت اعتقال الأخوين على ومصطفى أمين لعلاقتهما بمن يعادون الثورة.
ومعروفة طبعًا قصة إدانة مصطفى أمين بالتخابر لحساب أمريكا والحكم بسجنه مدى الحياة وعفو السادات عنه بدعوى تدهور صحته، وتسليمه قيادة مؤسسة «أخبار اليوم» من جديد رغم التأميم، ثم طرده منها ومنعه من العمل الصحفى بعد أن انتقد المنافقين فى حزب السادات وحصول الحزب على أموال بوسائل غير قانونية.
وعندما التقيت مصطفى أمين فى لندن وكان ممنوعًا من الكتابة فى صحف مصر، وجدته يرعى ويكتب فى صحيفة يومية خليجية جديدة محافظة ورجعية تحرّم نشر صور النساء!
ولفت اهتمامى أنه كان فى صحة «عال العال» ولم يكن يعانى تدهورًا صحيًا كما أخبرنا الرئيس السادات!
وفى الأسبوع المقبل نواصل