"صباح الخير" ونصف رواد الصحافة
منير مطاوع
أكتب هذه الحكايات والذكريات من الذاكرة واعتمادا على بعض ما أمكن جمعه من مواد وصور، وأترك لنفسى حرية التجوّل فى دوائر الذكرى دون تخطيط مسبق حتى أشعر براحة ومتعة لا تحققها عملية التوثيق الأرشيفية ولا يتحقق معها للقارئ ذلك الشعور بالمتعة والمؤانسة.
ومع أن الحكايات والومضات تتزاحم فى رأسى، ومع أن بعض الأسماء تختفى من شريط الذاكرة بفعل التقادم، وتشابك الأحداث والوقائع والشخصيات والمشاعر، فإن ما يهمنى أكثر هو جوهر كل حكاية أو ومضة أو واقعة.
استوقفنى خلال رصد رواد الصحافة المعاصرة العشرة أن نصفهم ينتسب إلى مدرسة «صباح الخير».. لم يدهشنى ذلك، فهى مدرسة غيّرت وجه الصحافة كما غيرت الصورة التى كانت شائعة عن الصحفى.
والرواد الخمسة هم: أحمد بهاء الدين وحسن فؤاد وجمال كامل وصلاح حافظ وفى مقدمتهم إحسان عبد القدوس الذى كان موضوع حديثنا السابق.. ولنتعرف عليهم وعلى مجالات ريادتهم ونبدأ بأحمد بهاء الدين.
منذ بداياته حقق لنفسه اسمًا ساطعًا مثيرًا للاحترام على الفور، ولم يكن يتعدى العشرين من عمره فى أوائل خمسينيات القرن العشرين، وقبل أن يبلغ الثلاثين تولى تأسيس ورئاسة تحرير «صباح الخير» التى جاءت «فتحًا كبيرًا وقفزة رائعة إلى الأمام فى تطور الصحافة المصرية والعربية دشن بها بهاء مدرسته الراقية فى الصحافة: ملتزمة دون أن تكون متزمتة، هادفة وممتعة فى الوقت نفسه، راقية دون تعال على الناس، وشديدة الحساسية بمشاكل الناس دون أن تتملقهم». وهذا الوصف ليس من عندى لأنى ابن هذه المدرسة، لكنه لمفكر محترم هو الدكتور جلال أمين..
ومنذ بداياته الأولى قبل «صباح الخير» كان أحمد بهاء الدين يتمتع بوضوح الموقف حيث استدعى للمثول أمام النيابة متهمًا بالدعوة لقلب نظام الحكم الملكى فى مقال نشره فى مجلة الحزب الوطنى الجديد بزعامة فتحى رضوان.
وأصبح مستقرًا لدى الأجيال أن أحمد بهاء الدين إذا كتب، فلابد أن يقرأ.. فهو يمتلك أسلوبًا نفاذًا واضحًا يستهوى العقل ويشرك القارئ فى التفكير ولديه قدرة فائقة على طرح «أعوص» القضايا بأسلوبه السهل الممتنع. وعلى مدى نحو نصف قرن أصبح رائدًا يحوّل الصحف التى يتولى أمرها بـ«لمسته السحرية» إلى مجلات وجرائد يتلهف القراء على الفوز بنسخها.
والسرّ يكمن فى طبيعة بهاء الصادقة التى تحترم القارئ ولا تتعالى عليه، وتكتب له بروح المشاركة والتأمل والنظر إلى المستقبل. وبسبب ثقافته الموسوعية وحبه للجمال والحق والحرية كان يكتب فى السياسة والفكر والفن والأدب بجدارة وتميز.
وقد خاض معارك عدة، فمثلًا فى سنة 1967 كان نقيبًا للصحفيين وخاض معركة مع عبد الناصر حول تمييز «أهرام هيكل» بأخبار الدولة المهمة وما ترتب عليه من تدهور أحوال بقية الصحف وهبوط مشاعر الصحفيين فيها.. كما طالب برفع الرقابة عن الصحافة التى أعلنت فى أعقاب الهزيمة.
وفى زمن السادات وجه انتقادًا حادًا لسياسة الانفتاح الساداتى مطلقًا عليه «انفتاح السداح مداح»..
الثاني هو حسن فؤاد
هو رائد فى أكثر من مجال.. فى السينما والتليفزيون والإذاعة وكتابة السيناريو، وذلك بسبب تعدد مواهبه، فقد كان يتمتع بموهبة فائقة أعتبرها أهم مواهبه، وهى اكتشاف ورعاية الموهوبين فى كل مجال، وسنكتفى هنا بريادته الصحفية فى فن الإخراج الفنى للصحف والمجلات والكتب بعد أستاذه عبدالسلام الشريف الذى قدّمنى له سنة 1964 لدى توليه منصب المستشار الفنى لمؤسسة «روزاليوسف» فعيننى مساعدًا للمخرج، ومحررًا تحت التمرين، بينما كنت فى أول سنوات الدراسة فى كلية الفنون الجميلة التى تخرج فيها قبل ذلك بنحو 20 سنة.
وتمثلت ريادته فى أن الصحف والمجلات لم تكن من قبله تعرف مهنة «المخرج الصحفى» أو المدير الفنى، وكان تجهيز الصفحات يخضع لعملية عشوائية لا تقوم على أى أساس فنى أو علمى، أو حتى جمالى، وكان يقوم بها عمال المطبعة أو صاحب المجلة نفسه.. ويطلقون عليها وصف «التوضيب».
جاء حسن فؤاد ليؤسس مهنة جديدة تقوم بالتعامل مع صفحات الصحف والمجلات بنظرية وعلم يقوم على تصميم وتنسيق المواد الصحفية والصور والرسوم والعناوين بما يعبر عن شخصية خاصة بالمجلة أو الجريدة، وما يحقق للقارئ متعة بصرية تسهل تعامله وتجاوبه واستقباله بل واندماجه مع ما يطالع.. بدأ ذلك بإخراج فنى لأول مجلة تصدرها ثورة 23 يوليو، مجلة «التحرير» فى عام 1953، ثم جاءت «صباح الخير» ليشارك فى تصميمها وترتيب أبوابها ورسم شخصيتها كواحد من مؤسسيها إحسان عبدالقدوس وأحمد بهاء الدين برعاية السيدة العظيمة فاطمة اليوسف.. صاحبة فكرة إصدار المجلة.
فجاءت «صباح الخير» ليس فقط كمجلة جديدة بل ثورة فى عالم الصحافة، تعبر عن الناس وتحبهم وتشاركهم الأفكار وتقدّم لغة صحفية وفنية رفيعة وبسيطة وأنيقة تحب الناس ويحبها الناس.. وأصبح «الإخراج الصحفى» حقيقة جديدة لم تكن موجودة من قبل، ومعها تطورت الصحافة وانتشرت مهنة المخرج الصحفى فى كل الصحف والمجلات.
والحقيقة أن الحديث عن نظرية حسن فؤاد البصرية فى تصميم وإخراج الصحف والمجلات وأيضًا الكتب، يحتاج إلى كتاب، ليتنا نتمكّن من وضعه.
أما الريادة الصحفية الثانية فكانت على صفحات المجلة أيضًا، فقد أفسح بوصفه مصمم المجلة أوسع الصفحات والمساحات لفن الكاريكاتير وتبنى عددًا من فنانيه الذين لمعوا وأصبحوا نجوم هذا الفن الذى حوّلته المجلة من وسيلة استهلاكية للترفيه والنكات فى الصحف الصادرة قبل «صباح الخير» إلى مدرسة فنية ساخرة رفيعة المقام تقدم ما هو أبلغ تعبيرًا وأقرب إلى قلوب وعقول الناس حتى من بعض المواد الصحفية الأخرى.. وهكذا نشأت مدرسة جديدة للكاريكاتير الذى يرسمه فنانون أصحاب رأى وفكر وثقافة وموقف يتصدى لأكثر ما يشغل حياة الناس من قضايا ومشاكل ومعاناة.. ولم يعد رسام الكاريكاتير كما كان فى السابق مجرد «صنايعى» يرسم ما يملى عليه من صاحب المجلة أو الجريدة أو رئيس التحرير وغيرهما.
ثم نأتي لجمال كامل
وهو ليس كاتبًا صحفيًا، لكنه فنان تشكيلى مهم، يعتبر رائدًا فى تطوير الصحافة ونشر الفن التشكيلى فبفضله - وربما دون قصد منه أو تعمّد - تحوّلت المجلات والصحف إلى أكبر معرض للفن التشكيلى، فهو يرسم لوحات غلاف «صباح الخير» ويرسم أيضًا لوحات مصاحبة لبعض موضوعات المجلة، كما يرسم لوحات روايات إحسان عبد القدوس وفتحى غانم وغيرهما، فى مجلة «روز اليوسف».. وطبعًا لأن المجلتين كانتا تعتمدان على الرسوم بدلًا من الصور الفوتوغرافية، فقد تولى مع حسن فؤاد وعبد الغنى أبو العينين، تكوين كتيبة كاملة من الرسامين.. وهكذا تحوّلت الصحف إلى الاهتمام بالفن التشكيلى ونشر اللوحات والرسوم، ما قدّم خدمة جليلة للثقافة عامة ولرفع مستوى الذوق الفنى، وبدلًا من أن يشاهد اللوحات جمهور محدود بالمئات فى المعارض أصبح مئات الآلاف يشاهدونها فى المجلات.

ثم صلاح حافظ
علاقة صلاح حافظ بـ«صباح الخير» قديمة ووثيقة من قبل صدور المجلة!
فهو الكاتب الصحفى الوحيد الذى أعد ملفًا من 20 صفحة عن تخيله وأفكاره وتبويبه للمجلة عندما كانت مجرد فكرة، وذلك بتكليف من إحسان عبد القدوس.. وضع فيه كل ما حلم به لمجلة ستقول لكل المجلات، عند صدورها: «راحت عليكم»!
ومع أن اعتقاله حال دون تحقيق حلمه، إلا أن علاقته بالمجلة لم تنقطع رغم عمله فى «روز اليوسف».. فقد كان لويس جريس أحد رؤساء تحرير «صباح الخير» يذهب إليه فى البيت كل أسبوع محملًا بكافة مواد العدد الجديد ليقوم صلاح حافظ بفرزها وإعادة صياغتها وحذف ما لا يصلح منها.. قبل إرسالها للمطبعة.. وتولى صلاح حافظ رئاسة تحرير المجلة فى فترات غياب لويس جريس..
وفى عهد رئيس تحرير آخر كان يكتب بابًا أسبوعيًا مدهشًا ويوقعه باسم مستعار هو «أيوب أيوب».
فماذا عن ريادة صلاح حافظ الذى تمتع بلقب جدير به هو «مايسترو الصحافة» والمعروف عنه أنه الصحفى الوحيد تقريبًا الذى عمل فى كل الصحف والمجلات وكان يعمل فى أكثر من واحدة فى الوقت نفسه.
ريادته تتجلى فى أسلوبه المبتكر الذى تجلى فى سلسلة مقالات بدأ يكتبها سنة 1951 فى مجلة «روز اليوسف» بعنوان «انتصار الحياة» وكان وقتها طالبًا فى كلية الطب زميلًا ليوسف إدريس.. أحدثت هذه المقالات ثورة فى فن الكتابة الصحفية فهو يجمع بين الحقائق والنظريات العلمية ويستخدمها فى تناول القضايا السياسية والاجتماعية التى يعيشها الناس، أصبحت هذه السلسلة حديث الناس فى كل مكان، ففى زمن كانت الخزعبلات والتفاهات والخرافات هى المادة السائدة، كان الناس فى شوق للعلم والوعى السياسى.
ولأنه «مهووس بالأسلوب» - كما قال فى أحد مقالاته - فقد لمع منذ الخمسينيات خلال تحريره لباب لا مثيل له فى الصحافة، ينشر أسبوعيًا فى مجلة «روز اليوسف» بعنوان «أين يذهب الناس» وكانت مهمته هى إعادة صياغة أخبار ووقائع من فضائح فساد مجتمع الطبقة الأرستقراطية التى تعيش فى عزلة عن معاناة الشعب.. وحقق الباب الذى كان يكتبه طالب الطب فى العشرينيات من عمره، نجاحًا باهرًا واعتبره جمال عبدالناصر من الأعمال الصحفية التى ساهمت فى تهيئة الشعب لثورة 23 يوليو.
وفى الأسبوع المقبل نواصل