الثلاثاء 7 يوليو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان
يوم سقط جاسوس المرشد

يوم سقط جاسوس المرشد

لم تكن ثورة 30 يونيو 2013 مجرد ثورة شعبية ضد حكم جماعة «الإخوان الإرهابية»، بل كانت نقطة فاصلة أعادت رسم خريطة العلاقة بين الدولة المصرية والتنظيمات المؤدلجة العابرة للحدود.



 

بعد ثلاثة عشر عامًا، يبدو المشهد مختلفًا جذريًا.. تنظيم كان يراهن على التمدد الداخلى والدعم الخارجى، ويؤمن أن الحدود تراب.. والمسلم الماليزى أحب وأقرب إليه من القبطى المصرى.. ويروج لمفهوم أستاذية العالم.. يجد نفسه محاصرًا بانقسامات تنظيمية، واتهامات مالية وخراب ذمم طال القيادات.. وملاحقات قضائية، وتراجع دولى فى التعاطف معه، بينما تتسع القناعة عالميًا بأن «الإخوان» ليست مجرد جماعة سياسية، بل هى البيئة الفكرية التى خرجت منها أغلب التنظيمات المتطرفة الحديثة.

 

 

 

 

عرفت جماعة «الإخوان الإرهابية» عبر تاريخها الطويل منذ تأسيسها عام 1928 موجات من الصدام مع الدولة المصرية، لكنها لم تواجه من قبل ما واجهته فى 30 يونيو.. إسقاطًا شعبيًا مباشرًا.. ملايين المصريين خرجوا إلى الشوارع بعد عام واحد من وصول محمد مرسى إلى الحكم، مطالبين بانتخابات مبكرة ورحيل الجماعة، معتبرين أن مشروعها السياسى يسعى إلى «أخونة الدولة» واحتكار المجال العام.

هذا السقوط الشعبى كان أخطر على التنظيم من أى قرار حظر سابق، لأنه أصاب الشرعية التى حاولت الجماعة بناءها عبر صناديق الاقتراع.. ومنذ تلك اللحظة دخلت الجماعة مرحلة دفاع دائم بدلًا من الهجوم، وفقدت قدرتها على تقديم نفسها كبديل وطنى جامع.

وأخرجت الضربات الأمنية والقضائية التى تلت الثورة الجماعة من المجال العلنى فى مصر، ووضعت قياداتها وكوادرها أمام المحاكمات فى قضايا تتعلق بالتخابر والتحريض والعنف والقتل، لكن ما عجّل بانهيار التنظيم لم يكن فقط القبضة الأمنية، بل الانقسام الداخلى الحاد الذى واجهته الجماعة الإرهابية.

وخلال سنوات قليلة تشظّت الجماعة إلى تيارات متصارعة، كل منها يدّعى الشرعية والقيادة.. فظهرت كيانات متعددة فى الخارج، واختلفت حول إدارة الأموال، والخطاب الإعلامى، والعلاقة مع الدول المضيفة، وحتى حول جدوى العمل السياسى نفسه.. وبات التنظيم الذى اشتهر لعقود بانضباطه الحديدى عاجزًا عن فرض قيادة مركزية موحدة.

 

 

 

 

ويصف باحثون ومراقبون هذه الحالة بأنها «موت سريرى تنظيمى»، إذ لم تعد الجماعة تمتلك البنية الصلبة التى منحتها الفاعلية لعقود طويلة، فبعد سقوط حكمها، انتقلت الجماعة إلى مرحلة جديدة اعتمدت على التحريض والتشكيك وإسناد عمليات عنف نفذتها مجموعات مرتبطة بها أو متأثرة بخطابها.. وخلال تلك الفترة شهدت البلاد هجمات استهدفت قوات الأمن، وكنائس، ومساجد، ومؤسسات عامة، خصوصًا فى محافظة شمال سيناء.

هذا التحول كان حاسمًا فى تغيير النظرة المحلية والدولية للجماعة.. فبدلًا من صورة «الحركة السياسية المظلومة»، التى حاولت الجماعة تصديرها طويلًا، بدأت تتبلور صورة التنظيم الذى يوفر الغطاء الفكرى والتنظيمى للعنف والإرهاب فى العالم كله، حتى وإن حاول الفصل بين جناحه السياسى والجماعات المسلحة.

فى السنوات التى تلت 30 يونيو، لم يعد التعامل الدولى مع الجماعة كما كان فى العقد السابق.. فقد أدت التجربة المصرية، ثم تصاعد الإرهاب العالمى، إلى مراجعة واسعة لعلاقة «الإخوان» بالحركات المتطرفة.

وشددت الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية الرقابة على شبكات الجماعة ومؤسساتها المالية والإعلامية، وطرحت نقاشات رسمية حول تصنيفها تنظيمًا إرهابيًا أو فرض قيود على أنشطتها.

 ففى النمسا مؤخرًا تم تجريم عدد من الكيانات المرتبطة بالإسلام السياسى والإخوان، بينما اتخذت فرنسا إجراءات موسعة ضد الجمعيات المتطرفة التى تستلهم خطاب الجماعة.. كما صنفت دول عربية عديدة، بينها السعودية والإمارات ومصر، التنظيم رسميًا كجماعة إرهابية.

المجتمع الجاهلى!

لم يأتِ هذا التحول من فراغ؛ فمعظم التنظيمات الجهادية الكبرى - من «القاعدة» إلى جماعات أكثر تشددًا - خرجت فكريًا من رحم أدبيات الإخوان القائمة على فكرة «الحاكمية» و«المجتمع الجاهلى» واحتكار تمثيل الإسلام سياسيًا. 

ورغم الفوارق التنظيمية بين هذه الجماعات، فإن الباحثين فى شئون التطرف يرون أن الإخوان وفرت التربة الأيديولوجية التى مهدت لنشوء العنف العابر للحدود.

وكان واضحا أنه على مدار سنوات طويلة، انصب تركيز المجتمع الدولى على مواجهة التنظيمات الإرهابية المسلحة مثل «القاعدة» و«داعش» وغيرهما من الجماعات التى مارست العنف بشكل مباشر.. غير أن السنوات الأخيرة شهدت تحولًا لافتًا فى طبيعة هذا التعاطى، حيث بدأ الاهتمام ينتقل من ملاحقة النتائج إلى البحث عن الجذور الفكرية والتنظيمية التى أنتجت تلك التنظيمات.

 

 

 

وجاءت الاستراتيجية الأمريكية لمكافحة الإرهاب لعام 2026 لتعكس هذا التحول بوضوح، بعدما قدمت رؤية تعتبر جماعة الإخوان الإرهابية الحلقة المؤسسة التى انبثقت منها العديد من الحركات والتنظيمات المتطرفة المعاصرة.. فبدلًا من النظر إلى الجماعة باعتبارها مجرد تنظيم سياسى ذى مرجعية دينية، وضعتها الاستراتيجية فى سياق أوسع يربط بينها وبين تنظيمات مثل القاعدة وداعش وحماس، باعتبارها المظلة الفكرية التى أسست لمفاهيم الحاكمية والصدام مع الدولة الوطنية وتوظيف الدين لتحقيق أهداف سياسية عابرة للحدود.

ويعد هذا التطور أحد أبرز التحولات التى شهدها ملف مكافحة التطرف منذ سنوات.. فبعد عقود نجحت خلالها الجماعة فى تقديم نفسها للعديد من العواصم الغربية باعتبارها نموذجًا لما سمى بـ«الإسلام السياسى المعتدل»، بدأت تلك الصورة تتعرض لتآكل متسارع مع تراكم الدراسات الأمنية والاستخباراتية التى رصدت الروابط الفكرية والتنظيمية بين الجماعة ومختلف الحركات المتشددة.

ولسنوات طويلة اعتمدت بعض الدول الأوروبية، وفى مقدمتها ألمانيا والنمسا، توصيفات من قبيل «الإسلاموية القانونية»، فى إشارة إلى جماعات تعمل تحت مظلة القانون والمؤسسات المدنية دون اللجوء المباشر إلى العنف .. غير أن هذا التصنيف بدأ يفقد الكثير من وجاهته مع تزايد التحذيرات الرسمية من أن الجماعة تمثل تهديدًا طويل المدى للمجتمعات الأوروبية، عبر بناء شبكات موازية تسعى إلى التأثير السياسى والفكرى والثقافى من داخل المؤسسات نفسها.

وكانت أجهزة الأمن الأوروبية قد دقت ناقوس الخطر مبكرًا.. ففى ألمانيا حذرت هيئة حماية الدستور من أن الإخوان يمثلون تهديدًا استراتيجيًا للديمقراطية على المدى البعيد، معتبرة أن خطورتهم لا تكمن فى تنفيذ العمليات الإرهابية المباشرة فحسب، وإنما فى إنتاج البيئة الفكرية التى تغذى التطرف وتمنحه الشرعية الأيديولوجية.

ومن هنا تأتى أهمية التحول الأمريكى الجديد، إذ لم يعد الحديث يدور حول تنظيمات منفصلة لكل منها ظروفها الخاصة، بل حول شبكة فكرية واحدة تتفرع منها أشكال متعددة من التطرف، وبذلك انتقلت المواجهة من مرحلة التعامل مع الأعراض إلى مرحلة استهداف المنابع الفكرية والتنظيمية التى تغذى الإرهاب العالمى.

 

 

 

ويرى مراقبون أن هذا التحول سيكون نهاية الجماعة فى العالم، سواء فيما يتعلق بملفات التمويل أو الجمعيات والمنظمات المرتبطة بها أو حركة قياداتها وعناصرها بين الدول.. كما أنه يمنح دفعة إضافية للجهود التى بدأت منذ سنوات لتجفيف منابع التطرف وعدم الاكتفاء بملاحقة منفذى العمليات الإرهابية فقط.

الضربة الكبرى

إذا كانت ثورة 30 يونيو قد وجهت الضربة الأكبر لتنظيم الإخوان داخل مصر، ونبهت أوروبا وأمريكا لخطورة التنظيم.. فإن السنوات التى تلت 2013 شهدت تحولًا موازيًا فى الموقف الإقليمى تجاه الجماعة، وهو تحول لم يقتصر على الإجراءات الأمنية أو السياسية، بل امتد ليصبح جزءًا من رؤية استراتيجية أوسع تتعلق بأمن الدولة الوطنية ومستقبل الاستقرار فى المنطقة.

فمنذ مطلع العقد الثانى من القرن الحادى والعشرين، بدأت دول إقليمية عدة تعيد تقييم تجربتها مع جماعة الإخوان، بعدما كانت قد منحتها لعقود مساحات للحركة والعمل الاجتماعى والدعوى.

 ومع تصاعد موجات الاضطراب التى صاحبت ما عرف بـ«الربيع العربى»، تعززت لدى هذه الدول قناعة بأن الجماعة لا تعمل كتنظيم دينى أو اجتماعى فحسب، بل باعتبارها مشروعًا سياسيًا عابرًا للحدود يسعى إلى بناء ولاءات تنظيمية تتجاوز مفهوم الدولة الوطنية ومؤسساتها.

وكانت الإمارات العربية المتحدة فى مقدمة الدول التى تبنت موقفًا حاسمًا تجاه الجماعة، واعتبرت أن الإخوان يمثلون تهديدًا مباشرًا لاستقرار الدول العربية ولمفهوم الدولة الحديثة.. ومن هذا المنطلق، لم تقتصر المواجهة على الداخل الإماراتى، بل تحولت إلى سياسة إقليمية واضحة استهدفت الحد من نفوذ الجماعة وشبكاتها السياسية والمالية والإعلامية فى المنطقة.

ومع سقوط حكم الإخوان فى مصر عام 2013، وجدت أبوظبى والعديد من العواصم الخليجية فى أحداث 30 يونيو دليلًا عمليًا على صحة مخاوفها السابقة من مشروع الجماعة.. ولذلك سارعت إلى دعم الدولة المصرية فى معركتها ضد التنظيم، ليس فقط باعتبارها معركة مصرية داخلية، وإنما باعتبارها مواجهة مصيرية مع تيار سياسى كانت ترى فيه تهديدًا للأمن الإقليمى بأكمله.

ومع مرور السنوات، أخذ هذا التوجه يتسع ليشمل ملفات إقليمية متعددة. ففى ليبيا دعمت بعض الدول القوى المناهضة لجماعات الإسلام السياسى، وفى اليمن برزت تحفظات واضحة على الأدوار التى لعبتها القوى المرتبطة بالإخوان، بينما اتسم الموقف من الأزمة السورية بالحذر تجاه الفصائل ذات المرجعية «الإسلاموية»، وحتى فى تونس، حيث حاولت الجماعة تقديم نفسها فى صورة أكثر اعتدالًا من خلال حركة النهضة، ظلت الشكوك قائمة تجاه أى مشروع سياسى يستند إلى المرجعية الإخوانية.

شهدت المنطقة إعادة رسم للعلاقات مع التنظيم. فالسعودية صنفت الجماعة تنظيمًا إرهابيًا عام 2014، والبحرين ودول أخرى، تبنت سياسات أكثر تشددًا تجاه شبكات الإخوان ومؤسساتهم، فى حين تراجع هامش الحركة الذى تمتعت به الجماعة فى بعض العواصم خلال السنوات الأولى التى أعقبت 30 يونيو.

وبمرور الوقت، لم تعد المواجهة مع الإخوان مجرد خلاف سياسى عابر، بل أصبحت جزءًا من استراتيجية أشمل تستهدف تجفيف منابع الإسلام السياسى ومنع إعادة إنتاجه فى صورة جديدة.

وانعكس ذلك فى المواقف السياسية والإعلامية والأمنية، وفى التعاون الوثيق مع مصر لملاحقة الشبكات المرتبطة بالتنظيم وتجفيف مصادر تمويله ومواجهة خطابه الفكرى.

وبعد ثلاثة عشر عامًا من ثورة 30 يونيو، تبدو النتيجة واضحة؛ فالجماعة التى كانت تراهن على إيجاد بدائل ومراكز نفوذ خارج مصر، وجدت نفسها أمام بيئة إقليمية أكثر صلابة فى مواجهتها، وأقل استعدادًا لمنحها المساحات التى تمتعت بها فى السابق، لتتحول المنطقة التى اعتبرتها يومًا ساحة للتمدد إلى أحد أبرز ميادين انحسار نفوذها وتراجع مشروعها السياسى.

جذور فكرية

وبعد ثلاثة عشر عامًا من ثورة 30 يونيو، التى كشفت للمصريين طبيعة المشروع الذى كانت الجماعة تسعى إلى ترسيخه، تبدو كثير من العواصم الغربية والعربية والإفريقية وكأنها وصلت إلى استنتاجات مشابهة، مفادها أن خطر الإخوان لا يرتبط فقط بما تفعله الجماعة بصورة مباشرة، وإنما أيضًا بما تنتجه من أفكار وتنظيمات وحركات تتبنى العنف والتطرف بأشكال مختلفة. ولهذا لم يعد السؤال المطروح فى دوائر صنع القرار الدولية يتعلق بكيفية مواجهة الفروع المسلحة وحدها، بل بكيفية التعامل مع الجذور الفكرية والتنظيمية التى أنجبتها منذ البداية.

ورغم أنه بعد 2013 لجأ آلاف من عناصر الجماعة إلى الخارج، وأسسوا منصات إعلامية وقنوات فضائية وحملات إلكترونية تستهدف الدولة المصرية.. لكن هذا الملاذ الخارجى لم يعد مضمونًا كما كان.

فمع تطور العلاقات الإقليمية، بدأت بعض الدول المضيفة فى تضييق النشاط السياسى والإعلامى للتنظيم. أُغلقت قنوات أو انتقلت من مقارها الأصلية، وتحدثت مصادر مقربة من الجماعة عن طلبات بمغادرة بعض القيادات أو الحد من نشاطها العلنى.. وهكذا فقدت الجماعة تدريجيًا أحد أهم مصادر قوتها بعد 30 يونيو.. وهو القدرة على العمل من الخارج بحرية شبه كاملة.

والمؤكد أن هناك عدة أسباب رئيسية تجعل تعافى التنظيم أمرًا بالغ الصعوبة: أولها فقدان الحاضنة الشعبية، وتجربة الحكم القصيرة وما تبعها من اضطرابات وعنف أضعفت الثقة الشعبية فى الجماعة بشكل عميق، وتفكك البنية التنظيمية.. فالصراعات الداخلية والقيادات المتنافسة قضت على مركزية القرار التى كانت تمثل عمود التنظيم الفقرى.

 

 

 

إضافة إلى التحول الدولى فى النظرة إلى الإسلام السياسى.. فبعد موجات الإرهاب والهجرة والتطرف فى أوروبا، باتت الحكومات الغربية أكثر حساسية تجاه التنظيمات التى تمزج الدين بالسياسة وتنتج بيئات راديكالية.

بعد ثلاثة عشر عامًا، يتأكد أن 30 يونيو لم تكن مجرد نهاية لحكم «الجاسوس» محمد مرسى، بل بداية انهيار مشروع سياسى وتنظيمى كامل.. فقد فقدت جماعة «الإخوان الإرهابية» موقعها فى الداخل المصرى، وانكمش نفوذها فى الخارج، وتحوّلت من تنظيم يطمح إلى قيادة المنطقة إلى جماعة منشغلة بصراعات البقاء.

وربما تكون المفارقة الأهم أن الثورة التى أرادت الجماعة تصويرها كـ«انقلاب على الديمقراطية» أصبحت لحظة إنقاذ من مشروع كان يمكن أن يدفع الدولة والمجتمع ودولا كثيرة إلى مسار مضطرب لا يمكن النجاة منه.