الإثنين 10 أغسطس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان

«حياة كريمة» فى البلد

حكاية مبادرة رئاسية أعادت رسم أولويات التنمية لخدمة 60 مليون مواطن



على مدار الـ7 سنوات الأخيرة عملت الدولة بكافة أذرعها وجهاتها المعنية، لنقل القرى والمدن المصرية من معيشة «العجاف» إلى «حياة كريمة»، وذلك بعد أن انطلقت المبادرة الرئاسية فى عام 2019، لأول مرة لتظلل البشر والحجر معًا، لنقلهم إلى رياض خضراء، ومدن عصرية متطورة، وعقول وطاقات ذكية ومنتجة، لثروة بشرية قادرة على العبور بسفينة الوطن إلى بر التقدم والازدهار.

داخل القرى المصرية، ارتبطت تفاصيل الحياة اليومية لسنوات، بتحديات نقص بعض الخدمات الأساسية، بداية من شبكات المرافق وحتى فرص التعليم والرعاية الصحية والعمل، إلا أن الرؤية الجديدة للتنمية نقلت تطوير الريف، من مجرد إقامة مشروعات منفصلة إلى مشروعات متكاملة، تضع الإنسان فى قلب عملية التغيير.

 

 

ومن قلب الريف المصرى، ظهرت مبادرة «حياة كريمة»، كواحدة من أكبر المبادرات التى تستهدف إعادة رسم خريطة القرى المصرية، وتحويلها إلى مجتمعات تنموية تمتلك مقومات الحياة، عبر تطوير البنية الأساسية، ودعم القطاعات الخدمية من صحة وتعليم، وتوفير فرص جديدة للتمكين الاقتصادي.

هنا نرصد رحلة «حياة كريمة» منذ انطلاقها، وكيف أصبحت نموذجًا للتنمية المتكاملة التى تجمع بين تطوير المكان وبناء الإنسان. لم تكن الفجوات التى واجهتها بعض قرى الريف المصرى، مرتبطة بغياب مرفق واحد أو خدمة محددة، وإنما ارتبط التحدى الأكبر بتراكم فجوات تنموية عبر سنوات، لتشمل قطاعات متعددة تمس حياة المواطنين بشكل مباشر، بداية من شبكات المياه والصرف الصحى، مرورًا بالخدمات الصحية والتعليمية، وصولًا إلى فرص العمل وتحسين مستوى المعيشة.

ومع الإدراك أن تطوير قرية لا يمكن أن يتحقق من خلال تدخلات منفصلة، جاءت مبادرة «حياة كريمة» لتقدم تصورًا مختلفًا لتنمية الريف، يقوم على جمع مختلف مسارات العمل داخل خطة واحدة، بحيث لا يقتصر الأمر على إنشاء مشروعات خدمية، وإنما يمتد إلى بناء مجتمع قادر على توفير احتياجات سكانه، وتحسين جودة حياتهم.

وانطلقت المبادرة عام 2019، كمرحلة جديدة فى التعامل مع ملف القرى الأكثر احتياجًا، حيث تحولت جهود التطوير من مشروعات متفرقة إلى مشروع قومى، يستهدف إعادة تنظيم أولويات التنمية داخل الريف المصرى، من خلال ربط تطوير البنية الأساسية بالاستثمار فى الإنسان.

وبدأت المرحلة الأولى من التنفيذ، بتوجيه الاهتمام إلى القرى التى تجاوزت فيها معدلات الفقر 70%، باعتبارها الأكثر احتياجًا للتدخلات التنموية العاجلة، ثم توسعت المبادرة لتشمل نطاقًا أوسع وصل إلى أكثر من 4500 قرية، داخل 175 مركزًا فى 20 محافظة، بهدف تحسين حياة ما يقرب من 60 مليون مواطن.

وهكذا تغيرت النظرة إلى القرية المصرية، فلم تعد مجرد تجمع سكنى يحتاج إلى خدمات أساسية، وإنما أصبحت محورًا للتنمية، يجرى تطوير بنيتها وقدرات سكانها فى وقت واحد.

شبكات الحياة

بعد أن انتقلت رؤية تطوير الريف من إقامة مشروعات منفصلة إلى خطة متكاملة، أصبح توفير الخدمات الأساسية نقطة البداية لتغيير شكل الحياة اليومية داخل القرى، باعتبارها الركيزة الأولى التى يشعر بها المواطن فى تفاصيل حياته.

فالحياة داخل أى مجتمع ترتبط بمنظومة من الخدمات تبدأ من أبسط الاحتياجات اليومية، مياه تصل إلى المنزل، وشبكات صرف تحافظ على الصحة والبيئة، وطرق ومرافق تسهل الحركة وتدعم الاستقرار، وهو ما جعل تطوير البنية الأساسية أحد المحاور الرئيسية فى مبادرة «حياة كريمة». وانطلاقًا من ذلك، عملت المبادرة على سد فجوات متراكمة داخل عدد من قرى الريف، من خلال تنفيذ مشروعات جديدة ورفع كفاءة الشبكات القائمة، بحيث لا يكون التدخل مجرد إضافة خدمة، وإنما إعادة تأهيل البيئة المحيطة بالمواطن، ورفع قدرة القرية على توفير احتياجات سكانها.

ففى قطاع مياه الشرب، ركزت الجهود على تحسين جودة الخدمة، وتوسيع نطاق وصولها إلى الأسر داخل القرى المستهدفة، من خلال تنفيذ مشروعات لتوصيل المياه، وإنشاء ورفع كفاءة الشبكات، حيث تم الانتهاء من 1043 مشروعًا لتوصيل مياه الشرب، بإجمالى 24 ألف وصلة منزلية.

أما الصرف الصحى، فكان من أكثر الملفات ارتباطًا بصحة المواطنين وجودة الحياة داخل الريف، لذلك شهد توسعًا كبيرًا ضمن أعمال المبادرة، حيث تم الانتهاء من 739 مشروعًا للصرف الصحى، لتصل الخدمة إلى مناطق كانت تعانى لسنوات من نقصها أو عدم توافرها.

وامتدت أعمال التطوير إلى الطرق والكهرباء والغاز وغيرها من المرافق، بهدف تحسين حركة المواطنين وربط القرى بالخدمات، فلم تعد البنية الأساسية مجرد شبكات يتم إنشاؤها، وإنما أصبحت عاملًا رئيسيًا فى تحسين المعيشة، ودعم الاستقرار داخل المجتمع الريفي.

ومع اكتمال هذه التدخلات، تغيرت علاقة المواطن بالخدمة الأساسية، فلم تعد تمثل تحديًا يوميًا أو سببًا للانتقال خارج قريته، بل أصبحت جزءًا من منظومة حياة أكثر استقرارًا، تمهد الطريق أمام تطوير الصحة والتعليم وفرص العمل.

ولم يكن الهدف من تطوير القرى المصرية تغيير صورة المكان فقط، بل امتدت آثار التنمية إلى الإنسان نفسه، باعتباره العنصر الأساسى فى أى عملية تغيير حقيقية، لذلك جاء الاستثمار فى الصحة والتعليم والشباب جزءًا رئيسيًا من رؤية مبادرة «حياة كريمة».

فبعد سنوات ارتبط فيها الحديث عن تطوير الريف بتحسين المرافق والخدمات الأساسية، أصبح الاهتمام موجهًا إلى بناء قدرات سكان القرى، وتوفير الخدمات التى تمس حياة الأسر بشكل مباشر، بما يضمن أن تتحول التنمية إلى واقع يشعر به المواطن فى يومه ومستقبله.

 

 

 

ولهذا خصصت المبادرة جانبًا مهمًا من تدخلاتها لقطاعات بناء الإنسان، حيث وجهت %28 من المشروعات المنفذة نحو تطوير رأس المال البشرى، خاصة فى مجالات الصحة والتعليم والشباب، باعتبارها القطاعات الأكثر تأثيرًا فى تحسين جودة الحياة.

وفى قطاع الصحة، دعمت المبادرة تطوير الخدمات الطبية داخل القرى، من خلال رفع كفاءة الوحدات الصحية، وتحسين مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين، بما يخفف أعباء الانتقال إلى المدن للحصول على الرعاية الطبية.

أما التعليم، فكان حاضرًا ضمن رؤية تطوير القرية من خلال دعم المدارس وتحسين البيئة التعليمية، إلى جانب المبادرات المجتمعية التى استهدفت الطلاب والأسر الأكثر احتياجًا، ومن بينها توفير المستلزمات المدرسية لطلاب المدارس بالقرى المستهدفة.

وامتد الاهتمام إلى الشباب باعتبارهم قوة أساسية فى مستقبل الريف، من خلال دعم الأنشطة والخدمات التى تفتح مساحات للمشاركة والتأهيل، وربط التنمية المحلية بقدرات أبناء القرى أنفسهم.

ومع استمرار تنفيذ مراحل المبادرة، أصبحت «حياة كريمة» لا تستهدف فقط تحسين مستوى الخدمات الحالية، وإنما بناء مجتمع ريفى أكثر قدرة على النمو، من خلال الاستثمار فى الإنسان وتوفير فرص أفضل للأجيال القادمة.

 اقتصاد القرية

لا تتوقف رحلة تطوير الريف المصرى عند حدود تحسين الخدمات الأساسية أو رفع كفاءة البنية التحتية، فالتنمية الحقيقية تحتاج إلى أن يمتلك المواطن القدرة على تحسين دخله وتوفير احتياجات أسرته داخل قريته، لذلك أصبح التمكين الاقتصادى أحد المحاور المهمة لاستكمال أثر «حياة كريمة».

وانطلقت جهود المبادرة من رؤية تقوم على أن تطوير القرية لا يكتمل بتوفير الخدمات فقط، وإنما يحتاج إلى دعم قدرات سكانها، وخلق فرص تساعدهم على الإنتاج والاستقلال الاقتصادى، خاصة الفئات الأولى بالرعاية من الشباب والسيدات المعيلات وأصحاب الدخول المحدودة.

ولهذا ركز محور التمكين الاقتصادى وريادة الأعمال على توفير مسارات جديدة لتحسين مستوى المعيشة، من خلال دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر، وتوفير التدريب المهنى والتقنى، وتنمية المهارات الريادية، وتشجيع المشاركة فى المعارض المختلفة لفتح أسواق أمام المنتجات المحلية.

وشملت الجهود دعم الأنشطة الإنتاجية والحرفية التى تتناسب مع طبيعة كل قرية، ومساندة الأسر والشباب فى إقامة مشروعات قادرة على الاستمرار، بما يحول التنمية من مجرد استفادة من الخدمات إلى مشاركة فعلية فى عملية الإنتاج.

وفى هذا الإطار، بلغت قيمة التمويلات الموجهة للمشروعات الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر داخل قرى المبادرة نحو 66.7 مليار جنيه، بما يعكس حجم التدخلات الهادفة إلى تنشيط الاقتصاد المحلى وخلق فرص عمل داخل المجتمعات الريفية.

ومع توسع رؤية المبادرة، جاء إنشاء محور التمكين الاقتصادى وريادة الأعمال عام 2024، ليعزز هذا الاتجاه، عبر التركيز على بناء قدرات المواطنين ورفع معدلات الإنتاج، بما يدعم مفهوم التنمية المستدامة ويقترب من مستهدفات رؤية مصر 2030.

وفى الوقت نفسه، استمرت المبادرة فى تنفيذ تدخلات مجتمعية مرتبطة باحتياجات الأسر، ومنها توفير المستلزمات المدرسية للطلاب فى القرى المستهدفة، وغيرها من المبادرات التى تستهدف تحسين الحياة اليومية للفئات الأكثر احتياجًا.

وفى المراحل الجديدة من التنفيذ، تواصل «حياة كريمة» التوسع فى تطوير الريف، حيث استهدفت المرحلة الثانية 1667 قرية فى 52 مركزًا لخدمة أكثر من 21.4 مليون مواطن، لتستكمل مسار بناء مجتمعات ريفية أكثر قدرة على العمل والإنتاج.

حصاد مستمر

امتدت جهود «حياة كريمة» إلى حزمة من التدخلات التى تستهدف تحسين تفاصيل الحياة اليومية داخل القرى، ودعم الأسر الأكثر احتياجًا، بما يضمن أن يصل أثر التنمية إلى مختلف الفئات.

فإلى جانب مشروعات البنية الأساسية، شملت المبادرة تدخلات اجتماعية وإنسانية موجهة للأسر الأولى بالرعاية، من خلال تقديم أوجه الدعم المختلفة والاستجابة للاحتياجات العاجلة للمواطنين، بما يعزز قدرة الأسر على مواجهة التحديات وتحسين مستوى المعيشة.

كما اهتمت المبادرة بتعزيز المشاركة المجتمعية، من خلال الاعتماد على جهود المتطوعين والعمل الميدانى داخل القرى، وربط احتياجات المواطنين ببرامج التدخل، بما يجعل المجتمع المحلى جزءًا من عملية التطوير.

وامتدت الجهود إلى دعم الشمول المالى داخل الريف، من خلال زيادة فرص وصول المواطنين إلى الخدمات المالية، وتوفير بيئة أكثر دعمًا لأصحاب المشروعات والأسر المنتجة، بما يساعد على توسيع النشاط الاقتصادى المحلي.

وهكذا لم تعد «حياة كريمة» مجرد مجموعة من المشروعات، وإنما منظومة متكاملة جمعت بين تطوير المكان، ودعم الإنسان، وتهيئة الظروف لبناء قرى أكثر قدرة على الاستمرار والنمو.