د. لميس جابر
إنه يونيو الجديد
إلى يومنا هذا ومنذ عام 1919 ورغم كثرة الكتب والمراجع التى وصفت هذه الثورة الشعبية الفريدة، لم يعرف أحد كيف ثار المصريون من 9 مارس بعد نفى سعد زغلول إلى أن اضطر الإنجليز للإفراج عنه تحت ضغط ثورة المصريين والإضرابات التى شملت مصر من شمالها إلى جنوبها.
اتسعت الإضرابات من أول جامعة القاهرة أو «فؤاد الأول» إلى عمال الترام والسكك الحديدية وإتلاف محولات حركة القطارات وقطع قضبان السكك الحديدية التى بدأها الفلاحون والصعايدة.
أضرب سائقو التاكسى وعمال البريد والكهرباء والجمارك والمطابع وعمال الفنارات والورش الحكومية وقام السكان فى الأحياء الشعبية بحفر الخنادق لمواجهة القوات الإنجليزية وقوات الشرطة.
يحكى المؤرخ عبدالرحمن الرافعى وهو شاهد عيان أنه عندما أراد الذهاب إلى المنصورة اضطر أن يذهب بالمركب فى النيل بعد قطع كل سبل المواصلات.
زحفت المظاهرات فى العديد من المدن والأقاليم المصرية من الإسكندرية وطنطا وبورسعيد وحتى صعيد مصر وخرج الصعايدة وخرجت مدارس الفتيات والأطفال حتى إن أول شهيد سجل فى دفاتر قسم السيدة زينب كان طفلًا فى سن الثانية عشرة مجهول الهوية!
وحاكت السيدة صفية زغلول علم الوفد الأخضر بالهلال والصليب لتقطع الطريق على الإنجليز فى إحداث الفتن كما اعتادوا.
لم يعرف أحد كيف انتشرت أخبار نفى سعد واشتعال الثورة وامتدادها على طول نهر النيل من الشمال إلى الجنوب فى الوقت الذى لم تكتب الجرائد خبر نفى سعد زغلول نهائيًا.
قيل فى بعض الكتب إنه كان هناك جهاز سرى للثورة، ولكن لا دليل على ذلك إلا بعد نفى سعد للمرة الثانية، حيث كانت هناك رسائل متبادلة بينه وبين عبدالرحمن فهمى سكرتير لجنة الوفد المركزية، وكانت لتوجيه الثوار للتحرك ورفض أى رئيس وزراء يتولى الوزارة.
ويبقى هذا السر فى كنف التاريخ إلى يومنا هذا، وسجلت ثورة 1919 كأول ثورة شعبية خالصة يصنعها الشعب المصرى ويقول كلمته للعالم بوضوح، ورغم ما كتب فى المناهج الدراسية عن أسباب فشل ثورة 1919، بالطبع بعد نجاح حركة يوليو، وظللنا فى هذا الجهل إلى أن قرأنا التاريخ بحق وعرفنا أن عام 1924 كانت أول وزارة مصرية خالصة برئاسة سعد زغلول الذى عاد من المنفى ليكتسح الانتخابات اكتساحًا.

وإن كان جيلنا قد قرأ عن ثورة 1919 هراء تاريخيًا غير حقيقى، لكنه ولله الحمد كان شاهد عيان على الثورة الشعبية الثانية فى تاريخ مصر الحديث.. من أول الفوضى الخلاقة وعلاقتها بالإخوان والسفيرة «آن باترسون» التى كانت دائمة الذهاب إلى المقر الرسمى للإخوان لإعطاء الأوامر والتوجيهات ومراقبة ما يحدث.
وكان أول إقبال جماهيرى مصرى خالص يوم الاستفتاء على التعديلات الدستورية التى وضعها المجلس العسكرى وجاءت نتيجتها بنسبة 77%، فى هذا اليوم اكتشف أغلبنا أننا ذهبنا إلى الاستفتاء لأول مرة فى حياتنا.
وحاولنا فى الانتخابات اللاحقة أن ننقذ ما يمكن إنقاذه، ولكننا فشلنا بسبب عاصرى الليمون والسذج من أصحاب شعار إخوان اليوم أفضل من إخوان الأمس.
ونجحوا بقدرتهم الفائقة على الحشد والسمع والطاعة.
وجاء مرسى وتولى الحكم فى 30 يونيو 2012 وأدى اليمين الدستورية، ومضى شهر يونيو ويوليو، وفى الخامس من أغسطس 2012 حدثت مذبحة رفح الأولى بهجوم مسلح فى شمال سيناء ضد جنود مصريين بمدخل مدينة رفح واستشهد 16 جنديًا وضابطًا مصريًا، وأصيب سبعة آخرون، وأقيل مدير المخابرات العامة المصرية اللواء مراد موافى.
فى 19 أغسطس أى بعد أسبوعين فقط كان الهجوم الثانى أو المذبحة الثانية لزوم إقالة المشير محمد حسين طنطاوى، وأسفرت عن استشهاد 25 شرطيًا مصريًا بعد أن أوقفوهم وتمت تصفيتهم رميًا بالرصاص، وكان أول هتاف بسقوط حكم المرشد قد انطلق فى جنازة الشباب المصرى الذى استشهد فی ذلك اليوم، وكان صاحب الهتاف رجلًا فلاحًا بسيطًا يبكى ابنه الذى كان فى انتظار قدومه فى إجازة.
بدأ المصريون فى التظاهر فى عدد كبير من المحافظات بسبب تعيين محافظين من الإخوان لدرجة أن بعضهم لم يستطع دخول مبنى المحافظة.
بدأت المظاهرات تسرى فى هدوء من الشمال إلى الجنوب فى عدد كبير من المحافظات، وعندما صدر قرار بإقالة د. إيناس عبدالدايم رئيسة الأوبرا قام الكتاب والصحفيون والفنانون بمحاصرة وزارة الثقافة لمنع خروج د. إيناس ومنع دخول الوزير الإخوانى.
هنا اتضحت الصورة.. هذا الشعب سيخلع العمة عن رأس مصر كما قال اللواء عمر سليمان رحمه الله.. ولن يقبل الحكم من جماعة إرهابية لا تؤمن بشعب أو بوطن ولا تفهم إلا لغة التفجير والدم.
وأثناء هذه الأحداث المتتالية وحتى 30 يونيو 2013 ظهر رجل عسكرى تحدث فى حفل مدرسى لمدارس المستقبل وقال كلامًا جادًا واثقًا بهدوء شديد، وفى هذا اليوم تبادلت مصر كلها التليفونات.. من هذا الرجل الهادئ الواثق من نفسه ومن الشعب؟!
ومنذ ذلك اليوم اتضح بشكل واضح أن هذا المرسى لا يستطيع إدارة جمعية تعاونية وليس بلدًا بحجم مصر.. توالت الأزمات.. اختفى البنزين وذهب لحماس فى غزة، ثم باعوه للإسرائيليين هناك.. ثم أزمة الكهرباء بسبب اختفاء السولار وتراكمت القمامة فى الشوارع والميادين وذهبت صورة القاهرة الساحرة إلى الجحيم.. بدأ هجوم من البلطجية على أى مظاهرات شعبية وظهرت حركة تمرد، وتدافع المصريون للتوقيع على بياناتها، وأخذنا نتابع ونحن فى حالة من الهدوء والانتظار حتى جاء 3/7 وكان فى شهر رمضان وقال قداسة البابا تواضروس بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية لشباب الأقباط المصريين أن يتظاهروا مع إخوانهم الصائمين ويشاركوهم الصيام حتى تنكشف الغمة.
نزل الشعب المصرى كله إلى الشوارع والميادين فى انتظار البيان المهم، وجلسنا صامتين نتوقع ونتمنى إلى أن رأيناه وكأنه «حورس المخلص» مثل الكثير قبله على مر التاريخ، لأن حورس هذا يظهر للمصريين فى أوقات الشدة.. وسمعنا تعطيل العمل بالدستور وتعالت الصيحات والهتاف والتصفيق..
تكلف رئيس المحكمة الدستورية عدلى منصور برئاسة البلاد.
قالت وكالات الأنباء الأجنبية إن عدد المصريين فى الشوارع والميادين ما بين 30 و40 مليونًا على الأقل بحسابات «جوجل» وكنت فى مصر الجديدة مع الأقارب والأصدقاء وسط الزحام نهتف «انزل يا سيسى.. مرسى مش رئيسى»، ورفرفت لافتات ارحل يا مرسى ويسقط حكم المرشد.. والغريب أننا كنا فى وسط الزحام فى الشوارع وفوق الأرصفة نتحرك فى حالة من الأمان غير معقولة والناس تمد يد المساعدة لبعضها البعض ويتبادلون التهنئة، بينما طائرات الجيش المصرى الهليكوبتر تُحلق فوق الرءوس وتلاعبنا بأضواء الليزر وتلقى لنا بالأعلام.
كان الموقف غاية فى البراعة والحب والحميمية والالتحام بين الشعب وجيشه الباسل.
وأثناء ذلك كان مشهد من أجمل ما رأيت، توقفت بجوارنا عربة صغيرة قديمة.. ترجل منها رجل مسن وتوجه لشنطة السيارة وفتحها وأخرج مقعدًا.. وفتحه وجلس بجوار العربة فخورًا واضعًا رجلًا فوق الأخرى.
وهكذا كنا جميعًا.. وربما أراد شهر يونيو أن يصالح المصريين ويعتذر عن خطيئته فى 1967.. وأعطانا نصرًا عظيمًا يمسح من ذاكرتنا كل ما هو سيئ من ذكريات أليمة فى يونيو.
ثورتان شعبيتان فى تاريخ مصر الحديث لا بد أن يتم تدريسهما مع بعض، ثورة 1919 وثورة 30 يونيو 2013.
كلتاهما ثورتان شعبيتان حقيقيتان والأبطال فى الثورتين شعب عريق يعشق تراب وطنه ويموت فى سبيله، عن طيب خاطر، وفى مثل هذا اليوم نسينا ما حدث من يونيو فى 1967 لنتذكر فقط ما حدث فى 2013.. إنه يونيو الجديد.