الإثنين 10 أغسطس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان

إنقاذ صحة المصريين

منظومة متكاملة تبدأ من الوقاية والاكتشاف المبكر إلى تطوير المنشآت حتى توسيع مظلة الرعاية الصحية



لم تعد خريطة الصحة فى مصر خلال السنوات الأخيرة كما كانت قبل ذلك، فذلك المشهد الذى كان يبدأ غالبًا بالبحث عن مكان لتلقى العلاج، أو انتظار دور داخل المستشفيات، أصبح يتحرك فى اتجاه مختلف، منظومة تبدأ من الاكتشاف المبكر والوقاية، وتمتد إلى تطوير المنشآت والخدمات، وصولًا إلى توسيع مظلة الرعاية الصحية أمام المواطنين.

 

فخلال 12 عامًا، أعادت الدولة ترتيب أولويات التعامل مع الملف الصحى، فلم تعد جودة الخدمة الطبية تقاس بعدد المستشفيات أو الأسرة المتاحة فقط، وإنما بقدرة المنظومة على الوصول إلى المواطن قبل المرض، والتدخل فى الوقت المناسب، وتوفير علاج أكثر تنظيمًا وفاعلية.

لم تأت هذه التحولات فى خطوة واحدة، لكنها جاءت عبر سلسلة من المشروعات والمبادرات، التى أعادت رسم علاقة المواطن بالمنظومة الصحية، بداية من التعامل مع تحديات قوائم الانتظار، مرورًا بمعركة القضاء على فيروس سى والكشف عن الأمراض المزمنة، وصولًا إلى مشروع التأمين الصحى الشامل، وتطوير الرعاية الأولية، والتحول الرقمى للخدمات.

 

 

 

 

فى هذا الملف، ترصد «صباح الخير»، كيف تغيرت رحلة المريض فى مصر خلال 12 عامًا.. رحلة انتقلت من انتظار العلاج إلى منظومة تسعى لاكتشاف الخطر مبكرًا، وتقديم رعاية صحية أكثر شمولًا واستدامة.

 إنهاء الانتظار

كان انتظار دور لإجراء جراحة ضرورية، يمثل أحد أكثر التحديات قسوة فى رحلة كثير من المرضى، فكل يوم يمر كان يحمل معه قلقًا إضافيًا، خاصة للحالات التى تحتاج إلى تدخلات عاجلة أو دقيقة.

لكن مع إطلاق المبادرة الرئاسية لإنهاء قوائم الانتظار فى يوليو 2018، بدأت معادلة جديدة فى التعامل مع هذه الحالات، تستهدف التدخل السريع ومنع تراكم قوائم جديدة فى الجراحات الحرجة.

وحتى الآن، نجحت المبادرة فى إجراء نحو 3.3 مليون عملية جراحية، شملت تخصصات دقيقة مثل جراحات القلب، والأورام، والمخ والأعصاب، وزراعة الكلى، والكبد، والقوقعة، والقساطر القلبية والطرفية، لتصبح سرعة الوصول إلى الخدمة جزءًا أساسيًا من مفهوم جودة الرعاية الصحية.

ولم تقتصر التجربة على إجراء العمليات فقط، بل اعتمدت على نظام مركزى لتوزيع الحالات على المستشفيات وفقًا للطاقة الاستيعابية، إلى جانب تطوير آليات المتابعة الإلكترونية، ورفع كفاءة الفرق الطبية، بهدف تقليل الوقت بين تشخيص الحالة وحصول المريض على التدخل المناسب.

هكذا تحولت قائمة الانتظار، من أزمة تؤجل العلاج إلى ملف يجرى التعامل معه بمنطق سرعة الاستجابة، ليصبح الوقت نفسه عنصرًا من عناصر إنقاذ حياة المريض.

 

 

 

 

 حسم المعركة

إذا كانت قوائم الانتظار قد كشفت أهمية سرعة الوصول إلى العلاج، فإن مواجهة فيروس الالتهاب الكبدى الوبائى «سي»، مثلت تغيرًا فى فلسفة التعامل مع الصحة العامة، وكانت نقطة تحول فى رحلة المريض، لأنها نقلت التعامل مع المرض من مرحلة انتظار ظهور الأعراض والمضاعفات إلى البحث عن المصابين والوصول إليهم مبكرًا.

فلسنوات، كان فيروس سى، يمثل تحديًا صحيًا كبيرًا، خاصة أن كثيرًا من المصابين لا تظهر عليهم أعراض واضحة فى المراحل الأولى، ما يجعل اكتشاف المرض متأخرًا فى بعض الحالات، ومع إطلاق مبادرة «100 مليون صحة» عام 2018، للكشف عن فيروس سى والأمراض غير السارية، تغيرت المعادلة، بعد إجراء مسح صحى واسع النطاق، والكشف عن المصابين، وتوفير العلاج بالمجان.

قامت التجربة على منظومة متكاملة بدأت باكتشاف الحالات، ثم توجيهها للعلاج والمتابعة، لتتحول رحلة المريض من البحث عن الخدمة إلى وصولها إليه، وهو ما جعلها تجربة صحية استثنائية، فى مجال الوقاية واكتشاف الخطر مبكرًا.

امتدت أهمية الكشف المبكر ليس فقط على إنقاذ حياة المرضى فقط، بل إلى تقليل التكلفة الصحية، إذ أسهمت المبادرة فى توفير نحو 2.83 مليار دولار، مع تحقيق عائد على الاستثمار بلغ 26.6%، بعدما أصبح التدخل فى المراحل الأولى أكثر فاعلية وأقل تكلفة من التعامل مع الحالات المتقدمة.

وبينما تواصل مصر تطوير برامج الكشف والعلاج، توسعت الرؤية لتشمل الوقاية من أمراض الكبد المرتبطة بعوامل الخطورة الحديثة، مثل السمنة والسكرى والكبد الدهنى، حيث قادت مصر جهودًا دولية داخل منظمة الصحة العالمية، لاعتماد قرار عالمى بشأن مرض الكبد الدهنى، باعتباره تحديًا صحيًا يؤثر على أكثر من 1.7 مليار شخص حول العالم.

فلم تعد المنظومة الصحية تنتظر ظهور الأعراض حتى يبدأ العلاج، بل أصبحت تتحرك فى اتجاه مختلف، يقوم على اكتشاف عوامل الخطورة مبكرًا، ومتابعة المرضى قبل أن تتطور الحالة إلى المضاعفات.

 

 

 

 

جيل تحت المجهر

يبدأ الاهتمام بصحة الطفل قبل ظهور المشكلة، حيث أصبح الكشف المبكر جزءًا من متابعة الأجيال الجديدة، خاصة مع التوسع فى المبادرات، التى تستهدف اكتشاف الأمراض قبل تأثيرها على نمو الطفل وصحته.

حيث امتد الكشف إلى اللحظات الأولى من حياة الطفل، عبر فحوصات تستهدف اكتشاف المشكلات الصحية، فهدفت مبادرة الكشف المبكر عن الأمراض الوراثية لحديثى الولادة، إلى بناء جيل أكثر صحة، والتدخل فى الوقت المناسب للحالات التى يمكن السيطرة عليها بالعلاج والمتابعة.

ومنذ إطلاق المبادرة فى يوليو 2021، تم فحص نحو 735.9 ألف مولود حديث الولادة، للكشف عن الأمراض الوراثية، حيث تستهدف المرحلة الحالية الأطفال المبتسرين داخل حضانات مستشفيات وزارة الصحة، مع التوسع تدريجيًا لتشمل جميع المواليد فى الوحدات الصحية على مستوى الجمهورية.

وشمل الفحص الكشف عن 19 مرضًا وراثيًا، من بينها قصور الغدة الدرقية الخلقى، وأنيميا الفول، والتليف الكيسى، واضطرابات التمثيل الغذائى، وذلك من خلال عينة دم بسيطة تؤخذ من كعب الطفل، ويتم تحليلها داخل معامل مجهزة بأحدث التقنيات.

وفى حال اكتشاف أى حالة، يتم تحويل الطفل لإجراء الفحوصات التأكيدية، وبدء العلاج مجانًا وفق بروتوكولات علمية مع توفير المتابعة، من خلال 56 مركزًا متخصصًا لعلاج ومتابعة الأمراض الوراثية لحديثى الولادة.

 صوت مبكر

وبما أن حاسة السمع ليست مجرد قدرة على استقبال الأصوات، بل هى بداية التواصل والتعلم وتكوين المهارات الأولى لدى الطفل، لذلك أصبح اكتشاف أى مشكلة فى السمع خلال الأيام الأولى من الحياة، خطوة مهمة لتجنب تأثيراتها على نمو الطفل.

ولذلك أطلقت المبادرة الرئاسية للكشف المبكر وعلاج ضعف وفقدان السمع لدى حديثى الولادة فى سبتمبر 2019، وتم فحص نحو 9.7 مليون طفل حديث الولادة، من خلال 3825 وحدة صحية على مستوى الجمهورية، مع إحالة الحالات التى تحتاج إلى تقييم متخصص إلى مراكز السمع المتخصصة.

وتضم منظومة العلاج والمتابعة 34 مركز إحالة سمعية، معدة بالأجهزة والمستلزمات الطبية اللازمة، وتم تحويل أكثر من 663 ألف طفل لإعادة الفحص، وإجراء 3.3 ألف عملية زراعة قوقعة، وتركيب أكثر من 13 ألف سماعة طبية، إلى جانب تقديم العلاج الدوائى لأكثر من 25 ألف طفل.

ويمتد دور المبادرة إلى بناء ملف صحى للطفل منذ ولادته، من خلال تسجيل البيانات، وتدريب الفرق الطبية على استخدام أجهزة الكشف، بما يضمن سرعة اكتشاف الحالات والتدخل المناسب.

وهكذا أصبحت رعاية الطفل تبدأ من أول يوم فى حياته، للتأكد من سلامته، واكتشاف أى تحد مبكرًا، ومنحه فرصة أفضل للنمو والتواصل.

 

 

 

 بداية آمنة

منذ إطلاق مبادرة رئيس الجمهورية للكشف المبكر عن أمراض «سوء التغذية» الأنيميا والسمنة والتقزم عام 2019، تم إجراء نحو 71.8 مليون فحص طبى، لطلاب المرحلة الابتدائية حتى نهاية العام الدراسى 2025-2026، بهدف الوصول إلى الطلاب داخل مدارسهم، واكتشاف الحالات التى تحتاج إلى تدخل فى مراحل مبكرة.

وتستهدف المبادرة جميع طلاب المرحلة الابتدائية من المصريين وغير المصريين، من خلال 29 ألف مدرسة حكومية وخاصة على مستوى الجمهورية، حيث تشمل الفحوصات قياس الوزن والطول وحساب مؤشر كتلة الجسم، إلى جانب قياس نسبة الهيموجلوبين فى الدم للكشف عن الأنيميا.

ويتم تحويل الحالات المكتشفة إلى عيادات التأمين الصحى، لاستكمال التقييم وصرف العلاج مجانًا، مع توفير «كارت متابعة» لكل طالب لضمان استمرار متابعة حالته الصحية.

ويشارك فى تنفيذ المبادرة نحو 2000 فريق طبى مدرب، يعملون على مدار العام الدراسى وفق منظومة تستهدف تسهيل الوصول للخدمة وتجنب التكدس، ليصبح الكشف المبكر عن مشاكل النمو والتغذية، خطوة أساسية لحماية صحة الأطفال قبل تحول المشكلة إلى مرض.

وبعد أن أصبح القضاء على فيروس «سي» نموذجًا للتحرك الصحى واسع النطاق، انتقلت الجهود إلى حماية الأجيال الجديدة من المرض، عبر استمرار الكشف المبكر بين الطلاب والتدخل السريع للحالات المكتشفة.

وللحفاظ على المكتسبات، امتدت مبادرة الكشف المبكر عن فيروس «سي» بين طلاب الصف الأول الإعدادى، بهدف اكتشاف أى إصابات فى مراحل مبكرة، وتقديم العلاج قبل تطور الحالة.

وخلال العام الدراسى 2025-2026، تم فحص نحو 2.1 مليون طالب بالصف الأول الإعدادى، بنسبة إنجاز بلغت 89% من المستهدف، مع تقديم العلاج للحالات التى ثبتت إيجابيتها، وفق البروتوكولات العلاجية المعتمدة.

وتنفذ المبادرة من خلال فرق طبية مدربة بالتعاون بين وزارة الصحة، والتأمين الصحى، ووزارتى التربية والتعليم والتعليم الفنى، والأزهر الشريف، حيث يتم إجراء الفحوصات داخل المدارس باستخدام كواشف سريعة، مع تحويل الحالات المكتشفة إلى 24 لجنة كبد متخصصة، لاستكمال الفحوصات والمتابعة.

وامتدت فكرة الكشف المبكر على الأمراض المزمنة إلى صحة الأطفال، باعتبار أن اكتشاف المشكلة فى بدايتها، يصنع فارقًا كبيرًا فى جودة حياة الطفل ومستقبله الدراسى.

وتحت مظلة مبادرات «100 مليون صحة»، جاءت مبادرة «عيون أطفالنا مستقبلنا»، للكشف المبكر عن مشكلات الإبصار لدى طلاب المرحلة الابتدائية، حيث نجحت فى فحص نحو 4.1 مليون طالب، منذ إطلاقها فى يناير 2025 خلال المرحلتين الأولى والثانية.

وتستهدف المبادرة الأطفال من سن 6 إلى 12 عامًا، للكشف عن مشكلات مثل ضعف النظر وكسل العين، من خلال الفحص داخل المدارس، ثم تحويل الحالات التى تحتاج إلى تدخل، إلى عيادات التأمين الصحى لاستكمال التشخيص والعلاج والمتابعة.

وشملت المبادرة توفير الخدمات العلاجية اللازمة، حيث تم توزيع 29.6 ألف نظارة طبية، وإجراء أكثر من 1995 تدخلًا جراحيًا، إلى جانب تقديم العلاج الدوائى لنحو 27 ألف طفل فى المحافظات المستهدفة.

وتعكس المبادرة توجهًا جديدًا فى التعامل مع صحة الطفل، يقوم على الوصول إلى المشكلة قبل أن تؤثر على التعلم والنمو، وتحويل المدرسة إلى نقطة وصول للخدمة الصحية وليس فقط مكانًا للتعليم.

 

 

 

 صحة المرأة

وأصبحت صحة المرأة جزءًا من منظومة متابعة تمتد عبر مراحل العمر المختلفة، تبدأ بالكشف المبكر والوقاية، وتصل إلى المتابعة والعلاج للحفاظ على صحة المرأة والأسرة.

ومن خلال المبادرات الرئاسية، تم تقديم أكثر من 125 مليون خدمة طبية للسيدات فى مختلف المحافظات، ضمن منظومة تستهدف الكشف المبكر عن الأمراض، ودعم صحة الأم والجنين، وتحسين جودة الرعاية الصحية للمرأة المصرية.

وشملت الخدمات فحص أكثر من 25 مليون سيدة للكشف عن فيروس «سي»، وتقديم 68 مليون خدمة ضمن مبادرة دعم صحة المرأة، إلى جانب أكثر من 13 مليون خدمة للكشف المبكر عن الأمراض المزمنة، فضلًا عن خدمات صحة الأم والجنين، وفحوص المقبلين على الزواج، والكشف المبكر عن الأورام السرطانية.

وامتدت المنظومة إلى المتابعة والدعم، من خلال وحدات الرعاية الأولية، ووحدات صديقة للمرأة، والرائدات الريفيات، بهدف الوصول بالخدمة الصحية إلى السيدات فى أماكن وجودهن.

وتظهر مؤشرات تطور صحة المرأة خلال السنوات الأخيرة تغيرًا فى فلسفة التعامل مع الملف، حيث تراجعت معدلات وفيات الأمهات من 52 إلى 17 حالة لكل 100 ألف مولود حى خلال الفترة من 2018 إلى 2025، مع ارتفاع تغطية رعاية الحوامل إلى 92%، والولادات تحت إشراف طبى إلى 97%.

وهكذا باتت صحة المرأة نموذجًا لفكرة جديدة فى الرعاية الصحية: التدخل قبل المشكلة، والمتابعة قبل المضاعفات، لحماية صحة فرد يمثل أساس صحة الأسرة والمجتمع.

 مواجهة صامتة

جاءت مبادرة الكشف المبكر عن الأمراض المزمنة والاعتلال الكلوى، لتضع الفحص الاستباقى فى قلب رحلة الرعاية الصحية، من خلال الوصول إلى المواطنين وإجراء تقييم شامل للحالة الصحية.

ومنذ إطلاق المبادرة فى سبتمبر 2021، تم فحص أكثر من 22 مليون مواطن على مستوى الجمهورية، عبر 3601 وحدة رعاية أولية منتشرة بالمحافظات، وتستهدف المواطنين فوق سن الـ40، بالإضافة إلى الشباب من سن 18 عامًا، ممن لديهم عوامل خطر أو تاريخ مرضى مرتبط بالأمراض المزمنة، بهدف اكتشاف الإصابة بارتفاع ضغط الدم أو السكرى أو مؤشرات تدهور وظائف الكلى فى مراحل مبكرة.

وتشمل المبادرة قياس ضغط الدم، والسكر، ونسب الدهون، ووظائف الكلى، إلى جانب متابعة الحالات المكتشفة وتوفير العلاج الشهرى المجانى للمصابين، مع تحويل الحالات التى تحتاج إلى تدخل متخصص للمستشفيات.

مما يعكس تغيرًا فى مفهوم الرعاية الصحية؛ فبدلًا من أن يصل المواطن إلى المستشفى بعد تفاقم المرض، أصبحت الخدمة تصل إليه لاكتشاف الخطر قبل أن يتحول إلى أزمة صحية.

وامتدت الرعاية الصحية لتشمل متابعة المواطن فى مختلف مراحل حياته، وخاصة كبار السن لاكتشاف الأمراض المرتبطة بالتقدم فى العمر.

ولذا جاءت مبادرة الرعاية الصحية لكبار السن، لتقديم خدمات الفحص والمتابعة من سن 65 عامًا فأكثر، واستفاد منها نحو 2.2 مليون مواطن منذ إطلاقها فى أكتوبر 2022.

وتستهدف المبادرة الكشف المبكر عن عدد من الأمراض غير السارية، منها ارتفاع ضغط الدم، والسكرى، وارتفاع الدهون بالدم، والاعتلال الكلوى، والأنيميا، وسوء التغذية، إلى جانب إجراء تقييم صحى شامل للحالة العامة.

ولا يقتصر الفحص على المؤشرات الأساسية، حيث تشمل الخدمات المقدمة رسم القلب، والموجات فوق الصوتية على البطن والكبد، وفحوص النظر، وتقييم صحة الفم والأسنان، بالإضافة إلى الكشف المبكر عن الاضطرابات النفسية والمعرفية المرتبطة بالتقدم فى العمر، ويحصل المستفيدون على كارت متابعة دورية، مع إحالة الحالات التى تحتاج إلى رعاية متخصصة للمستشفيات.

 فرصة مبكرة

فى معادلة علاج الأورام، أصبح عامل الوقت جزءًا أساسيًا من فرص الشفاء، ولذلك تغيرت طريقة التعامل مع المرض، من انتظار ظهور الأعراض إلى اكتشاف الحالات فى مراحله الأولى، وبذلك أطلقت مبادرة الكشف المبكر عن الأورام السرطانية، لتقديم خدمات الفحص بالمجان للمواطنين من سن 18 عامًا فأكثر، للكشف عن أورام الرئة والبروستاتا والقولون وعنق الرحم.

ومنذ إطلاق المبادرة فى يونيو 2023، استفاد نحو 18.1 مليون مواطن من خدمات الكشف المبكر، من خلال خطوات تبدأ باستبيان لتحديد عوامل الخطورة والأعراض، ثم إحالة الحالات التى تحتاج إلى فحوصات متقدمة لاستكمال التشخيص وبدء العلاج، ونمتد إلى المتابعة وتحديد المسار العلاجى المناسب، من خلال عرض الحالات المكتشفة على لجان طبية متخصصة، إلى جانب دعم برامج الإقلاع عن التدخين للحالات التى تحتاج إلى ذلك.

وبامتداد رحلة المريض إلى المكان الذى يتلقى فيه العلاج، أصبحت كفاءة المنشأة الطبية، وجودة التشغيل، وتوافر التخصصات التى أصبحت جزءًا أساسيًا من معادلة الرعاية الصحية.

وخلال السنوات الماضية، اتجه تطوير القطاع الصحى، إلى إعادة تأهيل المستشفيات ورفع قدرتها على تقديم خدمات أكثر تخصصًا، من خلال تحديث البنية التحتية، وتوفير الأجهزة والمستلزمات، وتطوير الكوادر الطبية، وربط احتياجات المنشآت الفعلية بخطط التشغيل.

وفى قطاع الطب العلاجى، شملت خطط التطوير متابعة أداء مئات المستشفيات، وتحسين الخدمات المقدمة داخلها، بداية من المعامل وعيادات الرمد والأسنان، مرورًا بخدمات العلاج الطبيعى والأطراف الصناعية، وصولًا إلى التوسع فى الخدمات التخصصية والجراحات الدقيقة، مع تطبيق معايير الجودة ومكافحة العدوى.

كما امتد التطوير إلى إعادة تنظيم العنصر البشرى داخل المنظومة الصحية، من خلال ربط توزيع الكوادر الطبية باحتياجات المستشفيات ووحدات الرعاية الأولية، بدلًا من التوزيع غير المرتبط بحجم العجز الفعلى، بما يضمن توجيه الموارد إلى الأماكن الأكثر احتياجًا.

وتظهر أهمية هذا التطوير فى الخدمات التى ترتبط مباشرة بحياة المرضى، مثل الغسيل الكلوى، حيث شهدت المنظومة خلال الفترة الأخيرة إحلال وتجديد 63 ماكينة غسيل كلوى و151 كرسيًا، إلى جانب تطوير 15 محطة معالجة مياه، وافتتاح وتطوير 13 وحدة غسيل كلوى جديدة.

وبات تحسين الخدمة يعتمد على المتابعة الدقيقة للبيانات، حيث سجلت منظومة ميكنة الغسيل الكلوى أكثر من 1.7 مليون جلسة عبر 782 مركزًا حكوميًا وخاصًا وأهليًا، بما يساعد على متابعة المرضى وتحسين جودة التشغيل.

كما سيشهد توسع المنشآت الطبية الفترة المقبلة، إنشاء مستشفيات نموذجية جديدة بسعة 200 سرير فى عدد من المحافظات، إلى جانب تطوير مستشفيات قائمة وإضافة خدمات تخصصية بها، فضلًا عن مشروعات كبرى مثل مدينة النيل الطبية التى تستهدف زيادة الطاقة الاستيعابية، ورفع مستوى الخدمات العلاجية.

فالمستشفى فى شكله الجديد لم يعد مجرد مبنى يقدم العلاج، بل حلقة داخل منظومة متكاملة تبدأ بالكشف المبكر، وتستند إلى تجهيزات حديثة، وفرق مدربة، وخدمات مصممة حول احتياجات المريض.

 حق العلاج

كان تطوير المنشآت والخدمات الطبية جزءًا من رحلة إصلاح منظومة الصحة، وكان التحدى الأكبر هو إعادة تعريف علاقة المواطن بالمنظومة الصحية نفسها، من خلال نظام يضمن حصوله على الرعاية كحق مستدام.

ومن هنا جاء مشروع التأمين الصحى الشامل، كأحد أكبر مشروعات إعادة بناء القطاع الصحى، قائمًا على تقديم رعاية صحية متكاملة لجميع المواطنين، وفق نظام يعتمد على الفصل بين جهات التمويل وتقديم الخدمة والرقابة، بما يضمن جودة أعلى وكفاءة أكبر فى إدارة الموارد.

وانطلقت المرحلة الأولى من المنظومة فى 6 محافظات هى بورسعيد، والأقصر، والإسماعيلية، وجنوب سيناء، والسويس، وأسوان، لتصبح تجربة عملية لنموذج جديد فى تقديم الخدمة الصحية.

وشهدت هذه المرحلة استثمارات تجاوزت 53 مليار جنيه لتطوير وتشغيل 297 منشأة صحية، مع تسجيل أكثر من 5 ملايين مواطن، وتقديم نحو 57 مليون خدمة طبية، وإجراء 375 ألف عملية جراحية، بنسبة تغطية بلغت 81.6% من المستهدفين.

ويقوم النموذج الجديد على تعزيز دور الرعاية الأولية باعتبارها نقطة البداية فى رحلة المريض، حيث تعتمد المنظومة على طب الأسرة، ونظام إحالة متكامل بين مستويات الرعاية المختلفة، بما يقلل التكدس ويضمن وصول المواطن للخدمة المناسبة فى الوقت المناسب.

ومع الاستعداد للتوسع فى المرحلة الثانية، تستهدف المنظومة ضم محافظات جديدة تشمل دمياط ومطروح وكفر الشيخ والمنيا وشمال سيناء، لخدمة نحو 12.8 مليون مواطن، من خلال خطة تتضمن تطوير وإنشاء مستشفيات ووحدات رعاية أولية وتجهيزها وفق معايير الجودة والاعتماد.

وفى محافظة المنيا، إحدى محافظات المرحلة الثانية، يجرى تجهيز المنشآت الصحية باستثمارات تصل إلى نحو 4 مليارات جنيه، لخدمة ما يقرب من 7 ملايين مواطن، من خلال 26 مستشفى و290 وحدة رعاية أولية.

ويعتمد التأمين الصحى الشامل ليس فقط على زيادة أعداد المنشآت فقط، بل على تغيير طريقة التشغيل نفسها، من خلال الملفات الطبية الإلكترونية، والحجز المسبق، ونظم الإحالة، ورفع كفاءة العاملين، ليصبح لكل مواطن مسار واضح داخل المنظومة الصحية.

وهكذا انتقلت رحلة المريض من البحث عن مكان للعلاج إلى الدخول فى نظام صحى متكامل، يعرف احتياجاته ويتابعه ويضمن له الحصول على الخدمة بجودة واحدة.

 ملف صحى ذكى

امتد تطوير الصحة إلى البيانات التى أصبحت عنصرًا أساسيًا فى اتخاذ القرار الطبى، وتحسين جودة الرعاية، وربط المواطن بمنظومة صحية أكثر ذكاء، حيث جاء التحول الرقمى كمرحلة جديدة فى إعادة تشكيل العلاقة بين المريض والمنظومة الصحية، عبر بناء قواعد بيانات صحية، وتفعيل الملف الطبى الإلكترونى، وتطوير خدمات الرعاية عن بعد، بما يساهم فى تقديم الخدمة بشكل أسرع وأكثر دقة.

وتستهدف استراتيجية الصحة الرقمية، إنشاء نظام صحى مترابط يعتمد على تبادل المعلومات، وربط المنشآت الطبية، واستخدام البيانات فى التخطيط وتوزيع الموارد، مع التوسع فى تطبيقات الذكاء الاصطناعى، لدعم التشخيص المبكر وتحسين النتائج العلاجية.

وبدأت خطوات التحول الرقمى بالفعل فى عدد من الملفات الصحية، من بينها منظومة التطعيمات الإلكترونية التى ربطت أكثر من 5 آلاف وحدة ومركز تطعيم داخل شبكة موحدة، تتيح متابعة الحالة التطعيمية للأطفال منذ الولادة، وإرسال تنبيهات للأسر عند مواعيد التطعيم، بما يعزز الوقاية ويمنع فقدان الجرعات.

كما امتد التطوير الرقمى إلى مجالات التشخيص والعلاج، من خلال مشروعات مثل الشبكة الوطنية للباثولوجيا الرقمية عن بعد، التى تستهدف إنشاء قاعدة بيانات للأورام، وإتاحة قراءة الشرائح والتقارير الطبية إلكترونيًا، ودعم التشخيص باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي.

ولم يعد الذكاء الاصطناعى مجرد تقنية مستقبلية، بل أصبح جزءًا من توجه المنظومة الصحية، من خلال استخدامه فى تحليل البيانات، والكشف المبكر عن بعض الأمراض، وتطوير نظم الإنذار المبكر، وتحسين إدارة الموارد وسلاسل الإمداد.

كما تتجه المنظومة إلى ميكنة المنشآت الصحية، وتطوير البنية التكنولوجية للمستشفيات، وبناء قدرات العاملين، مع التركيز على حماية بيانات المرضى وأمن المعلومات، وبهذا أصبحت رحلة المريض أكثر ارتباطًا بالتكنولوجيا.

ويمتد مستقبل الرعاية الصحية إلى مرحلة أكثر تقدمًا تقوم على الطب الدقيق، حيث يفتح مشروع «جينوم مصر 1K» الباب أمام فهم الخصائص الجينية للمصريين، وتطوير رعاية صحية تعتمد على البيانات الشخصية لكل فرد.

فمن خلال المشروع، تم تحليل التسلسل الجينى الكامل لـ 1024 مواطنًا مصريًا من 21 محافظة، لتكوين أول قاعدة بيانات جينية مصرية واسعة، أسفرت عن اكتشاف أكثر من 51 مليون تغيير جينى، بينها نحو 17 مليون تغيير لم يكن مسجلًا فى قواعد البيانات العالمية.

وتمنح هذه الخريطة الجينية، الأطباء قدرة أكبر على فهم الأمراض الأكثر ارتباطًا بالتركيبة الوراثية للمصريين، وتطوير اختبارات تساعد على تقدير المخاطر الصحية بصورة أكثر دقة، بما يدعم الكشف المبكر والوقاية والعلاج المخصص.

وبذلك تنتقل المنظومة الصحية، من مرحلة علاج المرض بعد ظهوره، إلى توقع المخاطر والاستعداد لها، ليصبح مستقبل الصحة قائمًا على مزيج من البيانات والتكنولوجيا والطب الشخصى.