كيف اخترق «الكوسبلاى» جيل z؟!
زينب كمال
هوس «الأوتاكو» اليابانى يبدأ من «الأنمى» و«الفيديو جيم».. والمريدون بالآلاف!
لم يعد «الأنمى» فى مصر مجرد نوع من الرسوم المتحركة الموجهة للأطفال؛ بل تحول خلال السنوات الماضية إلى ظاهرة ثقافية واسعة التأثير استطاعت الجمع بين الترفيه والإبداع والتفاعل الاجتماعى. وقد ساهم الانتشار المتزايد للأعمال الكارتونية اليابانية فى بناء قاعدة جماهيرية كبيرة امتدت عبر فئات عمرية محتلفة.
بدأت علاقة الجمهور المصرى بالأنمى من خلال القنوات التلفزيونية التى قدمت أعمالاً مدبلجة باللغة العربية الفصحى، ما أتاح للمشاهدين الارتباط بالشخصيات والقصص دون عوائق لغوية. ومع مرور الوقت أصبحت هذه الأعمال جزءًا من الذاكرة الجماعية لجيل كامل نشأ على متابعة المغامرات والقصص الخيالية القادمة من اليابان.
أدى توسع المحتوى المعروض إلى تنوع الاهتمامات بين المتابعين، حيث لم يعد التركيز مقتصرًا على المشاهدة فقط؛ بل امتد إلى متابعة الأخبار والإصدارات الجديدة ومناقشة الأحداث والشخصيات عبر المجتمعات الرقمية المختلفة. وأصبح «الأنمى» يمثل مساحة ثقافية تجمع بين المعرفة والترفيه والتواصل الاجتماعى.
وساهمت المنصات الرقمية الحديثة فى تسريع انتشار هذه الثقافة بشكل غير مسبوق، حيث بات الوصول إلى الأعمال الجديدة أكثر سهولة من أى وقت مضى. كما ساعدت وسائل التواصل الاجتماعى فى تكوين مجتمعات نشطة أتاحت تبادل الخبرات والآراء وتوسيع دائرة المهتمين بهذا المجال.
مجتمع الأوتاكو
خلال السنوات الأخيرة نما بشكل ملحوظ حجم مجتمع «الأوتاكو» داخل مصر، وهو المصطلح المستخدم للإشارة إلى المهتمين بثقافة الأنمى والمانجا وهى القصص المصورة اليابانية والألعاب اليابانية، وقد تطور هذا المجتمع من مجموعات صغيرة متفرقة إلى شبكة واسعة تضم آلاف المتابعين والمهتمين.
وفرت المنصات الرقمية بيئة مناسبة للتواصل بين الأفراد الذين تجمعهم اهتمامات مشتركة، ما ساعد فى بناء علاقات اجتماعية جديدة قائمة على الشغف ذاته. وأصبحت هذه المجتمعات قادرة على تنظيم أنشطة ومبادرات مستقلة بعيدًا عن الأطر التقليدية للترفيه.
خلق هذا التوسع حالة من القبول المتزايد للهوايات المرتبطة بالثقافة اليابانية، بعد أن كانت تُقابل فى السابق بالكثير من الاستغراب أو سوء الفهم. وأصبح الانتماء إلى هذه المجتمعات يمثل فرصة للتعبير عن الاهتمامات الشخصية فى بيئة أكثر تفهمًا وتقبلاً.
أدى تنوع الفعاليات والمحتوى المتخصص إلى تعزيز شعور الأعضاء بالانتماء والمشاركة، حيث تحولت اللقاءات والتجمعات إلى مناسبات اجتماعية ينتظرها المتابعون سنويًا من أجل تبادل الخبرات واستعراض الأعمال الإبداعية المختلفة.

لغة الكوسبلاى
«الكوسبلاى»، فن أدائى يرتدى فيه المشاركون أزياءً ويضعون مساحيق تجميل لتقمص شخصيات خيالية، يُستمد الإلهام أساسًا من الأنمى، المانجا، ألعاب الفيديو والأفلام، والمصطلح يشمل الكلمتين الإنجليزيتين Costume بمعنى زى والآخرplay بمعنى لعب أو تمثيل، فأصبح أبرز المظاهر المرتبطة بثقافة الأنمى والألعاب، حيث يقوم المشاركون بتجسيد شخصياتهم المفضلة من خلال تصميم الأزياء والإكسسوارات وتقديم عروض أدائية مستوحاة من الأعمال الأصلية. وتطور هذا النشاط ليصبح مجالاً يجمع بين الفن والحرفية والابتكار.
وتواجه صناعة «الكوسبلاى» فى مصر تحديات عديدة تتعلق بتوفير الخامات والأدوات المتخصصة، الأمر الذى يدفع الكثير من الممارسين إلى الاعتماد على الحلول المحلية والابتكار فى استخدام المواد المتاحة. وأسهم ذلك فى ظهور نماذج إبداعية استطاعت تحقيق نتائج مميزة رغم محدودية الإمكانات.
وأصبح تصنيع الأزياء يتطلب مجموعة متنوعة من المهارات تشمل الخياطة والتشكيل والنحت والطلاء والتصميم الرقمى، ما حول «الكوسبلاى» إلى مشروع متكامل يحتاج إلى تخطيط وتنفيذ دقيقين. كما ساهم هذا الجانب فى تنمية قدرات المشاركين الفنية والتقنية بشكل مستمر.
وبرزت خلال السنوات الأخيرة محاولات لتحويل هذه الهواية إلى نشاط اقتصادى قادر على تحقيق عوائد مادية من خلال صناعة المحتوى والتصميم وبيع المنتجات والخدمات المرتبطة بالفعاليات، وهو ما يعكس الإمكانات الكبيرة التى يمتلكها هذا القطاع الإبداعى الناشئ.
نجم مصرى
لا تقتصر ظاهرة الكوسبلاى فى مصر على الفعاليات والأزياء فقط؛ بل تمتد إلى قصص نجاح شبابية استطاعت تحويل الشغف إلى مسار مهنى وإبداعى مؤثر. ومن بينهم زياد عماد، المعروف بين متابعيه عبر وسائل التواصل الاجتماعى باسم «زيزو»، وهو أحد أبرز الوجوه الشابة التى ساهمت فى انتشار ثقافة الكوسبلاى وصناعة المحتوى المرتبط بها داخل مصر وخارجها.
ينحدر زياد من مدينة الإسكندرية، ونجح عبر سنوات من العمل المتواصل فى بناء حضور قوى على منصات التواصل الاجتماعى المختلفة، حيث يمتلك حسابات نشطة على «فيسبوك وإنستجرام وتيك توك ويوتيوب»، ويتابع محتواه أكثر من مليون متابع من مصر ومختلف أنحاء الوطن العربى. وأتاح له «الكوسبلاى» المشاركة فى فعاليات دولية والسفر إلى دول عدة من بينها الإمارات العربية واليابان، ليصبح نموذجًا واضحًا لقدرة هذه الهواية على فتح آفاق جديدة أمام الشباب.
وفى تصريحات لـ«صباح الخير»، أوضح زياد أن رحلته مع «الكوسبلاى» بدأت من خلال حبه للأنمى والألعاب الإلكترونية، قبل أن تتحول الهواية تدريجيًا إلى شغف حقيقى دفعه إلى المشاركة فى الفعاليات وصناعة المحتوى المتخصص. ويعتبر أن اكتشافه للكوسبلاى عبر منصات التواصل الاجتماعى كان نقطة التحول الأهم، بعدما لفت انتباهه نجاح الممارسين فى تحويل الشخصيات الخيالية إلى نماذج واقعية نابضة بالحياة.
وأشار إلى أن أول شخصية قام بتجسيدها كانت شخصية «إل» من مسلسل Death Note، بسبب تصميمها البسيط نسبيًا مقارنة بشخصيات أخرى أكثر تعقيدًا. ومع مرور الوقت لم يعد اهتمامه مقتصرًا على الشخصيات نفسها؛ بل امتد إلى تصميم الأزياء والأداء التمثيلى وصناعة المحتوى، وهى الجوانب التى منحته خبرات متنوعة ساعدته على تطوير مهاراته بشكل مستمر.
ويؤكد زياد أن إعداد زى كوسبلاى واحد قد يستغرق ما بين أسبوعين وشهر كامل، بينما تحتاج بعض الشخصيات ذات التفاصيل المعقدة إلى فترات أطول، موضحًا أنه يعتمد أحيانًا على جهوده الشخصية فى تعديل بعض الأجزاء، بينما يلجأ فى المشروعات الكبيرة إلى متخصصين للوصول إلى أعلى مستوى ممكن من الجودة والدقة.
ومن بين الشخصيات التى قدمها زياد، يصف شخصية «غوجو ساتورو» من سلسلة Jujutsu Kaisen بأنها الأكثر متعة بالنسبة له، نظرًا لشعبيتها الكبيرة وكاريزما الشخصية التى تمنح المؤدى مساحة واسعة للتفاعل مع الجمهور. وفى المقابل يرى أن الشخصيات التى تحتوى على دروع ضخمة وإكسسوارات كثيرة تمثل التحدى الأكبر بسبب ما تتطلبه من وقت وتكلفة ومجهود فنى كبير.
ويعتبر أن «الكوسبلاى» لم يكن مجرد وسيلة للترفيه، بل تجربة ساعدته على اكتساب مهارات عديدة تشمل صناعة المحتوى والتصوير والأداء أمام الكاميرا والتعامل مع الجمهور وإدارة الوقت والتخطيط للمشروعات. كما ساهمت مشاركته فى الفعاليات والوقوف أمام الحضور فى تعزيز ثقته بنفسه وتطوير قدراته التواصلية بصورة ملحوظة.
ويرى أن المجتمع المحلى يشهد تطورًا كبيرًا على مستوى جودة الأعمال وعدد الفعاليات واهتمام الجهات المنظمة والرعاة بهذا المجال. لكنه يشير فى الوقت نفسه إلى أن ارتفاع تكلفة الخامات والأزياء وصعوبة توفير بعض المستلزمات المتخصصة ما زال يمثل أحد أبرز التحديات التى تواجه المبتدئين والراغبين فى دخول هذا العالم الإبداعى.
مهرجانات متنوعة
ومؤخرا، شهدت فعاليات الأنمى والكوسبلاى فى مصر تطورًا واضحًا من حيث الحجم والتنظيم وعدد المشاركين. فبعد أن كانت التجمعات تقتصر على مساحات محدودة، أصبحت المهرجانات تستقطب آلاف الزوار سنويًا وتوفر برامج متنوعة تناسب مختلف الاهتمامات.
وتوسعت فعاليات الأنمى والكوسبلاى فى الحجم والتنظيم، ومنها مهرجان «إيجى كون» الذى يعد أول وأكبر تجمع سنوى لعشاق الأنمى والثقافة اليابانية فى مصر، فقد انطلق عام 2014 واستقطب نحو 1650 مشاركًا فى نسخته الأولى التى أقيمت فى المركز الثقافى بساقية الصاوى.
ومنذ ذلك الحين انتقل المهرجان إلى مواقع أكبر، حيث أقيمت دورات 2015 ــ 2020 فى الجريك كامبس بالجامعة الأمريكية بوسط القاهرة، ثم نُظم فى حدائق فاميلى بارك بالقاهرة الجديدة (ابتداءً من 2021) واحتفل بالنسخة الحادية عشرة فى 2024 فى صالة «كلوب 7» بالمعادى وعلى غرار إيجى كون، ظهرت فى السنوات الأخيرة مهرجانات كبرى للألعاب الإلكترونية والترفيه الرقمى، ومنها مهرجان «إنسومنيا إيجيبت» الذى انطلق عام 2019 فى مركز مصر للمعارض الدولية بالقاهرة الجديدة، واستقطب أكثر من 25,000 من عشاق الألعاب والتقنية على مدار أيامه.

كذلك برزت فعاليات متخصصة فى الرياضات الإلكترونية؛ اجتذبت أكثر من 10,000 مشارك. كما تنظم منصات محلية مثل «Gamers Lounge» بطولات دورية فى ألعاب شعبية عالميًا وقتها Dota 2 وLeague of Legends وغيرها، ما ساهم فى تنمية مشهد الألعاب التنافسية محليًا
وأدى النمو المستمر فى أعداد الحضور إلى انتقال العديد من الفعاليات نحو مواقع أكبر وأكثر قدرة على استيعاب الأعداد المتزايدة.
وقد انعكس ذلك على جودة التنظيم والخدمات المقدمة ومستوى التجربة التى يحصل عليها الزوار وأصبحت الرعاية التجارية المتزايدة لهذه الفعاليات فى مستوى الاحترافية وتوفير فرص أوسع للمشاركين. كما عززت من حضور ثقافة الأنمى والكوسبلاى داخل المشهد الترفيهى المصرى بصورة أكثر وضوحًا وتأثيرًا.
وتشير التجارب الحالية إلى أن الأنمى والكوسبلاى لم يعودا مجرد هواية مستوردة، بل أصبحا مساحة ثقافية محلية قادرة على إنتاج محتوى وإبداعات تعكس طاقات الشباب المصرى. ومع استمرار الدعم والتطوير قد يتحول هذا المجال إلى أحد روافد الاقتصاد الإبداعى خلال السنوات المقبلة.